تشهد البلدان العربية اليوم في ظلّ جائحة كورونا تقديم عددٍ من الشباب لاختراعات وإنتاجات علمية، برامج وتطبيقات هواتف، أجهزة وأدوات طبية... من أجل كبح انتشار فيروس كورونا المستجدّ في بلدانهم.

مبادرات شبابية لمحاربة كورونا
مبادرات شبابية لمحاربة كورونا (TRT Arabi)

بعد قرار تعليق التعليم الحضوري بالمدارس والجامعات، ضمن إجراءات محاصرة انتشار "كورونا" بالمغرب، يعمل كريم ويونس وخديجة على تجويد خدمات تطبيق رقمي للتعليم عن بعد، قاموا بتطويره قبل أسابيع، ويستفيد من خدماته اليوم عدد من المؤسسات التعليمية بالمغرب، في تقديم دروس ومحاضرات وتنظيم فصول افتراضية للتلاميذ عبر الإنترنت.

الشباب الثلاثة بعد انتهائهم من تطوير هذه المنصة التعليمية الرقمية يعملون اليوم على تحسين خدماتها، بناء على اقتراحات المدرسين والمؤسسات، لضمان مرور الفصل الافتراضي بأفضل الظروف، ونجاح العملية التربوية في الإلقاء والتلقي بين الطلبة والأساتذة، وتقريب مختلف خدمات المؤسسات من الطلاب وأولياء أمورهم.

"منذ أن طورنا المنصة، بدأت مؤسسات تعليمية عدة الاعتماد عليها في التدريس عن بعد وعقد اجتماعاتها الإدارية، بعد قرار تعليق التعليم الحضوري وتعويضه بالتعليم عن بعد"، يقول كريم وائل أحد مطوري التطبيق في تصريح لـTRT عربي، إنهم "يقومون كل يوم بمتابعة دقيقة ويومية، للتعديل والتحسين بمميزات المنصة وخاصياتها، بناء على الملاحظات التي تقدمها المؤسسات".

منذ أن طورنا المنصة، بدأت مؤسسات تعليمية عدة الاعتماد عليها في التدريس عن بعد وعقد اجتماعاتها الإدارية، بعد قرار تعليق التعليم الحضوري وتعويضه بالتعليم عن بعد.

كريم وائل، مطور تطبيق رقمي للتعليم عن بعد في المغرب

غير بعيد عن المغرب بولاية مستغانم الجزائرية، يعتكف المخترع فوزي برحمة داخل مختبر برفقة فريق من المبتكرين الشباب، للعمل على تطوير عدد من الاختراعات، إذ قُسم منذ بدء انتشار الفيروس العمل بينهم لمجموعات تدرس وتبتكر مشاريع وحلولاً للظرفية الصحية الراهنة، كمشروع إنجاز كمامة طبية ذكية، ستساعد على التزام تدابير التباعد الاجتماعي، إذ تبعث إلى مرتديها تنبيهاً إذا لم يحترم مسافة الأمان الموصى بها، وتقيس حرارة المحاذين لحاملها.

كما يسهر فريق المختبر على تطوير مشروع طائرة (Drone) تقوم بعملية مسح حرارية على مناطق واسعة وقياس درجات الحرارة، لتحديد الحالات المشكوك في إصابتها بالفيروس، فضلاً عن تطبيق رقمي للهواتف المحمولة، يكشف إصابات كورونا في البلد، صُمِّم ووُضع رهن إشارة السلطات الصحية.

"دينامية جديدة"

مشاريع الشباب المغاربة الثلاثة والفريق الجزائري ليست سوى نماذج من ضمن عشرات المبادرات الأخرى التي رأت النور في زمن "كورونا"، أنجزها شباب المنطقة المغاربية والعربية، من مستويات تعليمية واجتماعية مختلفة، إسهاماً منهم في جهود كبح انتشار القاتل غير المرئي، ودعماً لجهود الأطقم الصحية والعمومية التي تسابق الزمن للسيطرة على وضعية الحالة الوبائية.

بولاية مستغانم الجزائرية، يعتكف المخترع فوزي برحمة داخل مختبر برفقة فريق من المبتكرين الشباب
بولاية مستغانم الجزائرية، يعتكف المخترع فوزي برحمة داخل مختبر برفقة فريق من المبتكرين الشباب (فوزي برحمة)

محمد التباع، مخترع ومشرف على مختبر جامعي للابتكار الهندسي، قال إن "رجّةً وديناميةً ملحوظَين تسجَّلان في الإنتاجات العلمية التقنية، من خلال أعداد الاختراعات والمبادرات العلمية، على المستويين الكمّي والكيفي"، مشيراً إلى أن "الظرفية العالية تعرف انخراطاً ورغبة كبيرة تعتري صفوف الطلبة والأساتذة في الابتكار والإنتاج"، سواء التي تخص آليات إنتاج بعض الأدوات الطبية أو التطبيقات الرقمية.

وأوضح في تصريحه لـTRT عربي، أن أزمة كورونا بعثت طاقة جديدة وقوية لدى الجميع، مستشهداً بالمختبر الذي يديره، وقال إنه يلامس في صفوف طلبته إقبالاً على المبادرة والاقتراح بشكل أكبر من السنوات الماضية، لرغبتهم في خدمة مجتمعاتهم وإيجاد حلول للنقص المتوقع في الأدوات الطبية أو الحاجة إلى حلول مبتكرة للتعامل مع الظروف الخاصة التي فرضها الوضع الحالي.

الحركية المسجلة في الابتكار والإنتاج تلقى احتفاءً كبيراً من طرف رواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين يبادرون بتشجيع مبادرات الشباب المخترعين من خلال تعليقات إيجابية ومشاركة جديد ابتكاراتهم، بغض النظر عن أهميتها أو قيمتها العلمية، كما تستأثر باهتمام وسائل الإعلام، إذ صعد نجم عدد من المخترعين الذين باتوا يتصدّرون عناوين الأخبار التي كانت إلى وقت غير بعيد محجوزة لرجال السياسة والرياضة والفن فقط.

كورونا كشفت عما "كان مخفياً من قدرات كبيرة يتوفر عليها الشباب العربي والمغاربي، في الإبداع وابتكار الحلول.

مصطفى راجعي، مختص جزائري في علم الاجتماع

في هذا السياق، لم يخفِ محمد التباع تمنياته بأن يستمر هذا الاهتمام والتشجيع، سواء على المستوى الرسمي من خلال دعم مجهودات البحث العلمي والمبتكرين، أو على مستوى المجتمع، لتشجيع المواهب خصوصاً الأقل سنّاً وحثها على التصالح مع العلوم خلال فترة ما بعد كورونا، كما أعرب عن آماله أن تشكل الفترة الحالية ثورة تُحدث تغييراً في البحث العلمي والتعليم الجامعي بالمنطقة، وأن يُوفَّرالمناخ الملائم للعمل والإبداع.

"فرصة كورونا"

المختص في علم الاجتماع، الجزائري مصطفى راجعي، قال إن كورونا كشفت عما "كان مخفياً"، من قدرات كبيرة، يتوفر عليها الشباب العربي والمغاربي، في الإبداع وابتكار الحلول، مشيراً إلى أننا قبل كورونا، كنا نعرف جميعاً حجم الطاقات والمواهب التي تزخر بها بلداننا، فتتألق في المحافل الدولية وتحصل على الجوائز العالمية في مجالات الابتكار، غير أن هؤلاء الشباب، حسب المتحدث ذاته، "عانوا من غياب الدعم اللازم والمواكبة وبيئة العمل المساعدة على ازدهار المؤسسات الناشئة التي يخلقها الشباب المبدع"، مضيفاً أن أزمة "كورونا"، جاءت ومنحت الفرصة لهؤلاء الشباب للبروز والتألق والإبداع، لمساعدة بلدانهم ومجتمعاتهم فيما يتعلق بالتجهيزات الطبية والرقمية.

مشروع إنجاز كمامة طبية ذكية، ستساعد على التزام تدابير التباعد الاجتماعي، إذ تبعث إلى مرتديها تنبيهاً إذا لم يحترم مسافة الأمان
مشروع إنجاز كمامة طبية ذكية، ستساعد على التزام تدابير التباعد الاجتماعي، إذ تبعث إلى مرتديها تنبيهاً إذا لم يحترم مسافة الأمان (TRT Arabi)

وفسّر راجحي الدينامية الملحوظة في ابتكارات الطلبة والمهندسين والمراكز البحثية بكون الظروف الجديدة التي فرضها الوباء قوّت رغبة الانخراط والمساعدة وخدمة المجتمع، علاوة على الحاجة أم الاختراع، موضّحاً أن "عدداً من هؤلاء المخترعين سارع فور علمه بوجود نقص في معدات تقنية ببلده إلى ابتكارها، كما أن عدم توفر المستشفيات على الوسائل أو ندرتها وعدم مقدرة الدول على استيرادها أمام الحصار المفروض عالمياً على المنتجات الطبية، دفعها إلى تعزيز الثقة في المنتج المحلي وتشجيع ابتكارات الشباب، فأصبحت ترحب بكل منتج أو خدمة من شأنه مواجهة هذه الأزمة الصحية".

لئن شكلت ظروف الجائحة، فرصة للمبتكرين والمبدعين، من أجل إظهار قدراتهم في الريادة والابتكار والإبداع، وتقديم عدد من المبادرات والإنتاجات العلمية، فإنها تُبيّن وفق المتحدث أن العائق أمام إبداع المخترعين والمبتكرين والبحث العلمي بالمنطقة هو "البيروقراطية الحكومية، التي تضع شروطاً معقدة، لا تفتح المجال للشباب لاقتحام السوق، وترويج ابتكاراتهم"، الأمر الذي تكشفه، حسب المتحدث، "تقارير البنك الدولي حول مناخ الأعمال التي تظهر البيئة العربية كبيئة غير مساعدة لدعم المقاولات الشّابة وتطويرها".

وفي ختام تصريحه لـTRT عربي، تمنَّى الباحث في علم الاجتماع بعد كورونا "استمرار ديناميكية الشباب في البحث العلمي والابتكار والمبادرة للإنتاج، وألا تقتصر على مثل هذه الظروف الحالكة، وأن تتقوى الثقة في الإنتاج المحلي، فضلاً عن تخفيف القيود البيروقراطية، ليتمكّن الشباب من المشاركة والمساهمة في رفع تحديات البلدان العربية في جميع الميادين".

المصدر: TRT عربي