أجبر انتشار وباء فيروس كورونا المليارات من البشر على المكوث في البيت الأمر الذي وضعهم أمام ضرورة إعادة تقييمهم للبيت ولدوره في حياتهم.

وجدت مئات الملايين من العائلات أنفسهم أمام ضرورة البقاء في البيت والاستمرار في حياتهم عبر استخدام بعض التطبيقات للتواصل والتعليم
وجدت مئات الملايين من العائلات أنفسهم أمام ضرورة البقاء في البيت والاستمرار في حياتهم عبر استخدام بعض التطبيقات للتواصل والتعليم (Reuters)

خشي قوم موسى على أنفسهم، ولشدة خوفهم كانوا لا يصلون إلا في دور عبادتهم يملؤهم الرعب، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد، "وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين" (يونس: 87). قال ابن عباس: "إنهم أمروا أن يتخذوها مساجد"، وفسر ابن كثير أن البيت يصبح مسجدا لما يشتد البلاء، وهذه الآية وإن تعلق سياقها الزماني بمرحلة تاريخية غابرة، تتعلق ببني إسرائيل واضطهاد فرعون لهم، إلا أنها تحمل دلالات لإعادة التفكير في معنى البيوت ودورها، خاصة في ظل معطيات جائحة كورونا التي جعلت من البيوت ملجأ من الخطر.

إن المتأمل في القرآن الكريم يجد إشارات ودلالات كثيرة عن البيوت ودورها، كما في قصة محراب مريم وهو في بيتها، قال الله تعالى: "كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا" (آل عمران 37)، وفيه إشارة للأمن النفسي والغذائي.

وتأتي أهمية البيوت من الدور الذي أنيط بها، كما في قوله تعالى "والله جعل لكم من بيوتكم سكناً" (النحل 88)، فالسكن وظيفة عضوية للبيت، وقد عرف عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته أن قيامهم وتعبدهم ما عدا الصلوات الجامعة كان مكوثا في بيوتهم، كما وردت أحاديث كثيرة عن صفة صلاة النبي وتهجده مع زوجاته، وكيف كان يصلي بجانب فراشه، يوقض السيدة عائشة رضي الله عنها وهي تعترض محرابه نائمة وهو قائم يصلي، تلك كانت الروح السارية في البيت.  

والبيت من منظور القرآن نعمة كبيرة، فعندما انتقم الله تعالى من يهود بني النضير سلبهم هذه النعمة وحرمهم من ديارهم، قال الله تعالى "هو الذي أخرج الذين كفروا من ديارهم لأول الحشر". ثم قال: "يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار " (الحشر 2)، ومثَّلَ القرآن أيضا البيت الضعيف ببيت العنكبوت لأنه هش تعبث به الريح والمطر ولا تأمن فيه العنكبوت من الخطر.

والبيوت ليست سواء، فالبيت الذي يشع منه الحب والوئام، والرحمة والذكر والتواصل والتشاور ليس مثل البيت الذي يسوده البرود العاطفي والقسوة مهما تزينت ردهاته ولو كان قصورا فارهة.

ولذلك مثّل النبي صلى الله عليه وسلم البيت الذي يذكر فيه الله تعالى والذي لا يذكر فيه الله مثل الحي والميت. ويسع المرء بيته في حالات الشدة والضيق والاضطراب، ومكوثه في بيته حماية ووقاية، حين يقرر أن يعتزل، كما نجد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، "طوبى لمن ملك لسانه ووسعه بيته وبكى على خطيئته"، وقوله "سلامة الرجل من الفتنة أن يلزم بيته".

ولأهمية البيوت فإن الإسلام رعاها بقوانين وآداب وحرمة. قال تعالى "يا أيها الذي آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم " (النور 27 و28)، "وأتوا البيوت من أبوابها" (البقرة 189)، فهي محاطة بنظام حماية مناعية متكامل يأخذ بعين الاعتبار الراحة والخصوصية والأمن النفسي والجسدي.

وكل من يقطن البيت فهو من أهل البيت حتى الحيوانات تشملها الحماية والرعاية كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم " السنور من أهل البيت، وأنه من الطوافين، والطوافات عليكم". وفي كتب الفقه مادة دسمة عن حق المسكن وحرمته وحق الجار، وتفاصيل مهمة تؤكد أن للبيوت دورا كبيرا في تهيئة الظروف الروحية والمادية والمعنوية لعيش كريم في مجتمع وحداته بيوت آمنة ومطمئنة، حتى إن البيت الواسع والآمن من جار السوء من ضمن الأدعية النبوية.

غير أن جائحة كورونا قد غيرت كثيرا من المعادلات الاستراتيجية والفكرية على السواء، حيث أصبحت البيوت بديلا لفضاءات ومؤسسات، والاعتصام بالبيوت في الحجر الصحي كان تأمينا للناس من المرض والخوف، والبيوت العامرة بالذكر والصلاة تحولت إلى محاريب ومساجد، بل ومراكز للتعليم عن بعد، والعمل والابداع، وهو ما يتلاءم مع معنى البيت في اللغة الذي يطلق على المسكن والمنزل ودار المبيت، وعلى امرأة الرَّجل وعياله، وعلى القُوت أيضا.

إذ لو حررنا المصطلح من مجرد أمن الخطر والخوف، فإننا سنكتشف قيمة مضافة للبيت وفق النصوص والمعطيات الجديدة، فهو أيضا قبلة ومحضن القيم والأخلاق، ومؤسسة صناعة الانسان، وقاعدة الرفاه والتنمية، والبيوت في تاريخ الحضارة الاسلامية وغيرها من الحضارات العريقة مصدر الأمن والأمان والابداع والأدب والفلسفة والفنون.

أما البيوت في عصر التكنولوجيا والفضاء الافتراضي، فقد أصبحت مركزا للفكر الحر والابداع والاختراع والمبادرات الاقتصادية والمشاريع الرائدة، حيث يوجه كثير من الناس من بيوتهم مستقبل العالم بلمسات من على أجهزتهم، ومنها يخوضون تجارب البيوت الافتراضية بمعايير زمنية وموضوعية مختلفة ستؤثر في المستقبل القريب على النسيج الاجتماعي والفكري، وستفرض تحديات غير مسبوقة تستدعي الدراسة والاهتمام.  

وقد كشفت وسائل الاتصال الحديثة والثورة التكنولوجية عن أداور جديدة وبيئة مختلفة تماما لرفاه الأسرة، كما بدأت تؤثر على الهندسة العمرانية والاجتماعية والانسانية على السواء. وأتوقع من جهة أن تلعب البيوت في المستقبل أدوارا أعمق وبشكل غير مسبوق، ومن جهة أخرى سنواجه اشكالية احتواء معضلة إنسان العصر والاغتراب النفسي والفراغ الروحي والتزايد السريع لوتيرة القلق والتوتر وأزمة البطالة التي تركت عددا كبير من الناس في بيوتهم.

كما أن ظاهرة العمل من البيت ستكون سمة العصر الجديد مما سيفرض تغييراَ جذرياَ في بيئة البيت وتصميمه وتنظيم العيش فيه، وتوفير نوع من الحماية الضرورية التي تشبه ما يسمى في لغة التكنولوجيا بالجدار الناري Fire wall.  

ولأن البيوت مهما كانت بسيطة، ستظل مصدرا للطمأنينة والسكينة والهدوء النفسي، فيها تتبادل الرعاية والرفق والتكافل، كما في قوله صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيعه"، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته.

فالنبي قد أسس لبيت الحب والرفق والرحمة كما في قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا أراد الله - عز وجل - بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق "، وهو ما يدل على أنه لم تكن لتمنعه نبوته ومشاغله من قضاء أوقات في بيته يخيط فيها ثوبه، ويخصف نعله، ويداعب أهله وأحفاده، ومع ذلك يجد طله أوقاتا العبادة وللقيلولة والتأمل والسؤال عن الجيران وتفقد أحوال الناس، واستقبال الضيوف والوفود، وهو ما يدعو إلى التأمل في خصائص البيت النبوي مع اعتبار كافة المعطيات الجديدة اليوم.

إننا نواجه أزمة محتوى، ومشكلة بيوت فارهة مجهزة بأحدث المرافق وأثمن الأجهزة، يتم تحيينها بأحدث الأثاث والتكنولوجيا، لكنها تفتقر إلى الأمن والسكن النفسي، ففيها ينفرد كل بجهازه وعالمه، ليتواصل مع العالم كله ثم لا يكاد يجتمع مع أهل بيته أو يسأل عن مريض أو حزين أو مرهق في الغرفة المجاورة. وخارج البيوت صراع اتسعت فيه مساحة الحروب وكثر عدد المشردين واللاجئين دون مأوى يقيهم الجوع والبرد والخوف، والبيت بالنسبة لهؤلاء جنة الله في الأرض، إنها معضلات العصر وأزماته الأكثر فداحة.

والمخرج من هذه الأزمة هو روح البيت وإطاره المعنوي والمادي الذي يحيط بالفرد ويشكل سلوكه ويصوغ أسلوب حياة مجتمعه، وهو ما يسميه مالك بن نبي بثقافة المجتمع بعناصرها الثلاثة المتعلقة بالأخلاق، والذوق الجمالي، والمنطق العملي.

إننا نتحدث هنا عن الثقافة كمركب اجتماعي وليس عن مجرد العلم والمعرفة، فالنهضة مشروطة بالجمع بين العلم والضمير، الخلق والفن، والطبيعة وما وراءها، حتى يستطيع الانسان أن يشيّد عالمه وفقا لقانون السنن والأسباب والوسائل. 

يضرب بن نبي مثلا بسيطا يبين أثر ثقافة المجتمع على سلوكياته، كما تجلى في الفرق بين موقف النخبتين الجزائرية واليهودية حين أصدرت فرنسا عام 1940م قـوانين استثنائية لحرمان أبناء الجالية اليهودية من التعليم، فحين استجابت النخبة الجزائرية بخطب عن فداحة الأمية والجهل واجتهدت في نشر مقالات تهاجم فرنسا، لكن عمدت النخبة اليهودية إلى البيوت فجعلتها مدارس، وتفرغ كل أفراد الجالية لتحضير الدروس وتدريس الطلاب وفق مراحل وتخصصات مختلفة، وانتهت الحرب العالمية الثانية والنخبة اليهودية في الجزائر محصنة متعلمة ونسبة الأمية في بقية المجتمع عالية وخيمة.

هذا ما يجرنا إلى تساؤلات أخرى عن ثقافتنا الاجتماعية التي ليست في الحقيقة إلا تجليات لمحتوى بيوتنا، هذا إذا أردنا أن تكون بيوتنا مقاومة ومأمنة ضد كل أنواع الهزات والأزمات.  

المصدر: TRT عربي