لا يتوقف الوجع على لحظة الإصابة بل يمتد إلى ما بعدها كثيراً عندما يكون هدف الإحتلال الإسرائيلي تأبيد معاناة الفلسطينيين باستهداف أطرافهم برصاص محرّم دولياً.

غزة: تبدأ رحلة الألم لدى مصابي مسيرات العودة منذ دخول الرصاصات إلى أجسادهم. تغيرت حياتهم بشكل كلي، وأصبحوا يعيشون على الأمل في العودة إلى حياتهم الطبيعية.

لكنّ وجود الجروح في أجسادهم الواهنة يشعر الكثير منهم بأن العزلة هي أفضل حلّ لنسيان الألم، بدلاً من الحسرة على الصحة التي ضاعت، معاناة لم تنتهِ بعد، كما أن ظروف الحياة الصعبة في غزة تنهش بوجعهم كل يوم.

العديد من الإصابات في مسيرة العودة استهدفت الأطراف السفلية. هذه الأخيرة كانت مصيرها إما البتر أو وضع أجهزة البلاتين بسبب تفتت العظم من الرصاصات المتفجرة التي دخلت أجسامهم، لكنّ أسياخ البلاتين يعتبرها المصابون حديداً ساخناً يشعل الحرارة في أجسادهم، بخاصة خلال فصل الصيف.

خليل البريم 26 عاماً أحد مصابي مسيرات العودة- غزة. 
خليل البريم 26 عاماً أحد مصابي مسيرات العودة- غزة.  (TRT Arabi)

خليل البريم (26 عاماً) متزوج ولديه ثلاثة أطفال، أصيب خلال مسيرات العودة في الصيف الماضي. كانت المرة الأولى التي يشارك بها في المسيرة، إذ أطلق الجندي الإسرائيلي رصاصة متفجرة أصابت قدمه اليسرى.

يحكي خليل لـTRT عربي عن حادثة إصابته قائلاً: "كنت متظاهر سلمياً أجلس في مخيم العودة بعيداً عن السياج الفاصل بين الاحتلال وغزة وكنت أتابع ما يحدث هناك، ذهبت ولم يكن في خاطري أنني سوف أعود إلى أطفالي مصاباً. في لحظة ما، رأيتُ مصاباً يحتاج إلى المساعدة، هرعتُ مسرعاً لنقله إلى الإسعاف، حتى فوجئت برصاصة تصيبني في قدمي ومن هذه اللحظة بدأت معاناتي مع الألم".

حرارة الصيف وانقطاع الكهرباء تزيد الألم

الرصاصة التي أصابت خليل عبارة عن رصاصة متفجرة انفجرت بداخل ساقه وأحدثت تفتتاً فظيعاً بالعظم بمقدار 3 سم، واستمر قصر العظم حتى اللحظة حتى وصل إلى 9 سنتيمترات، بسبب الالتهابات وتطور الألم في القدم. ما اضطره للخضوع لعمليات استئصال منه.

صورة تظهر إصابة خليل البريم 26 عاماً من غزة غلى إثر تعرضه إلى رصاصة من جيش الإحتلال الإسرائيلي
صورة تظهر إصابة خليل البريم 26 عاماً من غزة غلى إثر تعرضه إلى رصاصة من جيش الإحتلال الإسرائيلي (TRT Arabi)

يقول: "تمنيت أن تبتر قدمي منذ اللحظة الأولى بدلاً من كلّ هذه المعاناة، لم أعد أنام في الليل أبداً ولا أشعر بالراحة، كلّ ما أشعر به هو حرارة عالية في قدمي لا تكفي مراوح غزة كلّها لتبريدها، فكيف لشخص مصاب بهذه الحالة أن تنقطع عنه الكهرباء لأكثر من 8 ساعات في اليوم؟ إنّها ساعات موت بطيء وغير محتمل".

لم أعد خليل الذي كنته

بعيون دامعة وتنهيدات متتالية ومستمرّة من شدة الحسرة والألم، لا يزال خليل يتحدث عن وجعه. يشعر أنه فقد حنان الأبوة بسبب توتره العصبي الذي نتج عن إصابته. فقد القدرة على تحمل أي ضغط أو التكيف مع ظروف الحياة الصعبة بسبب الألم.

يحكي لـTRT عربي معاناته اليومية "حتى أطفالي لا يقتربون مني حتى لا يسمعوا أنيني وصراخي من شدة الألم، جهاز البلاتين هو أشبه بالسم الذي يجري في جسدي، أتمنى التخلص منه بسرعة بدلاً من رؤية قدمي تتعفن من شدة الحرارة. إنني أراها تتعفن أمامي يومياً، وأفقدها شيئاً فشيئاً. أتمنى فعلاً أن أرتاح من هذا الألم، واشتقت لاحتضان أطفالي من جديد".

كل ما يتمناه خليل أن يزول الألم من قدمه. يقول: "لا أريد شيئاً سوى العودة إلى حياتي القديمة، الخروج مع أصدقائي، العمل لكسب قوت العيش وتلبية حاجيات أطفالي. أريد أن أعود الأب الذي كنته".

الألم الأبدي

ملينا الهندي (34 عاماً)، أم لثمانية أطفال، أصيبت قبل ثلاثة أشهر في جمعة المرأة وكانت إصابتها بالفخذ، ما اضطرّها إلى وضع جهاز بلاتين بسبب تفتت العظم بمقدار 3 سم.

لم تكن الإصابة بسيطةً على أمّ تعول ثمانية أطفال. أصبحت عاجزةً عن القيام بأيّ شيء.

ملينا الهندي (34 عاماً) إحدى مصابات مسيرات العودة في قطاع عزة
ملينا الهندي (34 عاماً) إحدى مصابات مسيرات العودة في قطاع عزة (TRT Arabi)

تحكي في حديثها لـTRT عربي قائلة: "كنت أهتم بالمشاركة في مسيرات العودة إيماناً مني بأن لدي حقاً في العودة والعيش بكرامة، وحباً لوطني، ودفاعاً عن حقوقنا التي غرست في قلوبنا منذ الطفولة، لكنني لم أفكر للحظة بأنني قد أصاب وأجلس على كرسي متحرك عاجزة عن القيام بأي شيء".

وتضيف: "الاحتلال الإسرائيلي أطلق الرصاص عليّ في المرّة الأولى فأصبت في ظهري برصاصةٍ لا تزال موجودة وتحتاج إلى عملية للتخلص منها، أمّا في المرّة الثانية، فقد أصبت برصاصة متفجرة في الفخذ حرمتني من الحركة والعيش بشكل طبيعي طيلة حياتي".

أمّ عاجزة

لم تعد ملينا قادرة على رعاية أطفالها وتلبية حاجياتهم والاهتمام ببيتها، السبب هو وجود الألم وجهاز البلاتين الذي ضاعفه أكثر فأكثر.

"أشعر كأنّ هناك شعلة من النار في جسدي، تزداد اشتعالاً بفعل الحرارة العالية التي نعاني منها بفصل الصيف في ظل انقطاع الكهرباء المستمر، كل ما أفعله طوال الوقت هو البحث عن مكان به تهوية من أجل الشعور بنعمة البرودة في جسدي"، تقول ملينا لـTRTعربي بحزن.

الرصاص المستخدم هو رصاصٌ متفجر إذ يدخل الجسم وينفجر بداخله ويؤدي إلى تفتت العظام ما يضطرّ المصابين إلى زراعة البلاتين داخل أجسامهم.

الدكتور أيمن السحباني مدير قسم الاستقبال في مستشفى الشفاء

وتضيف: "أكره هذا السرير الذي أرقد عليه طول الوقت، أكره عدم قدرتي على أن أطبخ شيئاً لأطفالي، أكره أن أرى بيتي بحالةٍ مزرية، أكره حتى هذا الكرسي المتحرك وهذين العكازين اللذين سأضطرّ إلى الاستناد عليهما طيلة حياتي".

العلاج بعيد المنال

ليس أمراً بسيطاً بالنسبة لميلينا أن تقضي وقتها على كرسي متحرك. يرافقها ابنها إلى كل مكان داخل البيت أو خارجه. تعاني عندما تمشي في الشارع على كرسي متحرك فتلاحقها العيون بنظرات الشفقة.

تتمنى ملينا أن تسافر للعلاج في الخارج للتخلص من كلّ هذا العذاب. غير أنّ الذي يمنعها هو ظروفها الاقتصادية الصعبة، فهي تحتاج إلى تكاليف كثيرة.

تقول: "لا يفكر المحتلّ بظروف المواطنين، إنه يعلم أن ظروف غزة صعبة، وأنّ الإصابة ستتحول إلى معاناة مدى الحياة، وأنّه من الصعب اللجوء إلى العلاج. المحتلّ يقتلنا كلّ يوم ويصيبنا برصاصات الغدر المتفجرة لتتضاعف معاناتنا".

سنةٌ من العزلة

بنبرة صوتٍ حزينة، يتحدث رأفت النجار (22 عاماً) الذي أصيب برصاصة متفجرة في القدم اليمنى والتي أصابت القدم اليسرى أيضاً، إلىTRTعربي: "أصبحت أحب الجلوس وحدي. لم أعد أرغب في الخروج. أتفادى بكل الطرق رؤية الشباب في سني وهم قادرون على المشي والتنقل بينما أقبع في زاويتي عاجزاً عن الحركة منذ أكثر من عام".

ملينا الهندي إحدى مصابات مسيرات العودة مع أحد أبنائها الثمانية 
ملينا الهندي إحدى مصابات مسيرات العودة مع أحد أبنائها الثمانية  (TRT Arabi)

ويضيف رأفت: "لا شيء في حياتي سوى المرض والمعاناة مع حرارة الصيف. حتى الكهرباء غير موجودة لتشغيل المراوح والتخفيف من الحرارة والألم. قدماي التي زرعت بها بلاتيناً، لا أريد شيئاً سوى تخفيف الحرارة التي تشتعل في جسدي بسبب هذه الإصابة".

كانت حياة رأفت قبل الإصابة مختلفة تماماً. كان شابا نشيطاً يعمل لعول أسرته. يجرّ كلّ صباح عربته الصغيرة لبيع المنظفات ويحلم بحياةٍ أفضل.

ماتت أحلامه اليوم، ولم يعد قادراً حتى على تحمل نفسه.يقول: "لم أكن أتعب أبداً. أشتاق إلى حياتي الطبيعية القديمة حين كنت قادراً على التواصل مع الناس والحديث إليهم، دمرني الألم ودمرتني المسكّنات أكثر".

في هذا السياق، يرى الدكتور أيمن السحباني، مدير قسم الاستقبال في مستشفى الشفاء إنّ "الإصابات التي تأتي من الحدود الشرقية خلال مسيرات العودة أغلبها إصاباتٌ في الأطراف السفلية، إذ يتعمد الاحتلال قنص هؤلاء الشباب لإصابتهم بالعجز".

ويضيف: "أما الرصاص المستخدم فهو رصاصٌ متفجر، إذ يدخل الجسم وينفجر بداخله ويؤدي إلى تفتت العظام، ما يضطرّ المصابين إلى زراعة البلاتين داخل أجسامهم، كل هذا في محاولةٍ من الأطباء لعدم بتر الأطراف السفلية".

من جهتها، أصدرت وزارة الصحة في غزة إحصائياتٍ لعدد الإصابات في الأطراف السفلية بعد مرور عام على انطلاق مسيرات العودة التي بدأت في شهر مارس/آذار الماضي، إذ بلغ عددها اليوم حوالي 7731 إصابة، من بينها 122 شخصاً مصاباً تمّ بتر أطرافه.

المصدر: TRT عربي