الانتحار (Others)
تابعنا

على ضوء الأرقام والإحصائيات الصادمة التي نشرتها مؤخراً منظمة الصحة العالمية، فيما يتعلق بمعدل حالات الانتحار في العالم، دقت عواصم العالم العربي نواقيس الخطر من نمو مقلق لهذه الظاهرة، خاصة في صفوف شبابها اليافعين، والإناث منهم بشكل أكبر.

وبينما تحاول هذه الحكومات معالجة هذه الآفة المستشرية في مجتمعاتها، تتساءل جهات مختصة عن حقيقة الأسباب الكامنة وراء استفحالها، للتمكن من معالجتها من جذورها وإيلائها الاهتمام الكافي.

وفي هذا السياق، أشار محللون ومختصون، أنه وفق ما كشفت عنه الأرقام الرسمية، فإن حالات الانتحار كانت تتركز أساساً في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وتلك التي تجتاحها الحروب والنزاعات.

آفة تجتاح العالم العربي

بشكل يكاد يكون شبه يومي، لا تتوقف الوسائل الإعلامية ومنصات التواصل الإجتماعي عن نشر أخبار حول العديد من حالات الانتحار. وبينما لم تستثني هذه الظاهرة أي قطر حول العالم، فقد شهدت أيضاً نمواً مفزعاً في بلدان العالم العربي.

ووفق ما أشارت إليه تقارير منظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 700 ألف شخص ينهون حياتهم سنوياً، بشنق أنفسهم أو ابتلاع الأدوية والمبيدات، أو استخدام الأسلحة النارية، وهي من أكثر الأساليب شيوعاً حول العالم.

وكشفت الإحصائيات أن حوالي 77% من حالات الانتحار وقعت في البلدان المتوسطة ومنخفضة الدخل، مما يحيل إلى دور الظروف الاجتماعية والاقتصادية المتردية، بشكل كبير، في إثارة الإحباط واليأس لدى الكثيرين من أبناء الفئات الهشة بالمجتمع، والذين يتخذون بذلك القرار في النهاية بالانتحار.

ويعتبر بذلك الانتحار، وفق تقرير المنظمة، رابع سبب للوفاة في العالم، خاصة بالنسبة للفئة العمرية التي تتراوح بين سن 19 و25 عاماً.

ومع تنامي هذه الظاهرة واستفحالها حول العالم، سجلت بلدان العالم العربي أيضاً، أكثر من 26 ألف حالة انتحار، تتفاوت من دولة إلى أخرى.

رغم أنه رقم صادم، فإن الخبراء والمختصين أكدوا أن أعداد محاولات الانتحار التي باءت بالفشل، تتجاوز ذلك بكثير، مما يثير مزيداً من المخاوف والقلق عن مدى خطورة هذه الآفة على تركيبة المجتمعات العربية، وعلى شبابها على وجه التحديد، الذي سجل أكثر معدل للانتحار خلال السنوات الأخيرة.

وتحتل مصر المرتبة الأولى عربياً من ناحية معدلات الانتحار، تليها في ذلك السودان ثم اليمن فالجزائر.

ففي عام 2019، انتحر في مصر وحدها 3022 شخصاً. ولكن السلطات المصرية لا تزال تواصل إنكار هذه الأرقام معتبرة بأنها غير دقيقة، وأكدت في المقابل أن معدل الانتحار لا يتجاوز 1.29 شخصاً لكل 100 ألف نسمة.

وفي العراق، نقلت مؤخراً الوكالة العراقية الرسمية، عن المتحدث باسم وزارة الداخلية خالد المحنا، تصريحه: "بلغت حالات الانتحار خلال العام الجاري 772 شخصاً بارتفاع أكثر من 100 حالة عن العام 2020 الذي سجل 663 شخصاً".

وأوضح المحنى أن "36.6% من المنتحرين خلال العام الجاري كانت أعمارهم أقل من 20 عاماً، فيما تشكل نسبة الذكور 55.9%، والإناث %44.1".

أما في سوريا فقد حذرت في وقت سابق منظمة إنقاذ الطفولة، بناء على أرقام وإحصائيات رسمية، من ارتفاع مفزع لمعدلات الانتحار في صفوف المراهقين بشمال غربي سوريا، خلال السنوات الأخيرة.

ولم يختلف الوضع كثيراً في المغرب والأردن ولبنان وغيرها من البلدان العربية، التي تفجع بشكل يومي بانتحار أبنائها. وسط عجز عن الإحاطة بهذه الظاهرة.

وفي سياق متصل، ووفق ما نشره موقع المكتبة الوطنية للطب الأمريكي مؤخراً، فإن الإناث يعتبرن من أكثر الفئات المجتمعية، التي انتحرت في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة.

ما أسباب هذه الآفة المجتمعية؟

بينما دعت منظمة الصحة العالمية إلى ضرورة الإحاطة النفسية والعمل على دعم الصحة العقلية، خاصة للمراهقين والشباب والمنضوين ضمن فئات المجتمع الهشة، أكد مختصون على تفكيك الظاهرة والوصول إلى أسبابها الحقيقة، لوضع السياسات والتدابير المناسبة لمعالجتها.

وفي هذا السياق اعتبر خبراء وأخصائيون أن الظروف المأساوية والأزمات التي تعايشها البلدان العربية قد تسبب في حجم كبير من الضغوط النفسية، التي أدت إلى ارتفاع حالات الانتحار.

وتحدث عن ذلك المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية خالد المحنا قائلاً: "أسباب ارتفاع حالات الانتحار ترجع إلى الضغوط النفسية والعنف الأسري وتدهور الأوضاع الاقتصادية وانتشار البطالة والفقر في البلاد."

فيما عزا محللون تنامي الظاهرة إلى دور مواقع التواص الاجتماعي في تشجيع المراهقين واليافعين على فكرة الانتحار، وبث اليأس والإحباط فيهم، وتضليلهم بالكثير من المعلومات المؤذية.

وإن كانت أسباب الفشل في الدراسة، والفشل العاطفي ومختلف الأمراض النفسية قد تدفع بالكثيرين إلى إنهاء حياتهم، فإن الأزمات الأخيرة والحروب وانتشار البطالة والفقر وحالة اليأس السائدة على المجتمعات قد تقف على قائمة الأسباب الحقيقية لاستفحال الظاهرة.

وفي ذلك تقع المسؤولية على عاتق الجميع، من أسرة وسلطات ومكونات المجتمع المدني لمجابهة مزيد تفشيها.

TRT عربي