تأتي تحركات السفن التركية مؤخراً في شرق المتوسط في إطار إبرام معاهدات من دول المنطقة و دون إشراك تركيا فيها، مثل تلك التي وقعتها مصر وقبرص اليونانية في 2013 للتنقيب عن الغاز. الأمر الذي يجعل تركيا تنفتح على عدة سيناريوهات أبرزها السيناريو الصيني.

فرقاطة من البحرية التركية مرافقة لسفينة حفر
فرقاطة من البحرية التركية مرافقة لسفينة حفر "فاتح" قبالة سواحل أنطاليا على البحر المتوسط (Reuters)

قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، خلال كلمة له أمام البرلمان التركي الخميس في أنقرة، إنه "على نظرائنا أن يعلموا أن أي مشروع في بحر إيجة والمتوسط لن ينجح دون مشاركة تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية فيه".

يأتي هذا التصريح بعد يومين من بدء عمل سفينة التنقيب التركية "فاتح" في خليج أنطاليا، وكذلك سفينة "باربروس" التي بدأت العمل في منطقة بحرية قريبة بين مصر وتركيا في19 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

تندرج هذه التحركات التركية في مواجهة المعاهدات التي أبرمت في تلك المناطق دون إشراك الجانب التركي، مثل الاتفاق الذي وقعته مصر وقبرص اليونانية عام 2013 للتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط.

رفضت تركيا على لسان وزير خارجيتها مولود تشاوش أوغلو الاتفاقية حينها التي لم تراع حقوقها الاقتصادية في تلك المنطقة. وأكد تشاوش أوغلو "رفض بلاده الاعتراف بقانونية الاتفاق الذي وقعته مصر وقبرص للتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط". وقال تشاوش أوغلو إن بلاده "تخطط للبدء في أعمال تنقيب عن النفط والغاز شرقي المتوسط".

وتطورت الأحداث في هذه المنطقة لتعترض قطع بحرية تركية، في فبراير/ شباط 2018 سفينة الحفر "سايبم 12000" التابعة لشركة "إيني" الإيطالية، والتي كانت في طريقها للوصول إلى مياه قبرص في البحر الأبيض المتوسط للتنقيب بحقل غاز في منطقة متنازع عليها بين قبرص اليونانية وتركيا.

وكذلك حذر رئيس الوزراء التركي وقتها بن علي يلدريم السلطات القبرصية من التنقيب عن النفط والغاز في شرقي المتوسط، مؤكداً إبان وجوده في العاصمة القبرصية الشمالية إن الخطوات التي تقوم بها قبرص اليونانية "في غير وقتها وخطيرة". وشدد على أن "أنقرة ستواصل حماية حقوق ومصالح القبارصة الأتراك".

سيناريوهات

تعتبر اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار اللي تم إقرارها عام1982، أن كل دولة تمتلك ما يصطلح عليه بـ"منطقة اقتصادية خالصة" لمسافة 200 ميل بحري فقط. وفي حالة شرق المتوسط تكون الدول ذات الحدود البحرية المشتركة هي التي بينها مسافات أقصر، وبالتاليى فأن مصر وتركيا بحدود مشتركة تبلغ 322 كيلو متر، بمسافة بينهما تبلغ 274 ميلاً بحريياً دون حساب جزيرة "كاستلوريزو" التي تسيطر عليها اليونان. وهذا يعني أن أنقرة والقاهرة أحق من قبرص اليونانية واليونان التي تبلغ الحدود بينهما 297 ميلاً بحرياً.

أحد الخيارات أن تخلق تركيا وجوداً دائماً في البحر، مثل "السيناريو الصيني" في بحر الصين الجنوبي

نائل الشافعي - خبير الاتصالات والحدود البحرية في شرق المتوسط

في هذا الصدد يقول نائل الشافعي خبير الاتصالات والحدود البحرية في شرق المتوسط لـTRTعربي إن المسؤولية الرئيسية ستقع على عاتق تركيا في حماية مصالحها في هذه المنطقة، والتي ستستفيد منها القاهرة، حيث يرى ضرورة إيجاد حل سريع لعلاج المشكلة التاريخية لجزيرة "كاستلوريزو"، التي فقدتها تركيا ضمن معاهدة لوزان سنة 1922.

ويرى الشافعي أن الخطوات التركية الأخيرة لسفنها البحرية وتحديداً "باربروس" قوضت بشكل عملي أول ستة من نقاط الترسيم الثمانية في اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص اليونانية. ولكن الأزمة تكمن في أن هذه السفينة ستبقى في مكانها الحالي حتى أبريل/ نيسان 2019، ثم تغادر ذلك الموقع. أي أن الأمور قد تعود للوضع "المجحف" الذي كانت عليه.

يذكر أن المساحة التي تعمل فيها الآن السفينة التركية "باربروس" كانت قد أعطت السلطات القبرصية اليونانية فيه امتيازات تنقيب لصالح شركتي "إني" الإيطالية و "توتال" الفرنسية.

التحدي سيكون في استدامة الوضع الجديد في شرق المتوسط عبر خيارات عدة منها الحصول على اعتراف دولي بإمتداد الحدود التركية إلى موضع السفينة برباروس الحالي

نائل الشافعي - خبير الاتصالات والحدود البحرية في شرق المتوسط

وأضاف الشافعي "تركيا بهذه الخطوات قوضت بشكل عملي الاتفاقيات المبرمة بعيداً عنها، ولكنها في نفس الوقت لم تتعد على الحقوق المصرية بوضع السفينة الحالي"، وذلك لأن موقع نشاط السفينة يقع إلى الشمال مباشرة من نقطة المنتصف بين الساحلين المصري والتركي.

ويشير الشافعي إلى أن التحدي سيكون في استدامة الوضع الجديد في شرق المتوسط. وهذا يتم عبر أحد أمرين. الخيار الأول و"الأفضل" من وجهة نظره: الحصول على اعتراف دولي بامتداد الحدود التركية إلى موضع السفينة برباروس الحالي. وهذا يعني اعتراف بعدم أحقية جزيرة "كاستلوريزو" بمياه إقليمية أو اقتصادية. وهذا الخيار يتطلب جهداً كبيراً من الدبلوماسية التركية، وإعداد حزمة منافع لإغراء اليونان بقبول الحل.

الخيار الثاني، بحسب الشافعي، هو أن تخلق تركيا وجوداً دائماً في البحر، مثل "السيناريو الصيني" في بحر الصين الجنوبي، حيث خلقت جزراً صناعية في المنطقة التي تقول بتبعيتها لها، وتركيا لديها شركات هندسية قادرة على خلق مثل تلك الجزر الركامية (من الردم) بالرغم من عمق المياه في تلك المنطقة.

أهمية منطقة شرق المتوسط

أعلنت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية في مارس/ أذار 2010 أن احتياطيات شرق المتوسط تصل إلى 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وتصل بعض التقديرات الأخرى بالرقم إلى277 تريليون.

تركيا بهذه الخطوات قوضت بشكل عملي الاتفاقيات المبرمة بعيداً عنها، ولكنها في نفس الوقت لم تتعد على الحقوق المصرية بوضع السفينة الحالي

نائل الشافعي - خبير الاتصالات والحدود البحرية في شرق المتوسط

وأعلنت إسرائيل في العام 2009 اكتشافها لحقل غاز "تمار"، وبعد عام من ذلك أعلنت عن اكتشاف حقل "لفيثان"، حيث يبلغ مجموع احتياطي الحقلين 25 تريليون قدم مكعب من الغاز. وفي2011، أعلنت قبرص اليونانية اكتشاف حقل "أفروديت" بمخزون 27 تريليون قدم من الغاز، إلا أن العديد من الخبراء يؤكدون أن حقول الغاز الإسرائيلية والقبرصية اليونانية تقع داخل المياه الاقتصادية المصرية، معتبرين أن الاتفاقيات الأخيرة ضيعت حقوق مصر التاريخية في هذه الثروات.

في حين تنسق قبرص اليونانية مع إسرائيل دون إشراك جمهورية شمال قبرص التركية وهو ما رفضته أنقرة بشدة منذ البداية، لأنها رصدت محاولات للعمل على مشروع مشترك بين اليونان وقبرص اليونانية وإسرائيل يهدر حق تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية في ثروات شرق المتوسط منذ العام 2012، كما سيهدر الحق المصري أيضاً بعد الاتفاقيات الأخيرة التي وقعها الجانب المصري.

المصدر: TRT عربي