معضلة "دلتا" وفاعلية اللقاح.. هل تعود المعركة ضد كورونا إلى نقطة الصفر؟ (Picture Alliance)

على الرغم من مرور 18 شهراً منذ بداية جائحة كورونا وسعي العالم منذ ذلك الحين إلى تحصين سكانه بالإجراءات الاحترازية وحملات التطعيمات فإن تلك العدوى الخبيثة تتغير باستمرار وتنتج سلالات جديدة أكثر فتكاً بالبشر وأسرع من ناحية قابلية العدوى والانتشار، وهو ما يزيد الطين بلّة ويصعّب من مقدرة الحكومات على مواكبة تلك التحوّلات والتنوُّعات الفيروسية.

على هذا النحو تتكثف اليوم الجهود الدولية لمكافحة السلالات المتحوّرة من فيروس كورونا وأهمها "ألفا" و"بيتا" و"جاما" و"لامادا"، وصولاً إلى سلالتَي "دلتا" و"دلتا بلس" اللتين ظهرتا تباعاً في شبه القارة الهندية وأوروبا خلال الأشهر الماضية، وتبعت ذلك إصابة أعداد مهولة بالسلالات الجديدة في دول لم تكن قد تعافت بعد من الموجات المتلاحقة لكوفيد-19.

ووصلت تلك السلالات مؤخراً إلى دول تعتبر صاحبة نسب عالية نسبياً في سباق التطعيمات كانت تستعد لاستقبال موسم سياحي جديد تمنى الكثيرون أن يشهد عودة الحياة إلى طبيعتها من دون إجراءات وقائية، غير أن الواقع ينذر بما هو عكس ذلك.

استمرارية هذه التحوّلات في الظهور تثير قلق الكثيرين حول هذه الطفرة الفيروسية المرعبة، خصوصاً أن غالبية دول العالم لم تتمم بعد حملات التطعيم، وبعضها لم يقطع أشواطاً تذكر في هذا الصدد.

متحوّر دلتا "الأكثر فتكاً"

يعتبر "دلتا" المتحوّر الأكثر خطورة لتنوعات فيروس كورونا، فلديه قدرة هائلة على اختراق خلايا الجسم ومقاومة جهاز المناعة، بالإضافة إلى تملّكه قابلية عالية على الانتشار. ظهر "دلتا" لأول مرة في ولاية ماهاراشترا الهندية وذلك في أكتوبر/تشرين الأول من العام المنصرم، وتبع ذلك الظهور انتشار مرعب للعدوى بالمتحوّر الجديد أسفر عن مئات الآلاف من حالات الإصابة وآلاف الوفيات اليومية خلال الأشهر القليلة الماضية، وكذلك قفز بالهند إلى المركز الثاني على مستوى العالم نظراً إلى إجمالي عدد الإصابات، وكذلك إلى المركز الثالث في قائمة أعداد الوفيات.

سرعان ما أخذت السلالة الجديدة "دلتا" في الانتشار إلى أن وصلت إلى ما يقارب مئة دولة من أقصى شرق آسيا حتى الساحل الغربي للولايات المتحدة الأمريكية، مروراً بأوروبا وإفريقيا.

وما مرت سوى ستة أشهر حتى ظهر متحوّر آخر يشبه "دلتا" من حيث الأعراض والفتك، إذ اكتُشِفت في شهر مارس/آذار الماضي طفرة جديدة تدعى "دلتا بلس" ظهرت للعالم لأول مرة في أوروبا ثم تلتها الهند. وعثر على "دلتا بلس" حتى الآن في تسع دول أخرى هي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والبرتغال وسويسرا واليابان وبولندا ونيبال وروسيا والصين.

الحكومات تنتفض من جديد

أعلنت وزارة الصحة الهندية أن سلالة "دلتا بلس" تنتشر بسهولة أكبر وترتبط بخلايا الرئة بشكل أبشع، ويحتمل أن تكون مقاومة لنوع من العلاج يسمى العلاج بالأجسام المضادة أحادية النسيلة.

يذكر أن الحكومة الهندية كانت لاقت انتقاداً واسعاً بسبب تذبذب قرارات الرئيس ناريندرا مودي فيما يتعلق بحملات التطعيم التي تأخرت لسوء إدارة الأخير، ووضعت الهند في مأزق تسبب في خسارة مئات الآلاف من الأرواح حتى الآن.

هذا وحذر الرئيس الإيراني حسن روحاني السبت من أن البلاد قد تشهد موجة خامسة من الإصابات بفيروس كورونا مع انتشار نوع "دلتا" شديد العدوى. وقال روحاني في تصريحات أذاعها التلفزيون الإيراني الرسمي: "توجد مخاوف من أن البلاد بأكملها قد تدخل موجة خامسة إذا لم يجرِ الاهتمام بما يكفي في اتباع البروتوكولات الصحية.. متغير دلتا دخل البلاد من الجنوب والجنوب الشرقي، علينا توخي الحذر لمنع انتشاره في البلاد".

يشار إلى أن متوسط الحالات الجديدة في إيران ارتفع على مدار الأسبوعين الماضيين فقط بنسبة 21%. ومنذ بدء الجائحة كانت البلاد سجلت ما يزيد على أكثر من 3.2 مليون حالة إصابة وأكثر من 84 ألف حالة وفاة.

وحققت إسرائيل نسبة تعافٍ كبيرة من جائحة كورونا نظراً إلى نسبة تلقي اللقاح العالية وعدد الحالات اليومية المنخفض للغاية، ففي أبريل/نيسان الماضي بدت إسرائيل كأنها تجاوزت الأزمة بالكامل، وذلك مع تلقى ما يقرب من 5 ملايين من سكان البلاد البالغ عددهم 9 ملايين جرعتَي اللقاح. إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت أفاد في اجتماع مجلس الوزراء يوم الأحد الرابع من يوليو/تموز بأن بلاده تدرس إعادة بعض القيود لمكافحة متغير "دلتا" شديد العدوى، وقد صرّح بأنه مسؤول عن أكثر من 90% من حالات الإصابة الجديدة في إسرائيل.

هل نعود إلى نقطة الصفر؟

لم يتجاوز العالم أزمة جائحة كورونا بعد ولا يبدو أن ذلك سيحدث قريباً، فقد جاء تصريح تيدروس أدهانوم غيبريسوس المدير العام لمنظمة الصحة العالمية -في كلمة افتتح بها أعمال جمعية الصحة العالمية في دورتها الرابعة والسبعين- منتقداً أداء بعض الحكومات فيما يتعلق بالجائحة وأزمة التلقيح: "لا توجد وسيلة دبلوماسية لقول ذلك.. مجموعة صغيرة من الدول التي تصنع وتشتري غالبية اللقاحات تتحكم في مصير العالم بأكمله". "لقد قُدم أكثر من 75% من جميع اللقاحات لعشر دول فقط".

وأردف غيبريسوس أن العالم لن يكون في مأمن من خطر كورونا ومهما كان مستوى التلقيح في أي بلد قبل السيطرة الكاملة عالمياً على الفيروس بمتحوّراته المستجدة: "تلك المتحورات قد تعيد المواجهة إلى نقطة الصفر".

TRT عربي