وسط صمت دولي وتعتيم إعلامي، يتعرّض مسلمو الهند بشكل مستمر إلى العنف الممنهج والقتل والتنكيل وكافة أشكال الاضطهاد، الذي تغذيه الآلة الإعلامية الهندية والخطابات الهندوسية المتطرفة، حتى باتت تستحيل مع ذلك حياة هذه الأقلية.

منذ وصول ناريندرا مودي إلى الحكم عام 2014، شهدت أعمال العنف والتهجير القسري التي تتعرض لها الأقلية المسلمة في الهند ارتفاعاً مخيفاً. إذ تعيش هذه الأقلية تحت وطأة الجرائم العنصرية منذ ستينيات القرن الماضي، دون أن يتحرك المجتمع الدولي لإيقاف الإبادة الجماعية الممنهجة التي يشنّها الهندوس دون هوادة.

وقد تتالت خلال الفترة الأخيرة التسريبات لعدة مقاطع فيديو، ومشاهد ملتقطة، انتشرت على نطاق واسع على مختلف الوسائط الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي حول العالم، والتي تدين بشكل واضح تورط السلطات الهندية والعصابات الهندوسية المتطرفة في خرق كافة القوانين الدولية والقيم الإنسانية، وتسليط أقسى أنواع التنكيل والاضطهاد على الأقلية المسلمة بمختلف المقاطعات الهندية.

الهند.. أبشع أشكال الإسلاموفوبيا في العالم

في أحدث هجمات عنصرية، أشعل ناشطون هندوس ليلة الثلاثاء 26 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، احتجاجات كبرى جابت مدينة بانيساغار التابعة لولاية تريبورا الهندية الواقعة على الحدود المتاخمة لبنغلادش، وتسكنها مجموعة من المسلمين.

وسرعان ما تصاعدت وتيرة الاحتجاجات واندلعت أعمال عنف بالبلدة، تعرّض فيها المسجد للنهب والاعتداء وأُحرقت العديد من المنازل والمتجار ورُفعت شعارات تحريضية معادية للمسلمين، ما أجبر سكان بانيساغار المسلمين على الفرار من المدينة للنجاة بحياتهم.

وتحدثت بعد ذلك بعض المصادر الإعلامية أن عناصر الشرطة الهندية تمكنوا في النهاية قبل أن تتطور الأحداث بشكل أفظع إلى تطويق المكان وإيقاف المناوشات، دون أن يُسفر ذلك عن أي وفيات.

فيما أكد أحد سكان تريبورا من الأقلية المسلمة، أن الأحداث التي اندلعت يوم الثلاثاء في بانيساغار، كانت الأحدث في سلسلة الهجمات التي تعرّضوا لها طيلة هذا الشهر، ولا يبدو أنها ستتوقف عند هذا الحد.

وتُشير في السياق ذاته العديد من المصادر الإعلامية والأمنية، أنّ الهجمات الانتقامية التي استهدفت المسلمين في تريبورا، تقودها في الواقع منظمة "فيشفا هندو بارشاد VHP" وهي منظمة يمينية تضمّ أكثر من 6 ملايين شخص، واشتهرت عبر التاريخ بأعمالها الإجرامية والعنصرية التي استهدفت المسلمين بشكل مستمر، وهدمت عام 1992 مسجد بابري في مدينة أيوديا الهندية، الذي يعود تاريخه إلى قرون ماضية.

لم تكن أحداث العنف في تريبورا الوحيدة خلال الفترة الأخيرة، حيث يتعرّض مسلمو ولاية أسام الهندية أيضاً إلى التهجير القسري منذ 20 سبتمبر/أيلول المنقضي. وبدأت السلطات فعلياً إزالة مساكن وبيوت أكثر من 800 عائلة مسلمة بشكل تعسّفي، بحجة أنها مقامة على أرض مملوكة للدولة.

وفي الوقت الذي واجه فيه سكان آسام حملات التهجير القسري بالاحتجاج والتظاهر، قتلت قوات الشرطة الهندية المعترضين والمحتجّين بالرصاص، وواصلت عمليات الإخلاء ضاربة عرض الحائط كل أوراق إثبات الملكية. ولعلّ أكثر مشهد لاإنساني صادم في هذه الأحداث حينها، كان ما تدوالته وسائل التواصل الاجتماعي، لمقتل شاب ثلاثيني برصاص الشرطة وقفزهم بعد ذلك على جثته وركله، متباهين بذلك أمام عدسات الكاميرا لصحافيين مرافقين.

ولم تتوقف الاعتداءات والجرائم عند ذلك الحد، حيث أنهم عمدوا علاوة على ذلك على النيل من معنويات المسلمين في الهند، إذ قامت بعض الجماعات الهندوسية مؤخراً، بعرض صور لنساء وفتيات هنديات مسلمات، على المزاد للبيع بأجور بخسة، كشكل من أشكال الإذلال العنصري.

وبين التهجير والقتل والتنكيل، يُكابد المسلمون في الهند يومياً أقسى أنواع المعاناة وأشدها، بتأييد حكومي وتحريض إعلامي وتواطؤ أمني. وليست المشاهد والمقاطع المسربة إلى الإعلام إلا جزءاً بسيطاً من الحقيقة الفظيعة لِما يتعرضون إليه من تطهير عرقي وسط صمت دولي، كما أشار إلى ذلك عدة ناشطين حقوقيين.

مخطط للتطهير العرقي

في حين يعيش على الأراضي الهندية ملايين المسلمين، تتضارب الأرقام بين آخر إحصاء رسمي سنة 2011 والذي يقول إنّ عددهم 172 مليوناً وبين إحصائيات غير رسمية حالية تقول إنّ العدد أصبح 154 مليوناً، وهو ما يجعل منها أكبر دولة تضمّ أقلية مسلمة في العالم، إلا أنّها تُعتبر في الوقت ذاته موطناً لأسوء جرائم الكراهية في العالم التي تدينها كل القوانين والمواثيق الدولية.

فمنذ إعلان الهندوس سيطرتهم على الهند إثر انتهاء الاحتلال البريطاني، اعتبروا حينها المسلمين الموجودين على أراضيها مجرّد أقلية. ومارسوا وفق ذلك شتى مخططات وأساليب التطهير العرقي، مِن قتل وتهجير قسري وإبادة واضطهاد لكافة الحقوق.

وزاد في حجم معاناة الأقلية المسلمة في الهند، وصول ناريندرا مودي إلى الحكم، فامتزجت منذ ذلك الوقت الكراهية مع المشاعر القومية الهندوسية، وتمخّضت عنها العديد من الجرائم العنصرية، التي كافأت السلطات المتورطين فيها كعمل وطني، ولم تلاحقهم بأيّ نوع من العقوبة، ما بسط أيدي المتطرفين الهندوس لارتكاب المزيد من الفظائع الإنسانية، وقطع أمل المسلمين هناك من أي إجراء حكومي أو قانوني قد يحمي حياتهم ويؤمن سلامتهم.

وتشير في هذا السياق الإحصائيات الرسمية لجرائم الكراهية أن أكثر من 90% من جرائم الكراهية في الهند ارتُكبت في حق المسلمين.

TRT عربي
الأكثر تداولاً