تابعنا
حصلت مكتبة رامي التاريخية في إسطنبول على عديد من الجوائز، وقد مُنحت جائزة مشروع الفئة العامة لهندسة المناظر الطبيعية الوطنية الرابعة، وجائزة بناء الأرشيف الوطني، وأول مكتبة في تركيا تحصل على شهادة الاستدامة.

تلعب المكتبات دوراً رائداً في بناء ثقافة القراءة، إذ تتطور الشخصية بقدر اهتمامها بالمكتبات التي تهدف إلى تلبية احتياجات المعرفة للمجتمع ونشر ثقافة القراءة.

ومن بين هذه المكتبات تبرز مكتبة "رامي"، التي تعتبر أكبر مكتبة في تركيا، وواحدة من أهم المكتبات في أوروبا، إذ بدأت العمل مطلع عام 2023، واستقبلت 2.5 مليون زائر في العام الأول من افتتاحها.

وتقدم المكتبة تجربة مركز ثقافي وفني، وتفتح أبوابها لجميع القرّاء من الأعمار كافة، كما تبرز في التصميم أماكن الجلوس التي تتسع لأربعة آلاف ومائتي شخص، بالإضافة إلى الفعاليات ومساحات العمل التي تلبي احتياجات جميع الفئات العمرية.

بالإضافة إلى ذلك، تحتوي المكتبة على مناطق للقراءة، والمسارح، ومناطق أخرى مخصصة للعب الأطفال، ومنطقة الفعاليات الحرة، ومناطق العمل المشترك، وأماكن العرض، بالإضافة إلى ممر للمشاة وممر للدراجات الهوائية.

افتُتحت ثكنة رامي التاريخية التي يعود تاريخها إلى 250 عاماً، وتضم نحو 2.5 مليون كتاب، باعتبارها أكبر مكتبة في إسطنبول، ثاني أكبر مكتبة في تركيا، وثالث أكبر مكتبة في العالم من حيث المساحة. (AA)

وفي الوقت نفسه، نجحت مكتبة رامي في الوصول إلى 25 ألف عضو مسجل في غضون عام واحد، وقدمت 110 آلاف نسخة من الكتب المعارة للقراء.

من ثكنة إلى مكتبة

ويقول علي جليك، مدير مكتبة رامي التابعة لوزارة الثقافة والسياحة، إن ثكنة مزرعة رامي تعود إلى تاريخ قديم، يقدر بعام 1695م، لكنها أصبحت مركزاً إداريّاً منذ نحو 250 عاماً، أي في عهد السلطان محمود الثاني.

ويضيف جليك لـTRT عربي، أن السلطان محمود الثاني قد ألغى بعد جهد كبير نظام الانكشاريين، وأسس "العساكر المنصورة المحمدية"، ووضعه في ثكنة رامي، وقد أدار السلطان الذي كان مولعاً بالجيش الجديد، كلّاً من تدريبه وإدارة الدولة من ثكنة رامي لأكثر من عامين.

ويبيّن أن ثكنة رامي، التي جعلها السلطان محمود الثاني مركزاً إداريّاً، هي أيضاً مكان بدء الإصلاحات، إذ استضافت المدرسة فنون الحربية المنصورة، وهي واحدة من أهم مؤسسات التعليم العسكري، ورغم أنها واجهت عديداً من الحروب والدمار والأمراض المعدية، فإنها استمرت في استخدامها قاعدة عسكرية حتى عام 1980.

ويلفت جليك إلى أن فكرة تحويل ثكنة رامي إلى مكتبة، تعود إلى أعمال "إسطنبول عاصمة الثقافة الأوروبية 2010"، وفي عام 2013 اعتمدت بلدية أيوب سلطان المالكة للعقار، تخصيص الموقع لوزارة الثقافة والسياحة لاستخدامه مكتبة ولأغراض ثقافية.

وحصلت مكتبة رامي التاريخية في إسطنبول على عديد من الجوائز، وقد مُنحت جائزة مشروع الفئة العامة لهندسة المناظر الطبيعية الوطنية الرابعة، وجائزة بناء الأرشيف الوطني، وأول مكتبة في تركيا تحصل على شهادة الاستدامة.

ويتابع: في 13 يناير/كانون الثاني 2023، افتُتحت ثكنة رامي التاريخية التي يعود تاريخها إلى 250 عاماً، وتضم نحو 2.5 مليون كتاب، باعتبارها أكبر مكتبة في إسطنبول، ثاني أكبر مكتبة في تركيا، وثالث أكبر مكتبة في العالم من حيث المساحة.

وبعد 40 عاماً من استخدام المنطقة مكبّاً للنفايات، وفي أثناء البناء أُطلقت حملة واسعة لإزالة 280 ألف طن من النفايات، ما يعادل 11 ألف شاحنة، حسب جليك، مضيفاً: "نحتفل اليوم مع أعضائنا بمرور عامنا الأول وبفرح كبير، كوننا أول وأكبر مكتبة مستدامة حية في تركيا".

ويلفت إلى أن الهدف من ذلك الحفاظ على التراث الثقافي، لذا جرى ترميم هيكل الثكنة دون إتلافه، فعندما يوضع الجنود داخلها تصبح الثكنة، وعندما توضع الكتب، تصبح مكتبة.

ويؤكد جليك أن الاستدامة هي بقاء المكان، فكلما استمر المكان زادت درجة استدامته، مشيراً إلى أن الأنشطة والمساحات التي تستهدف الفئات العمرية كافة تبرز في التصميم، كما أن المساحات لا تقتصر على الأماكن المغلقة، بل توفر فرصاً للتواصل الاجتماعي من خلال الفناء المفتوح ومناطق تناول الطعام والشراب.

مكتبة لا تنام

ويوضح مدير مكتبة رامي أنها قد صُممت لتكون "مكتبة حية"، إذ إن المكتبات واحدة من أهم المؤسسات في مجال المعلومات والتعليم، لذا تُبقي مكتبة رامي -المعروفة باسم "مكتبة لا تنام"- بعض مناطقها مفتوحة على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع، بهدف السماح للمستخدمين بالدراسة والاستمتاع بالهدوء في منطقة الحديقة وكذلك بالمشروبات الساخنة التي تُقدَّم مجاناً.

تحتوي المكتبة على مناطق للقراءة، والمسارح، ومناطق أخرى مخصصة للعب الأطفال، ومنطقة الفعاليات الحرة، ومناطق العمل المشترك، وأماكن العرض، بالإضافة إلى ممر للمشاة وممر للدراجات الهوائية.  (AA)

ويضيف جليك أن المكتبة تتكون من وحدات متنوعة تلبي احتياجات جميع الأعمار، بالإضافة إلى المكتبات المتخصصة في 10 مجالات، وغرف القراءة وغرف الدراسة، فهي تقدم أيضاً مساحة خضراء واسعة تجعلها مكاناً مميزاً للقاء في إسطنبول.

ويتابع: نعلم أن المكتبات لها دور مهم في نقل عناصر الثقافة الشاملة إلى الأجيال القادمة، فوجود مليون و600 ألف و883 كتاباً في مكتبتنا بمختلف المجالات، وتنظيم فعاليات ثقافية داعمة جزء مهم من هذا النقل.

وتُعتبر المكتبات من أهم الأدوات التي لا يمكن تجاهلها في نقل التعليم والثقافة، وفضلاً عن التعليم والتعلم لدى الشباب، فهي مؤسسات مهمة تلبي احتياجات متعددة مثل الوصول إلى المعلومات بشكل أكثر فعالية، وتشكيل المسؤولية الاجتماعية، والوصول، والتواصل، وتطوير الإبداع.

كما توفر المكتبات وجهات نظر ورؤى مختلفة، مما يمنح الناس الفرصة للوصول إلى المعلومات وتعلم أشياء جديدة وتطوير أنفسهم بشكل كامل.

مهام المكتبة

وتقول الدكتورة مهليكا قاراغوز أوغلو، الأستاذة في قسم إدارة المعلومات والوثائق بجامعة مرمرة، إن المكتبات هي أهم المؤسسات التي تدعم رحلة التعلّم مدى الحياة للمجتمع.

الرئيس التركي أردوغان وعقيلته السيدة أمينة أردوغان في أثناء افتتاح مكتبة رامي مطلع العام الماضي (AA)

وتضيف قاراغوز أوغلو لـTRT عربي، أن المكتبات تتولى مهمة لم شمل الجميع بغض النظر عن العمر أو الموقع أو الجنس أو الوضع الاجتماعي، وتنظّم أنشطة علمية وثقافية وفنية تستهدف الأطفال والشباب والكبار وجميع الشرائح العمرية.

وباعتبارها مكاناً ثالثاً بين المنزل والمدرسة أو مكان العمل، تلبي المكتبات جزءاً كبيراً من الاحتياجات الاجتماعية للإنسان في العصر الحديث، إذ يقلُّ تكرار زيارة الإنسان لصالات القهوة والمقاهي ومرافق الألعاب بسبب قدرته على تلبية احتياجات التسلية والتعلم في المكتبة، حسب قاراغوز أوغلو.

وتتابع: هذا المكان يسهم في حماية الشباب من العادات السيئة، ويساعدهم في اكتساب مهارات جديدة والتحضير للحياة بشكل أقوى، ووضع أهداف كبيرة يمكن تحقيقها، كما أن تطوير ثقافة القراءة مهمة أساسية في مهام المكتبات، ولا يوجد جهة أخرى تتبنى هذا المثال بنفس الاهتمام والتفاني.

مكتبة رامي.. دور رائد

وتشير الأستاذة في جامعة مرمرة إلى تطوّر خدمات المكتبات في تركيا، إذ تتبوأ مكتبة رامي دوراً رائداً في تحقيق جميع الوظائف الهامة لمكتبة الجمهور.

وتلفت قاراغوز أوغلو إلى أنهم ينفذون مشروع العلاج بالكتب أو العلاج بالقراءة (Bibliotherapy)، بالتعاون بين مكتبة رامي وجامعة مرمرة، ويسعون من خلال ذلك إلى بناء مستقبل أكثر معرفة وديمقراطية وتسامحاً.

وفي مكتبة رامي، تصطحب القارئة حواء جيغركجي حفيدتها إلى المكتبة، وتقول إن زيارة المكتبة مع حفيدتها كانت تجربة لا تُنسى، إذ استقبلتهم في البداية جدران الحجر التاريخية ورائحة الكتب المريحة بالسلام.

وتضيف جيغركجي لـTRT عربي، أن حفيدتها ركضت في حديقة المكتبة العظيمة، وتفاعلت مع الكتب في هذا العصر الذي تهيمن فيه التكنولوجيا.

وتقول: بالنسبة لي، كانت المكتبة مكاناً مميزاً، فقد كانت الكتب تلعب دوراً رئيسياً، وكانت المعرفة كنزاً ثميناً يُحفظ، إذ تنقل هذه المكتبة الثقافة والماضي والتراث إلى الأجيال القادمة.

TRT عربي