خلف القرار الرسمي بمنع ارتداء النقاب بتونس جدلا كبيرا بين الأوساط السياسية والحقوقية، بين من اعتبره ضرورة أمنية، ومن رآه مدخلا لعودة التضييق على الحريات الدينية.

تونس ـــ لم يمرّ قرار رسمي بمنع ارتداء النقاب في المؤسسات الحكومية بتونس، دون أن يخلف موجة جدل بين الأوساط السياسية والحقوقية، بين من اعتبره ضرورة أمنية بالنظر إلى ما شهدته البلاد من عمليات إرهابية، ومن أطلق العنان لمخاوفه من أن يكون هذا القرار مدخلاً لعودة التضييق على الحريات الفردية والمعتقدات الدينية تحت ذريعة مقاومة الإرهاب.

وكان رئيس الحكومة يوسف الشاهد، قد أمضى على مرسوم حكومي نُشر في الجريدة الرسمية للبلاد التونسية الجمعة الماضية، تحت عنوان "حسن تطبيق إجراءات السلامة بمقرّات الهياكل العمومية"، يُمنع بمقتضاه كل شخص غير مكشوف الوجه من دخول مقرات الإدارات والمؤسسات والمنشآت العمومية، وذلك لدواعٍ أمنية.

مرسوم حكومي

ويأتي هذا القرار بعد عمليتين إرهابيتين عاشتهما العاصمة التونسية الأسبوع الماضي، خلفتا قتيلين في صفوف الأمن والمدنيين، وحسب الرواية التي أشيعت حينها فإن أحد منفذي العملية قد استغل النقاب كأداة للتخفي والتنقل داخل العاصمة، وهي رواية كذبتها وزارة الداخلية في وقت لاحق.

وسبق للرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي أن منع ارتداء الحجاب والنقاب خلال فترة حكمه التي اتسمت بإحكام قبضته الأمنية والتضييق على الحريات الفردية ومحاربة جميع أشكال التدين، لتعود ظاهرة ارتداء "اللباس الشرعي" كما يحلو للبعض تسميته بشكل لافت بين التونسيات بعد الثورة التي أطاحت بحكمه.

يأتي قرار منع النقاب بتونس بعد عمليتين إرهابيتين عاشتهما العاصمة التونسية الأسبوع الماضي خلفتا قتيلين في صفوف الأمن والمدنيين.

وسارع وزير الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان محمد الفاضل محفوظ، إلى تبرير هذا الإجراء الحكومي واعتباره ضرورة بالنظر إلى التهديدات الأمنية التي تمر بها البلاد، لافتاً خلال تصريحات إعلامية محلية إلى أن هذا الإجراء معمول به في كل دول العالم ولا يحد من الحريات في جوهرها.

ضرورة أمنية

ولا يتردد القيادي بحركة النهضة، إحدى حد مكونات الائتلاف الحكومي، محمد بن سالم، في دعم قرار منع ارتداء النقاب في المؤسسات الحكومية، مشدداً خلال حديثه لـTRT عربي على أنه بقدر دفاعه الشرس عن الحريات الفردية والمعتقدات الدينية، فإنه بالمقابل يجد نفسه في هذا الظرف الذي تمر به البلاد متفهماً للإجراءات الأمنية والوقائية التي تتخذها السلطات للحفاظ على أرواح المواطنين ومقاومة ظاهرة الإرهاب بجميع أشكاله.

ويعبر بن سالم عن أمله في أن يكون هذا الإجراء ظرفياً، وغير نابع من حساسيات آيديولوجية، مضيفا "رغم قناعتنا بأن النقاب ليس أمراً شرعياً فإننا نحترم معتقدات الآخرين، ونتمنى أن لا يكون هذا الإجراء مدخلا للتضييق على الحريات".

توسيع دائرة المنع

قرار رئيس الحكومة منع ارتداء النقاب، أيدته عدة أحزاب وقيادات سياسية عبر تصريحات إعلامية، وتدوينات على صفحاتها الاجتماعية، داعية إلى توسيع دائرة تنفيذه ليشمل ليس فقط المؤسسات الحكومية بل باقي الفضاءات العامة، إذ وصفت النائبة عن كتلة "تحيا تونس" هاجر بالشيخ القرار بـ"الجريء"، معبرة عن أملها في أن يشمل هذا الأمر الأماكن العامة وليس فقط المؤسسات الحكومية، وذلك عبر إصدار البرلمان قانوناً في الغرض.

أيدت حركة النهضة منع ارتداء النقاب بتونس على اعتبار الإجراءات الأمنية والوقائية التي تتخذها السلطات لمكافحة الإرهاب.

القيادي بحزب نداء تونس، المنجي الحرباوي، أثنى على قرار منع النقاب في المؤسسات الحكومية، واصفاً إياه خلال تصريحات إعلامية محلية بالخطوة الهامة لتعزيز المنظومة الوقائية الأمنية في ظل التهديدات الإرهابية التي تعيشها البلاد، كما اعتبر النقاب خطراً يهدد التونسيين بعد اعتماد الإرهابيين عليه لتنفيذ مخططاتهم، حسب قوله.

طعن على المنشور الحكومي

ثناء البعض على منع ارتداء النقاب، قابله آخرون بالرفض الشديد والتحفظ، إذ أعلنت عدة جمعيات دينية تنتمي إلى التيار السلفي اعتزامها رفع قضية لدى المحكمة الإدارية للطعن على منشور رئيس الحكومة واعتباره مخالفاً لدستور ما بعد الثورة.

وفي هذا الإطار أكد المنسق العام للجنة الدفاع عن المحجبات بتونس رئيس جمعية الشبان المسلمين وسام عثمان في تصريح لـTRT عربي، أن منشور رئيس الحكومة غير قانوني ومخالف للدستور، مبرراً قوله بأن "ضبط الحقوق والحريات ومن ذلك ارتداء النقاب أو أي لباس يغطي الوجه يمر فقط عن طريق قانون أساسي يصدّق عليه مجلس النواب، لاعن طريق منشور حكومي".

المحامي الشابّ، اعتبر أن منشور رئيس الحكومة لا يهدف إلى التعرف على هوية الأشخاص كإجراء أمني احترازي، بل يستهدف بشكل مباشر المنتقبات من خلال منعهن من دخول المؤسسات الحكومية، واصفا القرار بأنه شكل من أشكال التمييز على أساس الانتماء الفكري والديني، ومخالف للحريات الشخصية.

محدثنا خلص إلى أن قرار الشاهد هو عقاب مباشر للتيار السلفي في تونس عبر تحميله "ظلماً وبهتاناً" جميع العمليات الإرهابية التي شهدتها البلاد، حسب وصفه.

غايات انتخابية

شِق آخر قال إن قرار رئيس الحكومة منع ارتداء النقاب، لا يخلو من أبعاد سياسية، بهدف الرفع من شعبية الشاهد، بالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية، من خلال مغازلة شق العلمانيين الذين يجاهرون بعدائهم الشديد للتيارات الدينية و تمظهراتها المجتمعية.

منشور رئيس الحكومة لا يهدف إلى التعرف على هوية الأشخاص كإجراء أمني احترازي بل يستهدف بشكل مباشر المنتقبات من خلال منعهن من دخول المؤسسات الحكومية.

وسام عثمان، المنسق العام للجنة الدفاع عن المحجبات بتونس

ومن هذا المنطلق دوّن الباحث عادل السمعلي قائلاً "يوسف الشاهد يبدأ حملته الانتخابية بمنع النقاب، يبدو أن برنامجه الانتخابي هووي كالعادة، لا أحد له برنامج خارج هذا الصراع العبثي".

الإعلامي ورئيس تحرير موقع "الصدى" الإخباري راشد الخياري خلص إلى أن منشور رئيس الحكومة بمنع النقاب، هو إرضاء للسفارات الأجنبية وشكل من أشكال الولاء للدول الغربية.

كثيرون يرون أن منشور منع النقاب في ظرف سياسي وأمني دقيق تمر به البلاد، أعاد إحياء معارك آيديولوجية بين علمانيي وإسلاميي تونس، قد تُستغل بين هذا وذاك في حملات انتخابية على الأبواب تُسخَّر لها جميع الإمكانيات في سبيل الوصول إلى كرسي الحكم.

المصدر: TRT عربي