أظهرت وثائق حصلت عليها شبكة TRT أن بعض جماعات الضغط في العاصمة الأميركية واشنطن تسعى للتأثير في السياسة الخارجية الأميركية وإثارتها ضد تركيا.

تضغط منظمة In Defense of Christians أو "دفاعاً عن المسيحيين" غير الربحية التي يقع مقرها في واشنطن على المُشرِّعين الأميركيين من أجل "مُساءلة تركيا" بشأن عدد من القضايا منذ عام 2016، وفقاً لما ورد في كشوفات عن عمليات الضغط موجودة في مجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين ومتاحة للعامة.

وقال طلحة كوسي، رئيس قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة ابن خلدون، إن تركيا لطالما واجهت معارضين في العاصمة الأميركية، لا سيما من المؤسسات البحثية المرتبطة بإسرائيل والمملكة العربية السعودية.

وأضاف كوسي إن جماعات الضغط المرتبطة بمصالح اليونان وأرمينيا، اللتين لديهما نزاعات تاريخية مع تركيا، لها تأثير كذلك. 

وأوضح كوسي: "يستثمر خصوم تركيا موارد في الضغط أكثر مما تستثمره تركيا". 

احتجاز القس الأميركي أندرو برونسون، الذي اعتقلته تركيا بتهمة التجسس وارتباطه بجماعات تصنف إرهابية، يعد إحدى القضايا الرئيسية التي أثارتها منظمة In Defense of Christians بين المشرعين الأميركيين. 

ويذكر موقع المنظمة الإلكتروني أنها "تدعو إلى شرق أوسط تحظى فيه حقوق كل إنسان بالحماية والاحترام بغض النظر عن العقيدة الدينية، وتزدهر فيه الطوائف المسيحية القديمة والأقليات الدينية الأخرى بسلام في بلادها الأصلية".

مجهودات الضغط 

قال كوسي إن مجهودات الضغط الأخيرة في الولايات المتحدة أضرت باقتصاد تركيا. إذ يبدو أن توصيات منظمة In Defense of Christians بشأن كيفية التعامل مع العلاقات الأميركية التركية، لا سيما من الناحية الاقتصادية، كان لها تأثير في بعض الساسة الأميركيين.

جدير بالذكر أن التبرعات التي قدمها على الأرجح توفيق بعقليني رئيس المنظمة قد ذهب جزء منها لدعم روبرت بيتنغر النائب الجمهوري عن ولاية نورث كارولينا، الذي هو أحد رعاة قانون تعامل المؤسسات المالية الدولية مع تركيا، الذي يسعى للإضرار أكثر باقتصاد تركيا لفرض مزيد من الضغط السياسي في ما يتعلق باحتجازها مواطناً أميركياً.

ويهدف القانون المقترح إلى منع تركيا من الحصول على قروض من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.

ويحث الموجز السياسي الذي أصدرته منظمة In Defense of Christians المُشرعين الأميركيين على استهداف واردات تركيا من المسدسات واتخاذ إجراءات انتقامية أخرى.

وصحيح أن واردات المسدسات لم تُستهدف بعد، لكن تركيا تواجه صعوبات اقتصادية منذ أن فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عقوبات على وزيرين تركيين، وكتب تغريدة في شهر أغسطس/آب الماضي قائلاً إنه سيضاعف التعريفات الجمركية على الصُلب والألومنيوم، اللذين يُمثلان صادرات تركية مهمة، مواصلا بذلك استخدام القوة الاقتصادية الأميركية لمعاقبة الدول.

وتسبَبت تلك التغريدة في انهيار قيمة الليرة، مما زاد الضغط على الاقتصاد التركي.

وقال ترمب في التغريدة: "العلاقات مع تركيا ليست جيدة في الوقت الراهن".

يُذكر أن الخلاف بين الدولتين يرتكز جزئياً حول برونسون، إذ دعت إدارة ترمب وبعض الساسة الجمهوريين مراراً وتكراراً إلى إطلاق سراحه. بيد أن الحكومة التركية تمسكت بموقفها وطلبت من الولايات المتحدة احترام العملية القضائية في البلاد.

نبذة عن منظمة In Defense of Christians

تضم المنظمة مجموع من المطلعين على بواطن الأمور في العاصمة الأميركية والمرتبطين بالحزبين الجمهوري والديمقراطي. وهم يعملون على عدد من القضايا، من بينها الدفاع عن المسيحيين في جميع أنحاء العالم.

وصحيحٌ أن شبكة TRT لم تتمكن من التيقن بالضبط من تاريخ تأسيس المنظمة، لكن موقعها الإلكتروني يقول إنها منظمة 501(C(3 و501(C(4، ويعني الرمز 501(C(3 أن المنظمة يتعين عليها تقديم استمارات ضريبية عامة، ويرجع تاريخ أول استمارة متاحة للعامة من بين هذه الاستمارات إلى عام 2014.

ويعني الرمز 501(C)4 أن المنظمة يمكنها إنفاق مبالغ مالية غير محدودة على الحملات السياسية بموجب حكم صادر عن المحكمة العليا الأميركية في عام 2010.

وعكف فيليب ناصيف المدير التنفيذي للمنظمة مؤخراً على الدفاع عن المسيحيين في ميانمار، حيث ترتكب الحكومة المحلية إبادة جماعية ضد أقلية الروهينغيا المسلمة، وفقاً لتقرير صادر عن الأمم المتحدة مؤخراً.

ويتمتع موظفو المنظمة بعلاقات مع الجمهوريين والديمقراطيين. فعلى سبيل المثال، عمل ناصيف ضمن حملات للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

علاقة المنظمة بالجمهوريين

ربما لا تحظى المنظمة بشهرة كبيرة خارج العاصمة الأميركية، ولكن نظراً إلى هوية الساسة الذين يحضرون مآدب العشاء التي تقيمها ويلقون خطاباتٍ أمام الجماهير في فعالياتها، يتضح أنَّ هناك علاقةً وثيقة بينها وبين الجمهوريين.

صحيح أن المنظمة تضم مجموعة من المطلعين على بواطن الأمور في العاصمة الأميركية والمرتبطين بالحزبين الجمهوري والديمقراطي، لكن أعضاء المنظمة لديهم علاقات وثيقة بالجمهوريين.

فمن المعروف أن نائب الرئيس الأميركي مايك بنس (الذي يظهر في الصفحة الرئيسية لموقع المنظمة الإلكتروني) وتيد كروز العضو الجمهوري في مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس وبعض الساسة البارزين الآخرين يلقون خطابات في فعاليات المنظمة.

كان هناك ثلاثة أعضاء مسجلين لدى المنظمة يعملون في الكونغرس الأميركي. وكانت كريستينا أولني -وهي الوحيدة التي كانت مسجلة ضمن الأعضاء الذين يضغطون لمصلحة شخص بعينه أو شراكات- موظفة سابقة في مؤسسة "مبادرة السياسة الخارجية" البحثية اليمينية، التي كان أول ممول مؤسس لها هو بول سينغر الملياردير الجمهوري.

ويُذكَر أن سينغر أغلق مؤسسة مبادرة السياسة الخارجية في أوائل العام الماضي 2017 بعدما تولى ترمب منصب الرئاسة الأميركية.

ويذكر موقع منظمة In Defense of Christians أن كريستينا انضمت إلى المنظمة في عام 2014، لكن بعض السجلات ذكرت أنها تركت العمل لدى المنظمة في العام الماضي.

ومن بين الأعضاء السابقين الآخرين في المنظمة آرثر إستوبينان، الذي عمل لمصلحة المنظمة في الفترة من يوليو/تموز إلى أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.

تنقَّل إستوبينان كثيراً بين مجال ممارسة الضغط والحكومة الأميركية. إذ شغل سابقاً منصب كبير الموظفين لدى إليانا روس ليتينين النائبة الجمهورية عن ولاية فلوريدا في مجلس النواب، والرئيسة السابقة للجنة الشؤون الخارجية بالمجلس من عام 2011 إلى عام 2013.

وذكرت الكشوفات إن إستوبينان تقاضى ما لا يقل عن 10 آلاف دولار مقابل مجهوداته على مر ثلاثة أشهر في "إقناع أعضاء الكونغرس بأهمية حماية المسيحيين في الشرق الأوسط".

وتقول السجلات إن شركة الضغط الوحيدة التي ما زالت تعمل لمصلحة منظمة In Defense of Christians هي شركة New World Group Public Affairs التي يرأسها جيرالد ويلر، الذي كان نائباً جمهورياً عن ولاية إلينوي في مجلس النواب من عام 1995 إلى عام 2008.

بدأ ويلر العمل لمصلحة منظمة In Defense of Christians في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي قبل وقت قصير من توقُّف كريستينا عن العمل فيها. وتقاضت الشركة التي يرأسها ما لا يقل عن 13 ألف دولار من المنظمة، وفقاً لما ذكرته السجلات.

تشريعات وتبرعات 

لدى لجان الانتخابات الفيدرالية -التي تتعقب تمويل الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة- سجلات بتبرعات تبلغ مئات الآلاف من الدولارات حصل الجمهوريون على معظمها منذ عام 1992 من رجل يبدو أنه توفيق بعقليني رئيس المنظمة ورئيس مجلس إدارتها.

إذ ذكرت سجلات لجان الانتخابات الفيدرالية أن بعقليني تبرع بأكثر من 40 ألف دولار لحملات مرشحين جمهوريين في عامي 2017 و2018، من بينها 2700 دولار لجهود إعادة انتخاب دونالد ترمب في عام 2020.

وقال صادق أوناي الخبير الاقتصادي السياسي والأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة إسطنبول في حديثه إلى شبكة TRT  إن التشريعات المشابهة لقانون تعامل المؤسسات المالية الدولية مع تركيا وحتى بعض التهديدات الأخرى الصادرة من التشريعات غير المصدق عليها "قد تؤثر نفسياً في المستثمرين الأجانب والمستثمرين الدوليين".

وبينما يمكن للولايات المتحدة مواصلة الضغط على الاقتصاد التركي، قال أوناي إن الاقتصاد التركي ربما يحتاج إلى إعادة هيكلة قد تكون مؤلمة على المدى القصير، مضيفاً أن الاقتصاد "يركز تركيزاً أكبر من اللازم على اقتصاد الخدمات"، وأن التحول إلى التصنيع والزراعة قد يكون إيجابياً.

لكنه أكد أن "أسس الاقتصاد التركي سليمة".

يُذكَر أن بعقليني تبرع أيضاً لبراد شيرمان النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا في مجلس النواب.

جديرٌ بالذكر أن شيرمان هو أحد رعاة مشروع قانون بعنوان "حث تركيا على احترام حقوق البطريركية المسكونية وحرياتها الدنيا"، وهو قانون سيطالب تركيا بإلغاء "جميع صور التمييز" على أساس العرق أو الدين.

ولم يتضح بعد التأثير الذي أحدثته جهود الضغط التي تبذلها منظمة In Defense of Christians في التشريع.

ولم ترد المنظمة على طلب شبكة TRT للتعليق على هذا الموضوع.

وأكد كوسي أن منظمة In Defense of Christians ليست الوحيدة التي تمارس ضغوطاً على تركيا، مضيفاً أن هناك منظمات أخرى أصدرت كذلك العديد من التقارير والبيانات الصحفية التي تنتقد أنقرة، من بينها المؤسسة البحثية "الدفاع عن الديمقراطيات" التي يعتبرها الكثيرون متحيزة تحيزاً كبيراً إلى المصالح الإسرائيلية.

لكن كوسي سرعان ما قال إن الخلافات الحالية بين إدارة ترمب وتركيا صغير مقارنة بأهمية العلاقات التركية الأميركية.

وأضاف أن تركيا عضوة في حلف شمال الأطلسي تمنح الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مدخلاً دبلوماسياً وإستراتيجياً إلى الشرق الأوسط والبلقان، حيث تعد تركيا طرفاً فاعلاً رئيسياً.

واختتم حديثه قائلاً: "على الصعيد العام، يجب أن تركز الإستراتيجية طويلة المدى على مصالح البلدين. فجماعات الضغط تأتي وتذهب لكن العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة مهمةٌ جداً".

المصدر: TRT عربي