على طول الساحل البحري الموريتاني بمناخه المعتدل وهيبته الطافحة، تخلو المناظر من أي منشآت سياحية كالفنادق والمقاهي والمطاعم وغيرها ممَّا تشاهده في باقي دول العالم ذات الشواطئ البحرية.

يمتدّ الشاطئ الموريتاني على مسافة 750 كيلومتراً بمحاذاة المحيط الأطلسي، وتُعتبر الجمهورية الإسلامية الموريتانية من أكبر الدول المصدرة للأسماك عالميّاً، وتبلغ نسبة صادراتها 44% من إجمالي الصادرات السمكية للدول العربية، إذ يبلغ إنتاجها السنوي ما يناهز ميلوناً ونصف مليون طن من الأسماك السطحية والجوفية، تتوزع بين 300 نوع، بينها 170 نوعاً قابلاً للتسويق في الأسواق الأروبية والسوق اليابانية.

المياه الإقليمية الموريتانية تصل مساحتها إلى 234 ألف كيلومتر مربَّع، يلتقي فيها التيار الكناري البارد التيار الغيني الساخن، ويشكّل ذلك مرتعاً وموطناً فريداً يسمح للأسماك بالتكاثر، وملاذاً آمناً لكل الأحياء البحرية التي تهاجر طوال فصول السنة من أماكن بحرية بعيدة إلى هذه المنطقة ذات الخصائص النادرة.

وفي هذه البيئة البحرية النادرة تكثر أسراب السردين وأسماك القرش والطيور البحرية وأنواع أخرى من الأسماك، مشكّلة بذلك لوحة بيولوجية فائقة التنوُّع، حسب التقارير العملية الموثَّقة والرسمية.

محميَّات شاطئية فريدة

بين العاصمة الموريتانية نواكشوط ومدنية نواذيبو تقع محميَّة حوض آركين الفريدة على طول مئتي كيلومتر على طول الساحل الموريتاني، وتمتاز برلمالها الذهبية وأشجار المانكاروف، وتُعَدّ هذه المحميَّة المحطة الرئيسية لملايين طيور الفلامنغو والخطاف الملكي والنحام الوردي المهاجرة من أوروبا وأمريكا الشمالية.

بين العاصمة الموريتانية نواكشوط ومدنية نواذيبو تقع محميَّة حوض آركين الفريدة على طول مئتي كيلومتر على طول الساحل الموريتاني
بين العاصمة الموريتانية نواكشوط ومدنية نواذيبو تقع محميَّة حوض آركين الفريدة على طول مئتي كيلومتر على طول الساحل الموريتاني (TRT Arabi)

وتُعتبر محميَّة حوض آركين من أهمّ مواطن التراث العالمي في المنطقة بما تحتوي عليه من آثار وخصائص بيولوجية تُوصَف بالقيِّمة، بالإضافة إلى جُزُرها الصغيرة والقريبة من الشاطئ، التي تزيد على مئة جزيرة.

شواطئ خلّابة دون منشآت سياحية

تمتدّ الشواطئ الموريتانية على مسافة سبعمئة وخمسين كيلومتراً من مدينة نجاكو جنوباً إلى مدينة نواذيبو العاصمة الاقتصادية شمالاً، مروراً بالعاصمة نواكشوط، بمحاذاة حاجز رملي ما زال يقف شامخاً رغم الأهمية الاقتصادية للاستثمارات السياحية في الشواطئ.

وعلى طول هذا الساحل البحري الخلّاب بمناخه المعتدل وهيبته الطافحة، تخلو المناظر من أي منشآت سياحية كالفنادق والمقاهي والمطاعم وغيرها ممَّا تشاهده في باقي دول العالم ذات الشواطئ البحرية.

على الشواطئ الموريتانية لا يوجد أي كورنيش، أو حواجز أسمنتية أو عمارات شاهقة، وقد يحتسب زائر هذا الشاطئ للمرة الأولى أنه كولومبس جديد اكتشف لتوه شاطئاً بحريّاً لم يكتشفه إنسان قبله، كما يقول أحد المتندّرين على واقع الشاطئ الموريتاني.

يلتقي في المياه الإقليمية الموريتانية التيار الكناري البارد التيار الغيني الساخن، ويشكّل ذلك مرتعاً وموطناً فريداً يسمح للأسماك بالتكاثر
يلتقي في المياه الإقليمية الموريتانية التيار الكناري البارد التيار الغيني الساخن، ويشكّل ذلك مرتعاً وموطناً فريداً يسمح للأسماك بالتكاثر (TRT Arabi)

ويقول إبراهيم ولد الشيخ، مواطن موريتاني من هواة البحر وركوب الأمواج، إن الشواطئ الموريتانية تمتاز بجمالها وقوة أمواجها التي تشكّل تحدِّياً ومتعة له، لكنها لا تتوفر على المتطلبات الضرورية الموجودة عند شواطئ الدول المجاورة، كالمطاعم والشقق وفرق السلامة والإنقاذ.

ويقول ولد الشيخ إن غياب المنشآت السياحية الشاطئية غيّب معه كل مظاهر الحياة وكثيراً من فرص العمل والتظاهرات الرياضية المائية والشاطئية، كمسابقات ركوب الأمواج وسباق الدراجات المائية والقوارب وبعض الرياضات الأخرى التي تقام على الشواطئ.

استثمارات خجولة

في السنوات الخمس الأخيرة تقريباً بدأت الشواطئ الموريتانية تشهد إقبالاً طفيفاً على الاستثمار في السياحة الشاطئية، لكنه اسثمار ما زال خجولاً وضعيفاً، إذ لم يستطع بعض هذه الاستثمارات أن يصمد في وجه ضعف إقبال الموريتانيين على الشواطئ عموماً، وعدم تعوُّدهم وجود استثمارات سياحية على الساحل البحري، بالإضافة إلى ضَعْف القوة الشرائية، وانعدام الخبرة اللازمة في تقديم خدمات مقبولة للأجانب الذين يزورون الشواطئ الموريتانية قبالة العاصمة نواكشوط بغالبيتهم الأوروبية.

على طول الساحل الموريتاني الخلاب بمناخه المعتدل وهيبته الطافحة، تخلو المناظر من أي منشآت سياحية كالفنادق والمقاهي والمطاعم وغيرها
على طول الساحل الموريتاني الخلاب بمناخه المعتدل وهيبته الطافحة، تخلو المناظر من أي منشآت سياحية كالفنادق والمقاهي والمطاعم وغيرها (TRT Arabi)

ورغم الواقع غير المشجّع ما زال بعض الاستثمارات البدائية التي لا تتجاوز في عددها أصابع اليد تغالب الظرف الصعب لفرض نفسها، والتي تقدِّم أساساً وجبات غذائية، وتوفِّر أكواخاً خشبية وأعرشة بسعر مضاعف لمرتادي الشاطئ.

الاستثمار السياحي خارج اهتمام رجال الأعمال

يقول أستاذ مادة الاقتصاد بجامعة نواكشوط الدكتور عبد الله أواه، إن مجموعة من العوامل تقف وراء ما سمَّاه "تضييع الفرص" في الاستثمار السياحي للشاطئ، ويوضّح ولد أواه أن من بين هذه العوامل العامل الثقافي لدى الإنسان الموريتاني المرتبط بحضارة الصحراء حصراً، وغياب السياسات الاقتصادية التحفيزية من طرف الحكومات الموريتانية، وكذلك عدم نشر وتناول الثقافة البحرية في المناهج التعلمية.

ويعتبر الدكتور أواه أن مفارقات تاريخية شاهدة على جهل الموريتانيين بالبحر، كمعاناة الموريتانيين في "فترة الشدة" عام 1949 ميلاديّاً، إذ عانى عدد كبير من السكان المجاعة في الوقت الذي تبعد إقامته عن البحر عدة كيلومترات فقط.

في السنوات الخمس الأخيرة تقريباً بدأت الشواطئ الموريتانية تشهد إقبالاً طفيفاً على الاستثمار في السياحة الشاطئية
في السنوات الخمس الأخيرة تقريباً بدأت الشواطئ الموريتانية تشهد إقبالاً طفيفاً على الاستثمار في السياحة الشاطئية (TRT Arabi)

غياب الأمن وفرق الإنقاذ

على الشواطئ الموريتانية لا تتوافر دوريات أمن، وغالباً ما تسجَّل حالات اعتداء على بعض الأفراد، وهو ما يرى أحد المهتمين بالمجال السياحي في البلاد أنه من الأسباب التي تدفع بالأسر الموريتانية إلى عدم طرح احتمال زيارة الشاطئ في العطلات الأسبوعية.

وبالإضافة إلى غياب دوريات الأمن، لا تتوافر فرق الإنقاذ والسلامة، التي يُعتبر وجودها مشجّعاً للمواطنين والأجانب على حد سواء على زيارة الشواطئ والتمتُّع بمناظرها.

علاقة الموريتاني بالبحر

ظَلّ الموريتاني بطبعه الصحراوي بعيداً عن البحر وعن حكاياته، ورغم أن الشعراء الموريتانيين خلّدوا في أشعارهم تاريخيّاً كل التفاصيل في المحيط البيئي الموريتاني، ورسموا لوحة الخارطة الموريتانية بكل أجزائها، فإن البحر بسعته ووجوده الأبدي، ظلّ خارج اهتماماتهم، وهو ما يترجم اختصار الموريتاني ثقافته في الصحراء، وبُعدَه بل وإهماله للبحر وخيراته وسحره وهيبته.

ويطالب عدد من المهتمين بالمجال الاقتصادي الحكومة الموريتانية بالعمل بالسعي للاستغلال الأمثل لهذه الشواطئ الخلابة والغنية بثروة هائلة ما زال بعضها لم يُكتشف بعد.

المصدر: TRT عربي