من الاهتمام بالشعر والأدب والثقافة إلى خوض غمار الحياة السياسية بشراهة.. هكذا انتقلت موريتانيا من بلد المليون شاعر إلى بلد المليون سياسي.

بلد العلم والعلماء والشعر والأدب والصحراء، هكذا تُعتبر موريتانيا تاريخيّاً، وهكذا يعتبرها سكانها من منظور تاريخي، فقد عُرفت هذه المنطقة ما قبل الدولة المركزية ببلاد شنقيط من بين تسميات أخرى، حيث قوافل الحجاج إلى بلاد الحرمين، لكن هذا الاعتبار تراجع مؤخراً في ظلّ الإقبال الكبير على السياسية والاهتمام بها، حتى أخذت البلاد لقب بلاد المليون سياسي، وهو اللقب الأنسب والأكثر تعبيراً في وصف المجتمع حاليّاً.

بلاد المليون شاعر

لُقّبَت موريتانيا بلقب المليون شاعر قبل أزيد من نصف قرن من الآن، وحسب مصادر تاريخية فقد صدر هذا اللقب عن مجلة عربية أعدت تحقيقاً عام 1967 ميلاديّاً حول المجتمع الموريتاني، وقد اعتُبر هذا اللقب أبلغ وصف لهذه البلاد، ولقي احتفاءً كبيراً من الموريتانيين المتعلقين بكل ما يعزّز علاقتهم بالعالَم العربي.

ويُعتبر الشعر في موريتانيا الفنَّ الأول لسكانها لدرجة الهوس به، فالشعر في موريتانيا هو الحافظ لتاريخ المنطقة وسكانها وأيامهم، وقد كان حاضراً في تفاصيل حياتهم، وطالما اعتُبر من خصال الفتوّة والمعرفة.

اختلفت الأسماء التي حملتها موريتانيا حسب الأحداث التاريخية التي عرفها المجال الجغرافي الشنقيطي في مراحل زمنية مختلفة
اختلفت الأسماء التي حملتها موريتانيا حسب الأحداث التاريخية التي عرفها المجال الجغرافي الشنقيطي في مراحل زمنية مختلفة (Getty Images)

وقد استُخدم الشعر بشكل واسع في نظم الكتب الشرعية من أجل حفظها، وقد اعتُبر المنهج الأحسن لتسهيل الحفظ قديماً في المحاظر الموريتانية التي كانت جامعات "بدوية علمية متنقلة" خرّجَت فطاحلة العلماء في البلاد.

ألقابٌ أخرى

عرفت موريتانيا عدة ألقاب أو أسماء أُطلِقَت عليها في مراحل تاريخية مختلفة، لعل أشهرها، بالنسبة إلى محمد سالم ولد الخليفة، باحث موريتاني في المجتمعات الإفريقية، أنّ الجمهورية الإسلامية الموريتانية الحالية عُرفت قديماً باسم "شنقيط"، ومنها أخذ الموريتانيون تسمية "الشناقطة"، إذ كانت شنقيط مركز إشعاع علمي وثقافي، ارتبط اسمها بجملة من المعاني. فقد شهدت منذ القرن العاشر الهجري نهضة ثقافية شاملة، إلا أن أهلها لم يهتمُّوا بتدوين حركتهم العلمية وتوثيق أحداثها والتأريخ لها.

ويعتبر ولد الخليفة أن بلاد شنقيط أو موريتانيا مرَّت بمراحل تاريخية طويلة، بحيث حملت في كل مرحلة اسماً معيَّناً، وقد اختلفت الأسماء حسب الأحداث التاريخية التي عرفها المجال الجغرافي الشنقيطي في مراحل زمنية مختلفة.

ويعدِّد الباحث بعض الأسماء التي عرفتها موريتانيا قديماً، وهي إمبراطورية غانا، وبلاد التكرور، وصحراء الملثمين، وبلاد شنقيط، وبلاد المغافرة أو المنكب البرزخي، وبلاد الفترة أو البلاد السائبة وتعني "الفوضى"، ثم أخيراً موريتانيا.

المليونية في نظر الشعراء

في حديثه لـTRT عربي، قال الدكتور ناجي محمد الإمام رئيس جمعية الضاد "سأضرب صفحاً عن العبارة المتداوَلة التي أعتبرها منافية لندرة الإبداع، وإن سارت بها الركبان، لأخلص إلى أن طبيعة المجتمع الموريتاني كمجتمع رحَّال ذي نخبة شبه متعلمة، فتحت السياسة أمام متميزيه باباً ثانياً للصعود الاجتماعي، بعد باب العلم، ثم فتح الاثنان باباً ثالثاً أمام الطامحين والطامعين هو باب المال الذي أضحى الغاية والوسيلة، وتأسيساً عليه تكون "لعبة المليون" في بلد المليون، هي حصريّاً لعبة مطمع مادِّيّ ومطمح ريعي سياسوي عالي الإدرار، تمارسه عصائب حلّاب، بعد تحلُّل النخبة الفكرية المتنوعة الحالمة الجميلة التي سادت بمُثُلها، ثم بادت لأسباب ليس هذا مجال بسطها".

ويعتبر الشاعر والسياسي خالد عبد الودود أنّ لقب بلد "المليون شاعر" ظلّ ملاصقاً لموريتانيا على مدى عقود من الزمن، رغم أنها صفة لاتجد ما يؤيّدها على حد تعبيره، لا في عدد الشعراء (منتسبو اتِّحاد الأدباء لم يصلوا إلى ألف شاعر)، ولا حتى كمية الإنتاج الأدبي، إلا أن "بلد المليون سياسي" بالنسبة إليّ أدقّ إذا ما ارتكزنا على الأدلة الموضوعية، كعدد الأحزاب المرخَّص لها الذي جاوز عتبة الـ100، مقارنة مع عدد السكان (4 ملايين)، وعدد المترشحين للعمد والنواب والمستشارين مقارنة أيضاً بعدد السكان القليل.

كما أن "تداول الشأن السياسي والتعليق عليه في الأوساط الاجتماعية والمهنية والإعلامية وحتى الأوساط الريفية جعل بلد المليون سياسي بالنسبة إليّ وصفاً دقيقاً ووَسْماً مناسباً لموريتانيا"، حسب ولد عبد الودود.

تحوُّلات عميقة

المجتمع الموريتاني شهد تحوُّلات وتغييراً في اهتماماته من حيث العموم، لكن اهتمامه بالسياسة والنقاش العامّ حَوْلها يجسِّد انخراطه كلِّيّاً لا جزئيّاً في ممارستها.

شهد المجتمع الموريتاني تحولات عميقة في ما يخص اهتماماته، لكن انخراطه في السياسة والحياة السياسية انخراطٌ كلي وليس جزئياً فقط
شهد المجتمع الموريتاني تحولات عميقة في ما يخص اهتماماته، لكن انخراطه في السياسة والحياة السياسية انخراطٌ كلي وليس جزئياً فقط (وسائل إعلام محلية)

ويعتبر الباحث الموريتاني سيد ولد بياده، أن ظاهرة الإدمان السياسي التي يعيشها المجتمع الموريتاني أو التسيُّس المُبالَغ فيه، وليدة مجموعة من العوامل، ولعل العامل الاجتماعي من أهمها، ويمكن رَجْع ذلك إلى قدوم المستعمر والبدايات الأولى لخلخلة الصبغة التقليدية التي كان يعتمدها المجتمع للتميُّز والتمايز.

ويضيف ولد بياده: "ما دامت المكانة الاجتماعية والوصول إلى مراكز صنع القرار ودوائر التأثير تمرّ حتماً عبر حجم الكتل الانتخابية أو القرب من الحاكم والحظوة عنده، كان لزاماً على الإنسان الموريتاني الانخراط في العملية السياسية، أو لنقُل إنها تسللت إلى صدارة أولوياته، وقد حرص مختلف الأنظمة منذ الاستقلال على ربط أو -إبقاء- مصالح القبيلة بقيمتها في العملية السياسية".

المليون سياسي

من المفارقات العجيبة في المجتمع الموريتاني أنه لا يكاد يخلو بيت من ممارسة أفراده السياسية، أو على الأقلّ فرد منه، منتسباً إلى حزب سياسيّ أو كتلة أو حركة أو مجموعة أو مبادرة سياسية.

ويناقش الموريتانيون السياسة وجديدها في كل الأوقات والأماكن، ففي الدوام أو في سيارة الأجرة يكون النقاش غالباً حول السياسة والفاعلين السياسيين والمستقبل السياسي، بعد أن كان النقاش سابقاً حول الشعر والأدب والتاريخ والثقافة.

السياسة في الإعلام المحلي

في موريتانيا التي حرَّرَت فضاءها السمعي-البصري خلال السنوات الأخيرة، وبها توجد ستّ قنوات وأربع إذاعات ومئات المواقع والوكالات الاخبارية، تتصدر البرامج والأخبار السياسية الأولوية في مساطرهم جميعاً.

وفي بعض القنوات والإذاعات يبلغ عدد البرامج السياسية ضعف برامج المجالات الأخرى، إذ تُعتبر السياسية هي اهتمام غالبية المستمعين والمهتمين، وعلى ضوء ذلك يمكن اعتبار موريتانيا بلاد المليون سياسي، بعد أن كانت بلاد المليون شاعر.

المصدر: TRT عربي