نشر موقع "بازفيد" الأميركي تقريرا مطولا عن ضلوع مرتزقة أميركيين "في عمليات اغتيالات لخصوم الإمارات في اليمن". ويعمل هؤلاء ضمن شركة أمنية خاصة يديرها متعاقد أمني إسرائيلي، وهذا هو التقرير كاملا.

(Others)

كانت مجموعة من القوات الخاصة الأميركية السابقة، مدججين ببنادق من طراز AK-47، يمصون مصاصات ويهتزون في مؤخرة سيارة دفعرباعي مصفحة تسير في شوارع عدن المظلمة. بينما كان هناك اثنان آخران في المهمة منقوة العمليات الخاصة البحرية. ولمَّا كان أولئك الجنود من نخبة مقاتلي العملياتالخاصة الأميركية، فقد خضعوا لسنوات من التدريب المتخصص في الجيش الأميركي لحمايةأميركا. لكنَّهم الآن يعملون لحساب سيد آخر: شركة خاصة أميركية استعانت بهاالإمارات العربية المتحدة.

 في تلك الليلة، الـ29 من ديسمبر/كانون الأول 2015، كانت مهمتهم تنفيذ اغتيال.

كان هجومهم المسلح، الذي وصفه لموقع BuzzFeedNews اثنان من المشاركين فيه وأيدته لقطات مراقبة من طائرات بدون طيار، هو أول عملية من عمليات مشروعٍ ربحي مذهل. إذ عمل بعض من أكثر الجنود الأميركيين تدريباً على مرِ شهور في اليمن التي مزقتها الحرب في مهمة ارتزاقية مشكوك في شرعيتها لقتل رجال دين بارزين وشخصيات سياسية إسلامية.

 كان هدفهم في هذه الليلة هو إنصاف علي مايو، القائد المحلي لحزب الإصلاح السياسي الإسلامي. تعتبر الإمارات حزب الإصلاح ذراعاً يمنية لجماعة الإخوان المسلمين العالمية، التي تعتبرها الإمارات منظمة إرهابية. ويصمم الكثير من الخبراء على أن الإصلاح، الذي حصلت إحدى عضواته على جائزة نوبل للسلام، ليس جماعة إرهابية. ويقولون إنه حزب سياسي شرعي يهددالإمارات لا عن طريق العنف وإنما بالحديث ضد طموحاتها في اليمن.

 كانت خطة المرتزقة تتمثل في إلصاق قنبلة ذات شظايا بباب مقر حزب الإصلاح، القريب من أحد ملاعب كرة القدم في وسط عدن، التي تمثل مدينة فيها موانئ يمنية مهمة. وقد شرح أحد قادة الحملة أن هذا الانفجار من المفترض له أن "يقتل جميع الموجودين في ذلك المكتب".

 عندما وصلوا في الـ9:57 مساء، بدا كل شيء هادئاً. تسلَّل الرجال خارج سيارة الدفع الرباعي، ببنادق جاهزة، وحمل أحدهما لشحنة المتفجرة ناحية المبنى، لكنه حالما اقترب من الوصول إلى الباب، فتح أحد الأعضاء الآخرين النار، وأطلق النار بطول الشارع خافت الإضاءة، وبذلك فسدت خطتهم.

 شكلت هذه العملية ضد مايو – التي عُرِفت آنذاك لكن لم يكن معروفاً حتى الآن أن من نفذها مرتزقة أميركيون – نقطة محورية في الحرب في اليمن، التي تمثل صراعاً وحشياً شهد تضور الأطفال جوعاً وقصف القرى وانتشار وباء الكوليرا بين السكان المدنيين. كان هذا التفجير الأول في سلسلة من الاغتيالات مجهولة المصدر التي أودت بحياة أكثر من عشرين من قادة الجماعة.

 جديرٌ بالذكر أن الشركة التي استأجرت الجنود ونفذت الهجوم هي Spear Operation Group، المسجلة في ديلاوير وأنشأها أبراهام غولان، وهو متعاقد أمني مجري إسرائيلي ذو كاريزما يعيش خارج مدينة بيتسبرغ الأميركية.وكان هو من قاد الهجوم ضد مايو.

 وقال غولان لموقع BuzzFeedNewsالأميركي "كان ثمة برنامج اغتيال مستهدف في اليمن. كنت أدير البرنامج. فعلنا ذلك، وقد اعتمدته الإمارات داخل التحالف".

 يُذكر أن الإمارات والسعودية يقودان تحالفا من تسع دول في اليمن يشن حرباً بالوكالة ضد وكلاء إيران. وتساعد الولايات المتحدة الجانب السعودي الإماراتي بتقديم الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية ودعم آخر.

ولم يستجب المكتب الصحافي لسفارة الإمارات بالولايات المتحدة، ولم تستجب كذلك شركة الشؤون العامة للإمارات في السعودية Harbour Group، لمكالمات هاتفية ورسائل بريد إلكتروني متعددة.

ويأتي الكشف عن أن إحدى الملكيات في الشرق الأوسط قد استأجرت أميركيين لتنفيذ اغتيالات في لحظة يركز فيها العالم على القتل المزعوم للصحافي المنشق جمال خاشقجي على يد السعودية، ذلك النظام المستبد ذي العلاقات الوثيقة بالولايات المتحدة والإمارات. (لم تستجب سفارة السعودية في الولايات المتحدة لطلب بالتعليق. وقد نفت الرياض أنها قتلت خاشقجي، مع أنَّ التقارير الصحافية تشير إلى أنَّها تفكر في إلقاء اللوم في قتله على استجواب خاطئ).

 وقال غولان إنه في أثناء انخراط شركته في اليمن، الذي استمر شهوراً، كان فريقه مسؤولاً عن عدد من أبرز الاغتيالات في الحرب، لكنَّه رفض تحديد أي منها. وذكر غولان أنَّ الولايات المتحدة بحاجة إل ىبرنامج اغتيال شبيه للنموذج الذي استخدمه. وقال: "كل ما أريده أن نتناقش بشأن ذلك. ربما أكون وحشاً، ربما ينبغي أن أكون في السجن، ربما أكون شخصاً سيئاً، لكنني على صواب".

 وتمثل عملية الاغتيالات السرية التي اضطلعت بها شركة Spear Operations Group مزيجاً من ثلاثة تطورات تحول الطريقة التي تجري بها الحروب في العالم:

- تحول القتال الحديث في مجال مكافحة الإرهاب بعيداً عن الأهداف العسكرية التقليدية –مثل تدمير القواعد الجوية أو مواقع المدافع أو الثكنات– إلى قتل أفراد بعينهم، ما يعيد تشكيل الحرب إلى حد كبير لتكون اغتيالات منظمة.

 - أصبحت الحرب مخصخصة على نحوٍ متزايد، إذ تستعين الكثير من الدول بمتعاقدين خصوصيين لمعظم خدمات الدعم العسكري، مما جعل القتال على الجبهات هو الوظيفة الوحيدة التي لم يتعاقد فيها الجيش الأميركي والجيوش الأخرى مع مصادر خارجية لأغراضٍ ربحية.

 - اعتمدت الحروب الأميركية الطويلة في الولايات المتحدة وأفغانستان والعراق اعتماداً كبيراً على نخبة القوات الخاصة،لتنتج عشرات الآلاف من أفراد القوات الخاصة الأميركيين الُمدرَّبين تدريباً متقدماً الذين يمكن أن يطالبوا برواتب مرتفعة من القطاع الخاص لقاء التعاقد لتنفيذ مهمات عسكرية أو العمل الارتزاقي الصريح.

 ومع مهمة هذه المجموعة في اليمن،تركزت هذه الاتجاهات لتصبح عملاً جديداً ورائجاً للغاية: ألا وهي عقود القتل العسكري الذي ينفذه مقاتلون أميركيون ماهرون.

 وقال خبراء إنَّ من غير المتصور تقريباً ألا تكون الولايات المتحدة على علم بأن الإمارات –التي دربت جيشها وسلحته على كلالمستويات تقريباً– قد استعانت بشركة أميركية يعمل بها مقاتلون أميركيون قدامى لتنفيذ برنامج اغتيال في حربٍ تراقبها عن كثب.

وبحسب ثلاثة مصادر على اطلاع بالعملية، فإن أحد المرتزقة كان يعمل مع وكالة الاستخبارات المركزية في"الفرع الأرضي"، وهو الفرع المكافئ للقوات الخاصة في الجيش. وكان أحد المرتزقة الآخرين رقيباً في القوات الخاصة في جيش الحرس الوطني بمريلاند. وشخص ثالث كان ما زال في احتياطي البحرية ضمن قوات العمليات الخاصة البحرية، وله تصريح أمني سري للغاية، وذلك بحسب أربعة أشخاص يعرفونه. وقالت هذه المصادر للموقع إنَّ هذا الشخص كان أحد مخضرمي الفريق السادس في قوات العمليات الخاصة البحرية. وكانت صحيفة The New York Times الأميركية قد وصفت وحدة النخبة هذه، المشهورة بقتل أسامة بن لادن، بأنها "آلة قتل عالمية ذات إشراف خارجي محدود".

 وقالت وكالة الاستخبارات المركزية إنه لا معلومات لديها عن برنامج اغتيالات المرتزقة هذا، ورفضت قيادة الحرب الخاصة التابعة للبحرية التعليق. وقال مسؤول سابق بوكالة الاستخبارات المركزية عمل في الإمارات المتحدة في البداية لموقع Buzz Feed News إنَّ من المستحيل السماح للأميركيين بالمشاركة في مثل هذا البرنامج. لكنَّه بعد التحقق عاود الاتصال وقال: "ثمةأشخاص كانوا يفعلون ما ذكرتموه". وقال إنه كان مذهولاً بما عرف، وأضاف: "ما هي إجراءات التحقق التي تمكنك من التيقن من أنَّ الشخص الذي قتلته لتو كشخص سيء فعلاً؟". وقال إن المرتزقة "يشبهون فرقة إعدام".

 ومن الغريب أنه لم يتضح ما إذا كانت عمليات المجموعة تنتهك القانون الأميركي أم لا. فمن ناحية، يحظر القانون الأميركي"التآمر لقتل أو اختطاف أو تشويه" أي شخص في بلد آخر. ومن المفترض أن تنظم وزارة الخارجية الشركات التي تقدم خدمة عسكرية للدول الأجنبية، لكنَّ الوزارة تقول إنها لم تسمح قط لأي شركة بتقديم قوات مقاتلة أو مرتزقة لبلد آخر.

 ومع ذلك، وكما نشر موقع BuzzFeedNews من قبل، فإنَّ الولايات المتحدة لا تحظر المرتزقة. ومع بعض الاستثناءات، فمن القانوني تماماً أن تعمل في جيوش أجنبية، سواء كان الدافع مثالياً أو مالياً. وقد خدم أميركيون في الجيش الإسرائيلي، والفيلق الأجنبي الفرنسي، وحتى الميليشيات التي تحارب تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا، دون أي تبعات قانونية. وبحسب ثلاثة مصادر فإن مجموعة Spear Oerations Group قد رتبت للإمارات أن تمنح الأميركيين المشاركين في المهمة رتباً عسكرية، وهو ما قد يوفر لهم غطاءً قانونياً.

 وعلى الرغم من عمل غولان في منطقة رمادية من الناحيتين القانونية والسياسية، فإنه يروِّج للاغتيالات المستهدفة بصفتها استراتيجية دقيقة لمواجهة الإرهاب تسفر عن سقوط عدد أقل من الضحايا المدنيين. لكنَّ عملية مايو تظهر أنَّ هذا النمط الجديد من الحرب يحمل الكثير من المشكلات القديمة ذاتها. إذ انحرفت خطط القوات الخاصة، وثبت أنَّ المعلومة الاستخبارية خاطئة. وكانت عمليتهم أبعد ما تكون عن الدقة؛ فالقنبلة التي ربطوها بالباب لم تكن مصممة لقتل شخص واحد وإنما جميع من في المكتب.

 وبعيداً عن الاعتراض الأخلاقي، فإنَّ الاغتيالات المستهدفة الربحية تضيف معضلات جديدة إلى الحرب الحديثة. فالمرتزقة الخصوصيون يعملون خارج سلسلة القيادة العسكرية الأميركية، لذا فلو ارتكبوا أخطاءً أو جرائم حرب، فليس ثمة نظام واضح لمحاسبتهم. ولو قتل المرتزقة مدنياً في الشارع، فمن كان حتى ليحقق في الأمر؟.

 وتكشف عملية مايو عن مشكلة أكثر مركزية: اختيار الأهداف. إذ يصر غولان على أنه قتل إرهابيين فحسب، حددتهم الإمارات العربية المتحدة حليفة الولايات المتحدة. لكن من هو الإرهابي ومن هو السياسي؟ ماهو النمط الجديد للحرب وما هو النمط القديم للقتل مقابل أجر؟ من له الحق في اختيار من يعيش ومن يموت، ليس فقط في حرب تشنها دولة ملكية متحفظة مثل الإمارات العربية المتحدة، وإنما أيضاً في الحروب التي تخوضها ديمقراطيات مثل الولايات المتحدة؟

 جمع موقع BuzzFeed News التفاصيل الداخلية لهجوم الشركة على مقر الإصلاح، للكشف عن طبيعة حرب المرتزقة حالياً، وما يمكن أن تصبح عليه في المستقبل.

 نوقشت الصفقة التي جلبت المرتزقة الأميركيين إلى شوارع عدن بالتفصيل في أثناء وجبة غداء في إمارة أبوظبي بمطعم إيطالي في نادي الضباط بإحدى القواعد العسكرية الإماراتية. سافر غولان وضابط مخضرم سابق بقوات العمليات الخاصة بالبحرية الأميركية يدعى إيزاك غيلمور من الولايات المتحدة لتقديم المقترح. ولكن الأمر لم يبدأ بداية جيدة، حسبما يذكر غيلمور.

 كان مضيفهم محمد دحلان، رئيس الأمن المخيف السابق للسلطة الفلسطينية. كان دحلان يرتدي حُلَّة جيدة التصميم، نظر إلى ضيفيه المرتزقة ببرود وقال لغولان إنهما في سياق آخر كانا سيحاولان قتل بعضهم بعضاً. وفعلاً كانا يشكلان زوجاً بعيد الاحتمال. يحافظ غولان، الذي يقول إنه ولدفي المجر لأبوين يهوديين، على علاقاتٍ طويلة الأمد بسبب عمله الأمني، وذلك بحسب عدة مصادر، ويقول إنه عاش في المجر عدة سنوات. وكان غولان قد شارك في إحدى الحفلات مع رئيس الموساد السابق داني ياتوم، وذلك بحسب مقال نُشِر عام 2008 في مجلة MotherJones الأميركية، وكان تخصصه "توفير الأمن لعملاء الطاقة في إفريقيا". وبحسب ثلاثة مصادر، فإنَّ إحدى عقوده كانت حماية سفن تنقب في حقول النفط قبالة سواحل نيجيريا من التخريب والإرهاب.

 يشع غولان -الذي يربي لحية كاملة ويدخن سجائر Marlboro Red- بالحماس. وقد وصفه مسؤول سابق بوكالة الاستخبارات المركزية بأنه بائع جيد. بل إنَّ غولان نفسه مثقف للغاية وعادة ما يستشهد بالفلاسفة والروائيين، إذ اقتبس مقولة الفيلسوف الفرنسي أندريه مالرو: "ليس الإنسان ما يعتقد وإنماما يخفي".

 ويقول غولان إنه تعلم في فرنسا وانضم إلى الفيلق الأجنبي الفرنسي وسافر إلى جميع أنحاء العالم، من أجل القتال في أغلب الأحيان أو تنفيذ عقود أمنية. ويقول إنه تعرف في العاصمة الصربية بلغراد إلىزيليكو رازناتوفيتش المقاتل شبه العسكري ورجل العصابات الشهير، المعروف أكثر باسم أركان، الذي في اغتيل عام 2001. وقال غولان للموقع: "أحترم أركان كثيراً".

 لم يكن موقع BuzzFeed News قادراً على التحقق من أجزاء من سيرة غولان، بما في ذلك خدمته العسكرية، لكن غيلمور وأحد قدامي رجال العمليات الخاصة الأميركية الآخرين كان معه في الميدان قالا إن من الواضح أن لديه خبرة في مجال العسكرية. وقال مسؤول سابق بوكالة الاستخبارات المركزية إن غولان شخص كفؤٌ قاسٍ حذر. وقال ضابط سابق بوكالة الاستخبارات المركزية عن غولان إنه"ميال إلى المبالغة" لكن "فيما يتعلق بالأمور المجنونة، فهو مننوعية الرجال الذين تحتاج إلى الاستعانة بهم".

 أمّا دحلان، الذي لم يستجب لرسائل متعددة أرسلت عبر مساعديه، فقد نشأ في مخيمٍ للاجئين في قطاع غزة، وأصبح طرفاً سياسياً رئيسياً في أثناء انتفاضة الثمانينيات من القرن الماضي. وفي التسعينيات، عُيِّن رئيساً لأمن السلطة الفلسطينية في غزة، وأشرف على حملةٍ قمعيةقاسية ضد حركة حماس في عامي 1995 و1996. والتقى لاحقاً بالرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، وطوَّر روابط قوية مع وكالة الاستخبارات المركزية، ليلتقي مدير الوكالة، جورج تينيت، عدداً من المرات. وقد كان دحلان في وقت ما زعيماً محتملاً للسلطة الفلسطينية، لكنَّه فقد مكانته في عام 2007، حين اتهمته السلطة الفلسطينية بالفساد، واتهمته حماس بالتعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية وإسرائيل.

 ولمَّا كان دحلان رجلاً بلا بلد، فقد فر إلى الإمارات. وهناك قيل إنه قد جدد صورته ليكون مستشاراً أساسياً لولي العهد محمد بن زايد آل نهيان، المعروف بأنه الحاكم الفعلي لأبوظبي. وقال ضابط وكالة الاستخبارات المركزية السابق الذي يعرف دحلان: "أخذته الإمارات ليكون كلبهم الشرس".

 والآن، خلال مأدبة غداء في نادي الضباط، تحدى الكلب الشرس ضيفيه ليخبراه ما الذي يميز المقاتلين من أميركا. وما الذي يجعلهم أفضل من الجنود الإماراتيين؟

 أجاب غولان بتبجح. ولما أراد أن يعلم دحلان أنَّ بإمكانه أن يصوب ويدرس ويجري ويقاتل أفضل من أي شخص في الجيش الإماراتي، فقد قال: أعطني أفضل رجالك وسوف أغلبه، أي شخص.

 أشار الفلسطيني إلى مساعدة منتبهة كانت تجلس قريبة منهم. قال دحلان: "هذه أفضل رجل لدي". صرفت هذه الدعابة التوتر، واستقرالرجال. وأوصاهما دحلان بطلب "الإسباغيتي".

 تعتمد الإمارات، التي تتمتع بثروة هائلة ونحو مليون مواطن فحسب، على العمال المهاجرين من كل العالم لفعل كل شيءبدءاً من تنظيف المراحيض إلى تعليم طلابها الجامعيين. ولا يختلف الحال في جيشها، إذ يدفع مبالغ طائلة لشركات الدفاع الأميركية والجنرالات السابقين. وكانت وزارة الدفاع الأميركية قد وافقت على صفقات سلاح وخدمات عسكرية لا تقل قيمتها عن 27 مليار دولار منذ عام 2009.

 وكان الجنرال المتقاعد في الجيش الأميركي، ستانلي مكريستال، قد شغل منصباً في مجلس إدارة شركة عسكرية إماراتية. ويدير ستانلي العضو السابق بقوات العمليات الخاصة البحرية ونائب الأميرال روبرت هوارد قسم الإمارات بشركة Lockheed Martin. وكان المسؤول التنفيذي الأمني إريك برنس، المتورط الآن ضمن تحقيق المستشار الخاص روبرت مولر بخصوص التدخل الروسي في الانتخابات، قد عمل هناك لفترة من الزمن، إذ كان يساعد الإمارات على استئجار مرتزقة كولومبيين.

 وكما نشر موقع BuzzFeed News أوائل العام الجاري، فإنَّ البلاد تدمج أجانب في جيشها وأعطت المقدم الأميركي ستيفن توماجان رتبة لواء، ونصبته قائداً على أحد أفرع قواتها المسلحة.

 وليست الإمارات الوحيدة في الاستعانة بمتعاقدي عسكريين. في الواقع، إذ كانت الولايات المتحدة هي من ساعدت على دفع التحرك العالمي ناحية خصخصة الجيش. إذ يدفع البنتاغون أموالاً للشركات لتنفيذ الكثير من المهمات التقليدية، بدءً من إطعام الجنود إلى الحفاظ على الأسلحة وحراسة القوافل.

 وتضع الولايات المتحدة الخط الفاصل في القتال، فلا تستأجر مرتزقة لتنفيذ هجمات أو الانخراط المباشر في القتال. لكن يمكن لهذا الخط أن يصبح ضبابياً. إذ توفر الشركات الخاصة تفاصيل أمنية شديدة التسليح لحماية الدبلوماسيين في مناطق الحرب أو الضباط الاستخباراتيين في الميدان. ويمكن لأولئك المتعاقدين الانخراط في معارك بالأسلحة النارية، كما فعلوا في بنغازي بليبيا، عندما مات متعاقدان عام 2012، دفاعاً عن موقع لوكالة الاستخبارات المركزية. لكن رسمياً كانت المهمة للحماية لا مهمة حربية.

 وخارج الولايات المتحدة، يعد توظيف المرتزقة لأداء مهمات قتالية أمراً نادر الحدوث، على الرغم من حدوثه. ففي نيجيريا، قيل إنَّ قوة هجومية يقودها المرتزق الجنوب إفريقي البارز إيبن بارلو تحركت بنجاح ضد الجماعة الإسلامية المقاتلة، بوكو حرام، عام 2015. وكانت شركة أنشأها بارلو،تسمى Executive Outcomes، قد نسب إليها سحق التمرد الدموي للجبهة الثورية المتحدة في سيراليون التي دمرتها الحرب في التسعينيات.

 لكن عند تناول الإسباغيتي مع دحلان، كان غولان وغيلمور يعرضان نوعاً غير عادي من خدمات المرتزقة. لم يكن الأمر مجرد توفير تفاصيل أمنية، ولا حتى توفير قتال عسكري تقليدي أو الحرب ضد التمرد. لقد كانما يعرضانه قتلاً مستهدفاً.

 وقال غيلمور إنه لا يتذكر أي شخص يستخدم كلمة "اغتيالات" على وجه الخصوص. وقال إنه كان من الواضح منذ المرة الأولى أنَّ الأمر لا يتعلق بأسر قادة حزب الإصلاح أو اعتقالهم، وإنما "كان هدفنا محدداً للغاية". وقال غولان إنه طلب منه بوضوح المساعدة على"تعطيل وتدمير" حزب الإصلاح، الذي يدعوه "الجناح السياسي لمنظمة إرهابية". ووعد غولان وغيلمور بجمع فريقٍ لديه المهارات المناسبة وبسرعة.

 وفي الأسابيع التي تلت هذا الغداء اتفقوا على الشروط. سوف يتلقى الفريق 1.5 مليون دولار في الشهر، وذلك بحسب ما قال هغولان وغيلمور لموقع BuzzFeed News. وسوف يحصلون على مكافآت مقابل عمليات القتل الناجحة –رفض غولان وغيلمور تحديد قيمتها– لكنهم سوف ينفذون عمليتهم الأولى بنصف الثمن ليثبتوا مايمكنهم عمله، على أن تُدرِّب الشركة أيضاً جنوداً إماراتيين على تكتيكات القوات الأميركية الخاصة لاحقاً.

 كان لغولان وغيلمور شرطٌ آخر: كانا يريدان إدماجهما في القوات المسلحة الإماراتية. وكانوا يريدون أن تأتي أسلحتهم، وقائمة المستهدفين من ضباط يرتدون أزياءهم العسكرية. وقال غولان إنَّ هذا كان"لأسباب قضائية، لأنه لو وقعت كارثة" فسوف تمثل الأزياء النظامية الإماراتية وقلادات الهوية العسكرية "الفارق بين المرتزق والرجلالعسكري".

 وقال غولان وغيلمور إنَ دحلان والحكومة الإماراتية وقعا على الصفقة وبدأت شركة Spear   Operations Group في العمل.

 وبعد العودة إلى الولايات المتحدة بدأ غولان وغيلمور في جمع الجنود السابقين من أجل العملية الأولى التي تشرح مفهوم البرنامج بأكمله. وصحيحٌ أنَّ شركة Spear Operations Group صغيرة –إذ لا تشبه الشركات الضخمة مثل Garda World Securityأو Constellis– لكن لديها مخزون ضخم من المواهب التي تختارمن بينها.

من بين التبعات غير المشهورة للحرب على الإرهاب، وعلى وجه الخصوص السنوات الـ17المشتركة من الحروب الأميركية في العراق وأفغانستان، أنَّ عدد قوات العمليات الخاصة قد زاد أكثر من الضعف منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول من 33 ألفاً إلى 70 ألفاً. وهذا مستودع ضخم من قوات النخبة المختارين والمدربين الذين خضعوا لاختباراتٍ في المعارك من جانب أعلى وحدات النخبة في الجيش الأميركي مثل قوات العمليات الخاصة البحرية وقوات الصاعقة البرية الأميركية.

 ومن المعروف أيضاً أنَّ بعض جنود الاحتياط في العمليات الخاصة قد انخرطوا في خدمات عسكرية من أجل الربح، وذلك بحسب ضابط رفيع المستوى في قوات العمليات الخاصة البحرية طلب عدم الإفصاح عن اسمه. وقال هذا الضابط: "أعرف عدداً ممَّن يضطلعون بهذا النوع من الأعمال". وأضاف أنَّ الجنود إذا لم يكونوا في الخدمة الفعلية فليسوا ملزمين بالإبلاغ عمَّا يفعلونه.

 لكنَّ خيارات قدامي محاربي العمليات الخاصة وجنود الاحتياط ليست كما كانت في السنوات الأولى من حرب العراق. فالعمل الأمني الخاص، الذي يتكون في معظمه من حماية مسؤولي الحكومة الأميركية في بيئات معادية، يفتقر إلى إثارة المعركة الفعلية والأمر "يشبه توصيل الآنسة دايزي ببندقية M4"،على حد تعبير أحد المتعاقدين السابقين. فضلاً عن أنَّ المقابل المادي لم يعد كما كان في السابق. فبينما كانت أقل معدلات رواتب لجنود النخبة في وظائف أمنية عالية المستوى 700 أو 800 دولار في اليوم، فقد تناقصت إلى نحو 500 دولار يومياً. وقال غولان وغيلمور إنهم كانوا يعرضون على المقاتلين الأميركيين لديهم 25 ألف دولار في الشهر –أي نحو 830 دولاراً يومياً– بالإضافة إلى المكافآت، وهو ما يعد مبلغاً سخياً في أي سوق تقريباً.

ومع ذلك، فقد كانت عملية اليمن في منطقة مجهولة، ورفضها بعضٌ من أفضل الجنود. وقال غيلمور: "كان الأمر ما زال غامضاً لدرجة أنَّ الكثير من الرجال رفضوا".

 وقال غيلمور نفسه إنَّ لديه سجلاً معيباً. إذا قال إنه أطلق الرصاص على جندي آخر من قوات العمليات الخاصة البحرية، عندما كان يعمل فيها في البحرية، أثناء مهمة تدريبية بالرصاص الحي. وقال غيلمور إنَّ هذا هو ما دفعه إلى ترك البحرية عام 2011. وكانت آخر وظيفة كبيرة له قبل الانضمام لـSpear هي العمل مسؤولاً تنفيذياً في شركة Tequila للترسانة.

 وقال إنَّ هذه الوصمة في مسيرته العسكرية هي أيضاً ما دفعته إلى المخاطرة مع Spear. لقد كان دخيلاً. لم يكن في جنود الاحتياط، ولم يكن لديه معاش تقاعد يقلق بسببه.

 بنهاية عام 2015، جمع غولان، الذي قاد العملية، وغيلمور فريقاً من اثني عشر رجلاً. ثلاثة منهم كانوا من قدامى العمليات الخاصة الأميركية، ومعظم الباقي من الفيلق الأجنبي الفرنسي، وأولئك كانوا أرخص، إذ بلغ أجرهم نحو 10 آلاف دولار في الشهر فحسب، حسبما يذكر غيلمور، وهو أقل من نصف الميزانية التي قال هو وغولان إنهما خصصاها لنظرائهم الأميركيين.

اجتمعوا جميعاً في فندق بالقرب من مطار تيتيربورو في ولاية نيوجيرسي الأميركية. كانوا يرتدون تشكيلة من الأزياء العسكرية، بعضهم في أزياء مموهة والبعض الآخر في أزياء سوداء. كان بعضهم ذا لحية وعضلات، والبعض الآخر ذا وشمٍ ونحيلاً.

 وقال غيلمور إنه عندما حان وقت الرحيل، أقنعوا العاملين في الفندق بأن يعطوهم العلم الأميركي الذي كان يرفرف في الخارج. وفي مراسم مؤقتة، طووا العلم إلى مثلث صغير وأخذوه معهم.

 وحزموا معهم ما يكفي لعدة أسابيع من"الوجبات العسكرية الجاهزة للأكل"، والدروع الواقية، ومعدات الاتصالات، والمعدات الطبية. وقال غيلمور إنه جلب معه مجموعة سكاكين بأداة مجعدة خاصة لتجهيز الأغطية الناسفة على المتفجرات. وحرص الفريق على تخزين الويسكي أيضاً –إذ أخذوا ثلاث عبوات من ماركة Basil Hayden- لأنه سوف يكون من المحال الحصول على أي خمر في اليمن، فضلاً عن الخمر الجيد.

 في الـ15 من ديسمبر/كانون الأول، استقلوا طائرة Gulfstream G550. وما إن ارتفعوا جواً حتى مشى غيلمور إلى مقصورة القيادة وأخبر الطيارين أنَّ ثمة تغييراً طفيفاً في خطة سفرهم: فبعد التزود بالوقود في أسكتلندا، لن يطيروا إلى المطار التجاري الأساسي في أبوظبي، وإنما قاعدة عسكرية إماراتية في الصحراء.

 ومن هذه القاعدة، استقل المرتزقة طائرة للقوات الجوية الإماراتية إلى قاعدة أخرى في مدينة عصب بإريتريا. وتذكر غيلمور أنه في أثناء هذه الرحلة أطلعهم ضابط إماراتي بالزي الرسمي على الأمر وسلمهم قائمةً بالأشخاص المطلوب قتلهم تتضمَّنت 23 بطاقة تشتمل على 23 اسماً و23 وجهاً. واشتملت كل بطاقة على معلومات استخباراتية أولية، مثل دور ذلك الشخص في السياسة اليمنية مثلاً أو إحداثيات مكان إقامته، أو كليهما.

 قال غيلمور إنَّ بعضهم كانوا أعضاء في حزب الإصلاح، والبعض الآخر كانوا رجال دين والبعض كانوا إرهابيين أقحاح، لكنه اعترف بأنَّه لم يتمكن من التيقن من ذلك.

 وقد حصل موقع Buzz News Feed على إحدى هذه البطاقات.واشتملت البطاقة على اسم الرجل وصورته وهاتفه ومعلومات أخرى، وفي أعلى اليمين شارة الحرس الرئاسي الإماراتي.

 أما ما كان غائباً بوضوح فهو السبب الذي يريد أحدهم قتله من أجله، أو حتى أي مجموعة كان هذا الشخص مرتبطاً بها. ولم يتيسر الوصول إلى هذا الرجل للحصول على تعليقه، وليس من المعروف ما إذا كان حياً أو ميتاً.

 وعلى الصعيد التاريخي، أدَّت الاغتيالات دوراً محدوداً في الحروب الأميركية والسياسة الخارجية.

ففي عام 1945، تسَّلم مدير مكتب الخدمات الاستراتيجية، وهي وكالة الاستخبارات الأميركية السابقة، دونوفان المُلَّقب بـ "Wild Bill" خطة نهائية لنشر فرق قتل في أوروبا لاغتيال قادة نازيين من أمثال هتلر، وهيملر، وغورينغ، وضباط من وحدات شوتزشتافل التابعة للحزب الألماني النازي من رتبة رائد فما فوقها، وذلك حسبما ورد في كتاب دوغلاس وولر عن السيرة الذاتية لدونوفان. إلا أن مدير مكتب الخدمات الاستراتيجية شعر بالانزعاج من مشروع الاغتيالات واسع النطاق وألغاه.

خلال الحرب الباردة، لعبت وكالة الاستخبارات المركزية دوراً في تدبير المؤامرات لاغتيال زعماء أجانب، مثل باتريسلومومبا من جمهورية الكونغو الديمقراطية، ورافائيل تروخيلو من جمهورية الدومينيكان، ونغو دينه ديم من فيتنام الجنوبية. ولاحقاً أطلقت الولايات المتحدة في حرب فيتنام، برنامج فينيكس، الذي تعاونت فيه وكالة الاستخبارات المركزية مع وحدات عسكرية أميركية "لتحييد" -أو كما يقول النقاد، اغتيال- قادة الجبهة الوطنية لتحرير فيتنام الجنوبية المعروفة باسم "فيت كونغ". ومع ذلك، لم تكن عمليات القتل المستهدفة ركيزة أساسية في الاستراتيجية العسكرية الأميركية في فيتنام. وبعد أن كشف الكونغرس عن أنشطة وكالة الاستخبارات المركزية في سبعينات القرن الماضي، حظرت الولايات المتحدة عمليات اغتيال القادة الأجانب.

ثم جاءت الحرب على الإرهاب.

أثناء فترة رئاسة الرئيس جورج بوشالابن، استخدمت وكالة الاستخبارات المركزية والجيش طائرات بدون طيار لقتل الإرهابيين، وطورَّت الوكالة قدرات اغتيال سرية. أوقف الرئيس باراك أوباما برنامج الاغتيالات السرية للوكالة، إلا أنَّه صعَّد من استخدام الضربات الجوية التي تنفذها الطائرات بدون طيار في باكستان واليمن وأفغانستان والصومال. وسرعان ما استخدمت وكالة الاستخبارات المركزية والجيش الطائرات -التي تُوَجه عن بعد باستخدام شاشات الفيديو- لقتل أشخاص لم تعرف حتى الولايات المتحدة اسمائهم، من خلال"الضربات الموجهة ضد أهداف عامة" والتي تستند فقط إلى تصرفات وأنشطة الهدف.وقد خفف الرئيس دونالد ترمب أكثر من القواعد الخاصة التي تسير وفقها ضربات الطائرات بدون طيار.

 لكن في حين أنَّ المتعاقدين الخاصين غالباً ما يحتفظون بطائرات بدون طيار وأحياناً يُشغِّلونها، فهناك عمل واحد لايمكنهم القيام به، إذ لا يمكن سوى للضابط الذي يرتدي الزي الرسمي الضغط على الزر الذي يطلق صاروخ الطائرة بدون طيار ويقتل الهدف.

ومع تحول الاغتيالات المنظمة إلى جزء روتيني من الحرب في المنطقة، طورَّت الإمارات أسلوبها الخاص. كانت البلاد قد بد أتتستعرض المزيد من قوتها العسكرية، وبحلول عام 2015 أصبحت لاعباً رئيسياً في الحرب في اليمن. وسرعان ما استهدفت حزب الإصلاح، وهو حزب سياسي إسلامي فاز باكثر من 20% من الأصوات في أحدث انتخابات برلمانية أجريت في اليمن عام 2003.

تُشير إليزابيث كيندال، الخبيرة في الشأن اليمني في جامعة أكسفورد، إلى أنَّه خلافاً لتنظيم القاعدة أو الجماعات الإرهابية الأخرى التي تحاول الاستيلاء على السلطة من خلال العنف، فحزب الإصلاح يشارك في العملية السياسية. لكنَّها قالت إنَّ المنطق الأميركي وراء ضربات الطائرات بدون طيار قد أضفى الشرعية على مسعى الدول الأخرى لعمليات الاغتيال الخاصة التي تنفذها، وقالت: "الفكرة المائعة والغامضة للغاية للحرب على الإرهاب قد تركت الباب مفتوحاً على مصراعيه لأي نظام ليقول إنَّ "كل ما أفعله هو في إطار الحرب على الإرهاب".

كان "إنصاف مايو"، رئيس حزب الإصلاح في عدن، على قمة مجموعة الأشخاص المستهدفين التي حصل عليها غيلمور وغولان من الإمارات على حد قولها. كان شعر مايو قصيراً، يرتدي نظارة رفيعة الإطار، ولحيته خفيفة تليق مع شاربه. واحتج مايو علناً ضد ضربات الطائرات الأميركية بدون طيار، وقال لصحيفة Washington Post عام 2012 إنَّهم بدلاً من أن يوقفوا تنظيم القاعدة، ساعدوا في نموه.   

وحين سُئل عن أخلاقيات وشرعية قتل قادة الإصلاح السياسيين غير المسلحين، على عكس الإرهابيين المسلحين، أجاب غولان قائلاً: "أعتقد أنَّ هذا التقسيم (إلى مجموعتين) هو تقسيم فكري بحت".

وقال غولان إنَّه يقتدي في مهامه الاغتيالية ببرنامج عمليات القتل المستهدف في إسرائيل، الذي يجري اتباعه منذ تأسيس دولتهم، والذي على الرغم من بعض الأخطاء في استهداف أشخاصٍ رفيعي المستوى والمواقف المحرجة التي يتعرضون لها، يرى غولان أنَّه يُنفَّذ بصورةٍ صحيحة. كما يرى أنَّ هناك بعض الأعداء الإرهابيين الخطرين للغاية، ممن يَصعُّب إيقافهم، يكون الاغتيال هو أفضل حل لهم.

ويصر على أنَّ فرقته ليست فرقة قتل. وكدليل على ذلك، روى غولان كيف أنَّ دولة الإمارات، مع استمرار مهمتهم، قدمت أسماء لا علاقة لها بالإصلاح أو أي جماعة، إرهابية أو غيرها. وقال غولان إنَّه رفض ملاحقة هؤلاء الأفراد، وهو ادعاء لا يمكن التحقق منه.

وقال هو وغيلمور، إنَّ الأسماء التي استهدفتها مجموعة Spear كانت شرعية لأنَّ حكومة الإمارات اختاراتهم، وهي حليفة الولايات المتحدة التي انخرطت في عمل عسكري مدعوم من واشنطن. وقال غيلمور إنَّه وغولان أبلغا الإمارات بأنَّهما لن يتصرفان أبداً ضد المصالح الأميركية. وادعى غولان أنَّه بُناءً على خبرته العسكرية، كان بإمكانه معرفة ما إذا كان الهدف إرهابياً أملا بعد أسبوع أو أسبوعين فقط من مراقبته.

مع ذلك، اعترف غيلمور بأنَّ بعض الأهداف قد تكون مجرد أشخاص لم تلق قبولاً من العائلة الحاكمة. وفي إشارة إلى ولي العهد محمد بن زايد، قال غيلمور: "هناك احتمال أن يكون الهدف شخصاً لايحبه محمد بن زايد. سنحاول التأكد من عدم حدوث ذلك".

 عندما وصلوا إلى عدن، زُوِّد المرتزقة بالأسلحة. لقد فوجئوا ببنادق هجومية صينية الصنع مزرية ورديئة الجودة وقذائف آر بي جي، وفقا لغيلمور وغولان.

في مرحلةٍ ما، عُيَّنوا رسمياً في الجيش الإماراتي. إذ عُيَّن غولان برتبة عقيد وغيلمور برتبة مقدم، وهي"ترقية" مثيرة لرجل كان قد سُرَّح من القوات البحرية الأميركية عند رتبة ضابط صغير.

لا يزال غيلمور يحمل قلادة الهوية العسكرية الإماراتية، وهي مستطيل من الذهب الأبيض مدموغ عليه فصيلة دمه AB-negative واسمه باللغة الإنكليزيةعلى جهة، وباللغة العربية على الجهة الأخرى.

وقال غيلمور إنَّه باستخدام مصادر سلَّمتها لهم شبكة الاستخبارات الإماراتية، حدَّد الفريق نمط الحياة اليومية لمايو، المنزل الذي عاش فيه، المسجد الذي كان يصلي به، والمحلات التجارية التيتردَّد عليها.

مرَّ عيد الميلاد والمرتزقة يتشاركون زجاجات الخمر ويتآمرون بشأن الطريقة التي ينبغي بها بالضبط قتل مايو. قال غيلمور:"هل نقتله بمداهمة أم قنبلة أم قنَّاص؟ كان لدينا خمس أو ستة خطط عمل لملاحقته".

بعد بعض المراقبة السريعة لمقر حزب الإصلاح، قرَّروا قتله بالمتفجرات. قال غيلمور إنَّه رسم خطة المَهمَة على الأرضية القماشية للخيمة بقلم شاربي أسود. لقد أوضح الرسم أركان الخطة، الهجوم، والأهم من ذلك، طريق الهروب.

بعد أن أخبر زملائه بالخطة، أخرج غيلمور سكينته وقطع نسيج الخيمة الخشن، ثم أحرق خطة المهمة وقال: "لا أريد أن يُتداول أو يُكتشف أي شيء من ذلك المكتوب بخط يدي بطريقةٍ ما".

وتذكَّر غيلمور أنَّهم علموا بعد يومين أنَّ مايو كان في مكتبه لحضور اجتماع كبير.

اجتمع غولان مع غيلمور، وهو أيضاً جندي سابق في البحرية الأميركية وفي قوة دلتا التابعة للقوات الخاصة الأميركية، من أجل تنفيذ المهمة. تركوا محافظهم وجميع المعلومات المُحدّدة لهويتهم وارتدوا مجموعة متنوعة غير متجانسة من الملابس -قال غيلمور إنَّه ارتدي قبعة بيسبول وحذاء ركض رياضي من العلامة التجارية Salomon Speedcross مع واقي صدري مليء بمخازن ذخيرة احتياطية. حمل جميع أعضاء الفريق بنادق كلاشنكوف AK-47، وواحدٌ منهم كان يحمل قنبلة معبأة بشظايا.

قفز غيلمور وغولان واثنان آخران في سيارة دفع رباعي مُدرَّعة كان يوجد بها جندي إماراتي يرتدي ثياباً مدنية خلف عجلة القيادة. كان جنود الفيلق الأجنبي الفرنسي في سيارة دفع رباعي أخرى ستتوقف على مقربة من موقع الهجوم في وضع استعداد للاندفاع حال تورط المرتزقة الأميركيين في مأزق. فُتحت أبواب قاعدتهم وانطلقوا في شوارع عدن الليلية. لكن، من غير الواضح بالضبط ما الذي صار على نحوٍ خاطيء.

قبل وصول الجندي المرتزق مباشرةً إلى الباب الأمامي، حاملاً الشحنة المُتفجرة التي كان من المفترض أن تقتل مايو، أطلق أحد زملائه المقاتلين في الجزء الخلفي من سيارة الدفع الرباعي النار على طول الشارع الخلفي.

ويظهر الفيديو، الذي حصل عليه موقع BuzzFeedNews،أنَّه كانت هناك طائرة بدون طيار تُحلّق على ارتفاع منخفض خلال عملية إطلاق نار لكن لم يظهر على أي هدف كان الأميركيون يُطلقون النار. ولم يُظهر فيديو الطائرة بدون طيار أي شخص يتبادل إطلاق النار مع  المرتزقة.

قال غيلمور إنَّه أطلق النار على شخصٍ في الشارع، لكن مسدسه تعطَّل، مضيفاً أنَّه لم يكن متأكداً من الذي كان يُطلق النار عليهم. على أي حال، يُظهر الفيديو أنَّ الجندي المرتزق الذي كان يحمل المتفجرات إلى المبنى واصل طريقه على الرغم من حالة الهياج والضجة المحيطة به لمدة 20 ثانية كاملة.

وللهرب من موقع الهجوم، هروَّل المرتزقة إلى مركبات عسكرية إماراتية. ثم فجأة حدث انفجار تبعه بثانية واحدة انفجارٌ آخر أكبر. حدث الانفجار الثاني نتيجة انفجار سيارة الدفع الرباعي التي كان يستقلَّها المرتزقة. يقول كل من غيلمور وغولان أنَّهما فخَّخا السيارة للتمويه على مصدر الانفجار وإرباك حزب الإصلاح وإضافة مزيد من الدمار.

عاد الفريق إلى القاعدة ينقصهم شيء يعلمون جميعهم أنَّهم بحاجة إليه. تُطلق قوات العمليات الخاصة الأميركية على هذا الشيء الهوية الإيجابية، أي دليل مؤكد على موت مايو. على سبيل المثال، صورة أوعينة من الحمض النووي. وتذكر غيلمور أن ذلك الأمر "تسبَّب في بعض المشاكل مع دحلان".

ومع ذلك، بدا أنَّ مايو قد اختفى. إذ نادراً ما نشر شيئاً على صفحته الشخصية على فيسبوك ولم يُشاهد علناً لفترة من الزمن، كما قال كل من غيلمور وغولان.

ومع ذلك، لم يُعلن حزب الإصلاح وفاته مثلما يحدث عندما يُغتال أعضاء آخرون. وقال متحدث باسم حزب الإصلاح في مقابلة عبر الهاتف أنَّ سبب ذلك هو أنَّ مايو ما زال على قيد الحياة، فقد غادر المبنى قبل 10دقائق من الهجوم وأصبح يعيش في المملكة العربية السعودية بحلول يوليو/ تموز. وأكَّد المتحدث باسم الحزب أنَّ هجوم المرتزقة لم يسفر عن مقتل أي شخص.

ويبدو أنَّ مايو قد عاود الظهور في السياسة اليمنية. إذ رشَّحه الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي لأحد المناصب في البلاد، وفقاً لتشارلز شميتز، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط واليمن بجامعة تاوسونفي ولاية مريلاند الأميركية. وقال شميتز إنَّه عثر على صورة حديثة لمايو واقفاً وسط مجموعة مع مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن.

ومن جانبه، يزعم غولان إنَّ مايو، على الأقل، حُيَّد لفترة من الزمن. وقال: "ما دام الرجل قد اختفى، فهذا يُعد نجاحاً بالنسبة لي".

وعلى الرغم من فشل عملية قتل مايو، يبدو أن هجوم القنابل الذي نفَّذه المرتزقة قد أسفر عن مرحلة جديدة في حرب الإمارات ضد حزب الإصلاح. وقال شميتز: "لقد كانت الإشارة التي أوضحت أنَّ حزب الإصلاح صار مستهدفاً الآن".

أستدعى المتحدث الرسمي باسم حزب الإصلاح، الذي تحدث إلى موقع BuzzFeed News، تاريخ 29 ديسمبر/كانون الأول 2015 من الذاكرة، قائلاً:  "لقد كان الهجوم الأول".

على مدار عام 2016، بدأ أؤلئك المراقبون للوضع المتدهور في اليمن يلاحظون أنَّ أعضاء الإصلاح وغيرهم من رجال الدين في عدن يتعرضون للقتل بوتيرة مثيرة للقلق. وقال غريغوري جونسن من مؤسسة العربية التي عملت في عام 2016 ضمن لجنة الأمم المتحدة التي تُحقّق في حرب اليمن:"يبدو أنَّها حملة استهداف. كان هناك ما بين 25 إلى 30 عملية اغتيال"،مع أنَّ بعضها يبدو أنَّه عملٌ من أعمال داعش. (اعتاد جونسون الكتابة لموقعBuzzFeed News).

وفي السياق ذاته، قال كيندال، الخبير بجامعة أوكسفورد، "هناك اعتقاد واسع النطاق على الأرض أنَّ دولة الإمارات وراء اغتيال مسؤولي حزب الإصلاح والناشطين".

عندما قرأ BuzzFeed News على غيلمور أسماء بعض القتلى، أومأ برأسه مشيراً إلى أنَّه يعرف اثنين منهم. وقال: "أستطيع على الأرجح التعرف على وجوههم. إنَّهم كانوا من بين أهداف الفريق". لكنَّه ذكر أنَّه لم يتورط في قتلهم.

وقال غولان إنَّ فريقه قتل العديد من الأشخاص لكنَّه رفض إعطاء رقم محدد أو أسماء. لكن بعد مهمتهم الأولى شبه الفاشلة، بدأ المرتزقة مهامهم من جديد.

إذ تخلصوا من أعضاء الفيلق الأجنبي الفرنسي واستعانوا بأميركيين بدلاً منهم. وزودهم الإماراتيون أيضاً بأسلحة وعتاد أفضل، كما قال غولان وغيلمور، وشملت: متفجرات C4، ومسدسات كاتمة للصوت، وبنادق M4 الأميركية الصنع الأعلى من نوعها. وجُهِّزوا أيضاً بدراجات نارية يمكن أن يستخدموها في التنقل عبر شوارع عدن المزدحمة ولصق القنابل الممغنطة بالسيارات. وجميع المعدات جاءت من الجيش الإماراتي حسب قولهما.    

بقي غيلمور مع المجموعة لمدةٍ قصيرة فقط. وقال إنَّه تركها في أبريل/نيسان من عام 2016. ورفض هو وغولان ذكر السبب، لكنَّ غيلمور قال إنَّه يتمنى لو أنَّه كان أكثر عدوانية في اليمن، وأضاف:"لو تمكنت من فعل ذلك مرة أخرى، لأصبحت أقل تردداً في تحمل المخاطر. كان بإمكاننا فعل بعض الأشياء المدهشة، لكن كان بإمكاننا أيضاً فعل بعض الأشياء المذهلة، وكان الأمر كله سينتهي بالزج في السجن".

كان أحد أعضاء الفريق الجدد، الذي عُيّنَ في أوائل عام 2016، هو دانيال كوربيت المحارب المتمرس في مجموعة البحرية الأميركية لتطوير الحرب الخاصة المعروفة باسم SEAL Team 6، وفقًا لثلاثة مصادر وأكَّدت الصور ذلك. كانكوربيت جنديا رائعاً، كما يقول أولئك الذين يعرفونه، وقد خدم في جولات قتالية متعددة في أفغانستان والعراق. كان ما زال على قوة الاحتياط، لذلك يمكن للجيش الأميركي أن ينزله أرض المعارك في أي لحظة. حصل كوربيت على راتب حكومي، وكان من المفترض أن يقدم تقريراً عن التدريبات العسكرية الشهرية. ومع ذلك، كان يعمل في اليمن بعقد خاص لحساب جيش أجنبي. ومن غير الواضح ما إذا كان هو نفسه منخرطاً في مهمات لاغتيال أي شخص.

وفي تطور غامض، يقبع كوربيت حالياً في أحد سجون صربيا، حيث يجري التحقيق معه بسبب حيازته مسدساً بشكل غير قانوني. ويُعَد الجندي الأميركي المحنك محتجزاً هناك منذ فبراير/شباط من العام الجاري 2018. تعذَّر الوصول إلى كوربيت، ولم يرد محاميه على المكالمات التي تطلب منه التعليق.

وبينما كان المرتزقة يؤدون عملهم في اليمن، مكثوا في أكواخٍ نائمين في أسرَّة المخيمات المحمولة. وكان بعضهم يحمل أسلحة مميزة استعداداً لأي اقتتال مرتقب. وبحسب الصور، حمل أحدهم سكينتين على حزامه يمكن أن يسحبها بيديه، بينما حمل آخر فأساً حربية صغيرة.

بدأ الفريق في تطوير ما أسماه غيلمور"الروح الجماعية". إذ رفعوا علماً مؤقتاً مرسوم عليه جمجمة وسيوف متقاطعة- على شاكلة راية القراصنة على خلفية سوداء- ورسموا ذلك الشعار على سياراتهم العسكرية وأماكن سكنهم.

ما زال الكثير حول فريق مرتزقة Spear مجهولاً، وقد أوضح البعض ممَّن شاركوا أنَّهم ليس لديهم رغبة في تسليط الضوء على ما حدث. وعندما سُئِل أحد الأميركيين عمَّا إذا كان قد جُنِّدَ في المهمة اليمنية، أجاب: "إذا كنت جزءاً منها، فأنت تعرف أنني لا أستطيع الحديث عنها". أرسلت مجموعة القوات الخاصة الأميركية السابقة، التي كانت تلعق المصاصات خلال المهمة، رسالة إلى BuzzFeedNews، جاء فيها: "القصة المهمة بالنسبة لكم قد تكون مأساوية لشخصيات القصة، خاصةً إذا كانوا رجالاً جيدين يفعلون ما هو صحيح، ولكن ليس بالضرورة قانونياً".

من جانبه، قال غيلمور إنَّه"كان يفضل أن يبقى ذلك بعيداً عن الأنظار". لكنَّه قرر التحدث إلى BuzzFeedNewsلأنَّه "فور الكشف عنه، لن يكون هناك مفر من إلصاقي بها. لذا أُفضل أن تُنسب إلي. ولن أحاول الاختباء مما فعلته. ما زالت هناك تشكيلة من الحروب المستقبلية".

جديرٌ بالذكر أنَّ غيلمور ترك قطاع المرتزقة. وقد وجد نفسه منذ ذلك الحين في جزء آخر من المنطقة الرمادية عدوانية النشاط أيضاً، وإن كانت أقل خطورة بكثير. إذ قال إنَّه يعمل مع شركة في كاليفورنيا تخطط لتصنيع زيت الحشيش للسجائر الإلكترونية.

 - هذا الموضوع مترجم عن موقع Buzz Feed News الأميركي.

المصدر: TRT عربي - وكالات