استمرّ حكم الرئيس السوداني السابق عمر البشير 30 عاماً، لكنّ المعارضة السودانية أخفقت طيلة سنوات في توحيد صفوفها ضدّ حكمه الاستبدادي. غير أنّ كلّ شيء تغير حين تحوّلت مظاهرات ضدّ ارتفاع أسعار الخبز إلى حراكٍ ضدّ النظام.

خرج تحالف متنوع، من الحركات الإسلامية وحتى الشيوعيين، إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير.

وطيلة عقود، أخفقت مجموعات المعارضة السودانية المتنوعة في توحيد صفوفها والقيام بتحرُّك جماعي ضد الحكم الاستبدادي الذي استمر 30 عاماً للرئيس عمر البشير.

لكنَّ هذا الواقع تغيَّر العام الماضي حين تحوَّلت أعمال الشغب بسبب ارتفاع أسعار الخبز إلى حراك لإسقاط النظام.

فبعد أشهر من الاحتجاجات في عموم البلاد، اتحد قرابة مئة حزب سياسي لوضع حدّ لحكم البشير.

ويتفاوض الآن تحالفٌ، يُوحِّد الجميع بدءاً من الحركات الإسلامية وحتى الحزب الشيوعي، مع مجلسٍ عسكري تولَّى السلطة بعد سقوط البشير وتعهَّد بالانتقال إلى إدارةٍ مدنية.

ولا تزال التوتُّرات عالية في ظل بقاء آلاف المحتجين خارج مقر الجيش في الخرطوم بعد قرابة أربعة أسابيع من الإطاحة بالبشير.

وخلال الأسبوع الماضي، سلَّمت المظلة الجامعة لتلك المجموعات، المعروفة بـ"تحالف الحرية والتغيير"، مقترحاتها المتعلِّقة بهيكلٍ مدني، بما يشمل هيئتين تنفيذية وتشريعية، تريد أن يتبنَّاه السودان في نهاية المطاف ويحل محل جنرالات الجيش.

ويتنازع المحتجون والمجلس العسكري في الوقت الراهن على التشكيلة التي ينبغي أن يكون عليها المجلس الانتقالي. فتريد حركات المجتمع المدني أغلبية مدنية في المجلس الانتقالي للإشراف على انتقال السودان إلى الديمقراطية.

تواصل المفاوضات بين المجلس العسكري وقوى الثورة في السودان حول المجلس السيادي
تواصل المفاوضات بين المجلس العسكري وقوى الثورة في السودان حول المجلس السيادي (AFP)

إذاً مَن تكون أطراف المعارضة السودانية؟

تتشكَّل كتلة المعارضة من "تحالف قوى نداء السودان"، و"تحالف قوى الإجماع الوطني"، و"تجمُّع المهنيين السودانيين". وتُعرَف هذه الكتلة الثلاثية مجتمعةً بـ"تحالف الحرية والتغيير".

ويضم تحالف قوى نداء السودان حزب الأمة المحافظ، وحزب المؤتمر السوداني، وكذلك ممثلين عن الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي حاربت من أجل إقامة دولة جنوب السودان.

ويتولى قيادة حزب الأمة خريج جامعة أوكسفورد البريطانية صادق المهدي، الذي عمل رئيساً للوزراء مرتين في الستينيات والثمانينيات وأُطِيح به في انقلاب 1989 الذي أوصل البشير إلى السلطة.

وفي الوقت نفسه، يتشكَّل تحالف قوى الإجماع الوطني من مجموعات هامشية بدرجة أكبر، مثل الحزب الشيوعي السوداني، وحزب البعث السوداني، إلى جانب منظمات يسارية أخرى.

كان تجمُّع المهنيين السودانيين أيضاً مكوّناً حيوياً في الانتفاضة، ويُنظَر إليه باعتباره القوة المُحرِّكة خلف تحشيد آلاف الشباب المتظاهرين، وهو ما حققه التجمُّع من خلال الاستخدام الذكي لمواقع التواصل الاجتماعي حين بدأت الاحتجاجات في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

ويتألَّف التجمُّع من كوادر سياسية صغيرة، معظمها من الشباب والقرويين، بما في ذلك الأكاديميون والأطباء والمهندسون.

والقائدان الرئيسيان للتجمُّع هما محمد يوسف أحمد مصطفى، وهو أستاذ بجامعة الخرطوم، ومحمد ناجي، وهو طبيب اعتُقِل بعد فترة وجيزة من اندلاع الاحتجاجات لكن أُطلِق سراحه لاحقاً.

ويُعَد المُعلِّم أحمد الربيع والطبيب عُمر صلاح أيضاً شخصيتين رئيسيتين داخل التجمُّع.

والأهمّ من ذلك أنَّ الجيل الجديد، الضعيف اقتصادياً، اختار الوحدة، لا تحت مظلة حزبٍ سياسي، بل مجموعةٍ من شبكات المهنيين. ويُرجَّح أن يُشكِّل هذا التحوُّل بصورة جذرية الحياة السياسية السودانية في المستقبل.

ويمثّل الحراك، الذي يقوده تجمُّع المهنيين السودانيين وتتقدَّمه مواقع التواصل الاجتماعي، تحوُّلاً جيليّاً في السياسة السودانية، إذ يرفض ملايين من الشباب السودانيين قبول أي شيء أقل من تغييرٍ حقيقي. وعلى الرغم من التهديد بالعنف، التزموا مواصلة التظاهرات الجماهيرية، حتى تأكَّدوا من رحيل البشير.

وفي بلدٍ يبلغ متوسط السّن فيه 19 عاماً فقط، يُرجَّح أن يؤثر الحراك بصورة عميقة في المنطقة – الشرق الأوسط وشمال إفريقيا - التي يعيش فيها ملايين الشباب الطّموح والموهوب لكن في نفس الوقت المُحبَط الذي يفتقر إلى فرص العمل والتعليم والفرص الأفضل.

المصدر: TRT عربي