ماذا عن أولئك الذين نجوا من الحرب السورية؟ أولئك الذين هربوا نحو بلدانٍ أخرى بحثاً عن نقطةِ أمانٍ تطفئ الرّعب بدواخلهم، وتمسّد أعماقهم علّهم يحظون بإغفاءةٍ واحدة في سلام؟ هل استطاعوا فعلاً بدء حياتهم من جديد؟

هل ينجو أحدٌ من الحرب فعلاً؟ إنّها قاتلة، بشعة، كثيراً ما تسلب الحياة، تفرّق الأحباب أحياناً، وتشوّه الأجساد في بعض الأحايين. تدمّر البيوت، تُبيد الشعور بالأمان، تخرّب دفء الأوطان وتُهشّم ابتساماتِ الأطفال. لقد كانت الحرب دائماً هلاكاً للبشر والمعمار في كلّ البلدان التي استعرَت فيها نيرانُها. ومن هذه البلدان، سوريا. سوريا التي دمّرت الحرب كلّ جمالها وتاريخها، وجعلت منها ركاماً وشظايا.

لكن، ماذا عن أولئك الذين نجوا من هذه الحرب؟ أولئك الذين هربوا نحو بلدانٍ أخرى بحثاً عن نقطةِ أمانٍ تطفئ الرّعب بدواخلهم، وتمسّد أعماقهم علّهم يحظون بإغفاءةٍ واحدة في سلام؟ هل استطاعوا فعلاً بدء حياتهم من جديد؟

من عاش رُعب الحرب، ليس كمن لم يرَ عنها سوى الأخبار التي تبثّها القنوات على التلفزيون والمواقع الإلكترونية، حيث يتحوّل البشرُ إلى مجرّد أرقام. هم في الحقيقة أشخاصٌ من لحمٍ ودم ومشاعر. منهم من فجّرت القنابل بيته، ومنهم من رأى أهله يموتون أمام عينيه، منهم من فقد أصدقاءه في المعارك، ومنهم من مرّت قذيفةٌ بقربه، فأودت بحياة من كانوا معه، وظلّ هو حيّاً يُرزق.

منهم من فجّرت القنابل بيته ومنهم من رأى أهله يموتون أمام عينيه ومنهم من فقد أصدقاءه في المعارك ومنهم من مرّت قذيفةٌ بقربه فأودت بحياة من كانوا معه.

غير أنّ ما يجمع هؤلاء الذين مرّوا من الحرب القاسية التي عرفتها سوريا، هو أنّهم فرّوا إلى حيث سيعيشون في أمان، تاركين وطنهم وبيوتهم وذكرياتهم وأحلامهم. لذلك، تُصبح نظرتُهم إلى كلّ مفاهيم الحياة مختلفة.

رعبُ ما بعد الفرار...

محمد سعيد، أديب وكاتب سوري شابّ. ترك منبِج السورية سنة 2014 فارّاً من ويلات الحرب، متجهاً نحو غازي عنتاب التركية برفقة أهله.

ذات رمضان من عام 2012، سيسمعُ محمّد لأوّل مرّة صوتَ طائرةٍ وهي تخترق سماء المدينة، قبل أن ترمي حمولتها من الصواريخ وترحل. "كان المشهدُ مرعباً، وكان الناس يتراكضون في كلّ الاتجاهات"، يحكي لـTRT عربي، مُضيفاً "كان ذلك كما لو أنّه مشهدٌ خارجٌ من أحد أفلام هوليوود التي شاهدتُها سابقاً على الشاشة. كانت تلك أول طائرةٍ حربية تقصف منبج بعد خروجها عن سيطرة النظام".

بعد ذلك اليوم، صار محمّد يرى أن الموت متوقّع في أي لحظة، وأن الجميع أهدافٌ مشروعة للطائرات وشهداءٌ محتملون. يقول "حتى الناس أصبحت تنظر إلى الموت بإيجابية وبلا أسف، وتعتبر أن من مات ارتاح. أحدُ الأصدقاء أخبرني بأنه لم يعد قادراً على الخروج من بيته قبل أن يقبّل أطفاله ويشمّ رائحتهم، تحسّباً بأنه قد لا يراهم مرّةً أخرى".

النّجاةُ من الحرب، والهرب من الموت، لم يجعل لهذه الحرب نهايةً. فقد ظلّت ترافق محمّد وأهله وتعيش معهم بأدقّ تفاصيلها. إذ ليس سهلاً أبداً التعافي من ويلاتها وآثارها النفسية.

"أنا في تركيا منذ 2014، وما زلتُ لحدّ الآن أشعر بالخوف كلّما سمعتُ صوت طائرةٍ في السماء، وأحتاج إلى بضعِ ثوانٍ لأتوازن وأفهم أنها مجرد طائرة مدنية، وأنه لا وجود هنا لطائراتٍ تقصف المدنيين"، يحكي محمّد لـTRT عربي.

طبقاتٌ سميكة من الألم

رامي (اسم مستعار)، شابّ سوري. عاش الحرب السورية عن قرب عبر عدسةِ الكاميرا، إذ كان يلتقط صوراً خلال المعارك بين الثوار والنظام. كان لا يزال في عمر السّادسة عشرة حين كان يحمل آلة التصوير الخاصّة به، ويتّجه بخطى ثابتة نحو ساحات القتال. وثّق الألم في عيونِ الجرحى، والأمل في وجوه الثوار، والتمسّك بالحياة في ملامح أشخاصٍ في آخر لحظات حياتهم.

اللاجئون السوريون لم ينسوا ويلات الحرب
اللاجئون السوريون لم ينسوا ويلات الحرب (Getty Images)

هذا الاحتكاك مع الموت والدّم منذ سنّ مبكّرة، جعل رامي يتخلّص من خوفه من الحرب. لكنّه، بعد أن لجأ إلى تركيا عام 2016، اكتشف أنّه يخافُ من أشياء كثيرة. يقول في حديثه لـTRT عربي "أخاف من السّلطة، أخاف من سيّارات الأمن، ومن رجال الأمن. وعندما أرى طائرةً في السّماء، أجدني أقفُ متسمّراً في مكاني، رافعاً رأسي إلى أعلى ناظراً إليها، بينما يسرحُ عقلي في مشاهد الحرب، ثمّ أتخيّلُها تقصفني".

بعينين مسافرتين في ذكرياتٍ مؤلمة بعيدة، ينبش رامي في أعماقه وهو يصف لـTRT عربي كلّ ما ينتابه من جرّاء الحرب. "في داخلي طبقاتٌ سميكة من الألم الناتج عن مشاهد معيّنة من الماضي، تجعلُني في كثيرٍ من الأحيان منفصلاً عن الواقع، وأتخيّل هذا الأخير مجرّد مقاطع فيديو أتفرّج فيها، مجرّد كذب".

ويضيف رامي بحزن "كُنت برفقة صديقٍ لي في مظاهرة بمدينة اللاذقية، حين أصابته رصاصةٌ متوحشة في وجهه. ولفظ أنفاسه أمامي، بينما كنت أتساءل: لماذا هو وليس أنا؟ إنه سؤالٌ سيلازمني طيلة ما تبقّى من حياتي".

الحبّ والحنين.. هربٌ مؤقت

في حياة الكثير من السوريين، غيّرت الحرب كلّ شيء. لقد شاهدوا الموت الدامي بأعينهم، ورأوا الدمار يلتهم بلدهم، ثمّ اضطرّوا لترك وطنهم حتى لا يلتهمهم الخوف رويداً رويداً ويجعل منهم جثثاً بدون روح. لم يعودوا الآن يرون الحياة بنفس الطريقة. مفاهيمُ كالموت والخوف والحبّ والحنين والسعادة تغيّرت في أذهانهم، ويرون أنّها لن تعود كما كانت في السّابق أبداً.

الحبّ أصبح مغامرةً وجودية فليس من السهل أبداً الارتباط والتفكير في تكوين أسرة في بلاد اللجوء الأمرُ يحتاج إلى شجاعةٍ كبيرة.

محمد سعيد، روائي سوري

يقول مُحمّد سعيد "الحزن أصبح ترفاً لا نملكه، إذ لا يمكننا بعد الآن منحُ أنفسنا فرصة أن نكون ضعفاء ونبكي. الحبّ أصبح مغامرةً وجودية، فليس من السهل أبداً الارتباط والتفكير في تكوين أسرة في بلاد اللجوء، الأمرُ يحتاج إلى شجاعةٍ كبيرة. أمّا الحنين لذكرياتنا وحياتنا التي كانت هناك، فهو وحشٌ مفترس يأكلنا على مهله من الداخل دون شفقة".

كيف ينظُر السوريون الذين عاشوا الحرب إلى الحياة؟ يتوقّف رامي طويلاً قبل أن يُجيب "الحياة أصبحت تبدو غير مستقرّة، لديّ شعورٌ عميق أنّها قد تنفجر في أيّ لحظة. صار كلّ شيء بالنسبة لي قابلاً للانفجار، وهذا لا يُخيفني. لا أخاف من الحرب ولا من الدّم، أنا مستعدّ، طيلة الوقت، لأي فاجعة".

ويضيف رامي "كل الأشياء الجميلة في الحياة، ومنها الحبّ، تُصبح بمثابة هروب مؤقّت، لأننا في النهاية هاربون. أمّا الحنين فهو أكثر شعورٍ أقضي وقتي داخله، وهو يمثّل لي شيئاً واحداً فقط: الضيعة لحظةَ غروب الشمس في قريتي، مع أصدقائي الذين فقدتُهم في الحرب".

مثلّجاتٌ ذوّبتها القنابل

كانت الأزمة السورية واحدةً من أكثر الأزمات تعقيداً في العالم. إذ، بالإضافة إلى الدّمار والموت الذي خلّفته، أثّرت على حياة الملايين من البشر الذين وجدوا أنفسهم اليوم، عاجزين عن انتزاع مشاهد الخوف والصّدمة من رؤوسهم.

آثارُ هذه الحرب امتدّت إلى الأطفال أيضاً، وانتزعت منهم طفولتهم وبراءتهم وحقّهم في اللعب والتعلّم والحلم.

لقد حوّلت القنابل القاعات الدراسية والمراكز الصحية والمنتزهات إلى ركام وأغلقت الشوارع التي كان يلعب فيها الأطفال بالحواجز أو أصبحت مليئةً بمخلّفات الحرب القاتلة.

تقرير اليونيسف 2016

تقريرٌ صدر عن اليونيسف عام 2016 يتحدّث عن أثر خمس سنواتٍ من الحرب على أطفال سوريا وطفولتهم، يقول: "لن يعرف أيّ طفلٍ عاش في الخمس سنوات الماضية سوريا التي يتذكرها أهله. لقد حوّلت القنابل القاعات الدراسية والمراكز الصحية والمنتزهات إلى ركام، وأغلقت الشوارع التي كان يلعب فيها الأطفال بالحواجز، أو أصبحت مليئةً بمخلّفات الحرب القاتلة، كما أغلقت آلاف المدارس والمستشفيات".

هكذا، سيكون الأطفال الذين وُلدوا خلال الحرب السورية، أو الذين كبروا خلالها، أكثر النّاس تأثراً بها خلال حياتهم لاحقاً.

نهى (11 عاما)، واحدةٌ من الأطفال الذين تناول تقرير اليونسف قصصهم. آخر مرّة رأت فيها نُهى أخاها كانت قبل أن يخرج ليحضر لها مثلّجاتها المفضّلة من المدينة القديمة في حمص، ولكنّ قنبلةً أصابته، ولم يعُد إليها أبداً. تقول وهي تقف بهدوء في المكان الذي مات فيه "أتخيّله قادماً يحمل المثلّجات بيديه".

هل ستنسى نُهى هذا المشهد؟ وهل سينسى ملايين السوريين عبر العالم ذكرياتِ الحرب الأليمة يوماً ما؟

المصدر: TRT عربي