في العديد من البلدان العربية، تذهلنا أعداد النّساء المتكدّسات في الشوارع والأسواق والمحطّات، باحثاتٍ عن عمل أو ذاهباتٍ في الصباح الباكر "للحفر" بحثاً عن الخبز، فهل ينبُع ذلك من حاجةٍ اقتصادية، أم يتعدّاه ليتحول إلى مؤشّرٍ على تحرّر النساء العربيات؟

بخُطى ثابتة تدخل كريمة مقرّ الجمعية التي تعمل بها مُعلّمة خياطة. تجلسُ إلى آلة الخياطة الخاصّة بها. تشرعُ في العمل بتركيز وحبّ، إلا أنّ عينيها غير قادرتين على إخفاء ذلك الحزن القديم الذي عاشته لسنوات طويلة. سحنة وجهها السمراء تُخبرنا عن الكمّ الهائل من العذابات التي تجرّعت مرارتها، كأنما تتساءل كيف استطاعت تجاوز كلّ تلك العقبات لتصير، أخيراً، قادرةً على انتشال أبنائها من بين أنياب الجوع القاتل، واحدةً من أولئك النساء القويات اللواتي، لولاهنّ، لمات ملايين الأطفال في البلدان العربية جوعاً.

هنّ نساء، ألقت ظروف الحياة القاسية على كواهلهنّ مسؤولية عَول أطفالهنّ وعائلاتهنّ وحدهنّ، فانتزعن أنوثتهنّ من قلوبهنّ بألم، شمّرن عن سواعدهنّ، وخرجنَ للعمل والكفاح لكسب لقمة العيش، واقفاتٍ بشموخ في وجه التعب والإنهاك ونظرة المجتمع غير المنصفة إليهنّ.

محاولة عيش

بنشاطٍ وصبر وقوة، تتحرّك جهاد لتُنظف أرضية الشركة التي تعمل بها في محافظة الجيزة بمصر. تُلمّع زجاج النوافذ وهي تفكّر فيما ينتظرها من عمل بعد انتهاء دوامها. سيكون عليها العودة إلى البيت مع الخامسة، إعداد الطعام، الاطمئنان على أحوال أبنائها، ثمّ الخروج من جديد للعمل كخادمة في البيوت.

تُخبرنا نبرة صوتها عن حجم الضعف الذي يجتاحها، وهي تشعر أنها مُجبرةٌ على حملِ كلّ أعباء الحياة وحدها على ظهرها، بدون رجلٍ يشدّ على يدها ويعينها على تحمّل هذه الأعباء.

بنفس النبرة المنهكة، تحكي جهاد عادل، الأربعينية المطلّقة، لـTRT عربي قصّتها مع عول أسرتها "منذ طلاقي قبل سنوات وأنا أتحمّل وحدي مسؤولية عول أبنائي الثلاثة، بالإضافة إلى تربيتهم، بعد أن تملّص والدهم من تحمّل مصاريفهم، بل إنه حتى لا يسأل عنهم كأنّهم ليسوا أبناءه".

تتمنى جهاد لو كانت تمتلك كتفاً تستند عليه في لحظات العجز، حتى تستطيع منح وقتها لأبنائها. تضيف بحزن "لو كان هناك رجلٌ بجانبي، لما اضطُررت لعول أطفالي. خروجي للعمل نابع من حاجتي إلى المال فقط".

جهاد واحدةٌ من نساءٍ مصريات كثيرات خرجن للعمل في مختلف المدن المصرية، مهما اختلفت مستوياتهنّ الاجتماعية والثقافية.فقد أفاد تقريرٌ حكومي مصري صدر سنة 2017 بأنّ حوالي 30% من الأسر المصرية تعولها نساء، بحيث أصبحن يتحمّلن جميع الأعباء المادية والمعنوية في غياب رجل عائل.

منذ طلاقي قبل سنوات وأنا أتحمّل وحدي مسؤولية عول أبنائي الثلاثة، بالإضافة إلى تربيتهم، بعد أن تملّص والدهم من تحمّل مصاريفهم.

جهاد عادل، أم أربعينية مطلقة

أنوثة مسلوبة

عاملات نظافة، خادمات في البيوت، بائعات في الأسواق، خياطات، بل حتى بنّاءات.. "تختلف المهن، لكنّ المعاناة واحدة.. أكتافٌ أنثوية تتحمّل مشقةً أعرَض منها، أكفٌّ صغيرة اخشوشنت من شدة العمل"، تجاعيد تغزو الوجوه قبل الأوان.

كلّ صباح، تتوجه كريمة الرجراجي، الأربعينية المطلّقة، إلى مقرّ الجمعية حيث تشتغل خياطة، رافعةً رأسها، فخورةً بما استطاعت تحقيقه بعد كل تلك السنوات التي تجرّعت فيها مرارة العنف الزوجي.

حلقاتُ حياتها كانت عبارةً عن مسلسل رعب. انتقلت من زوجة مُعنّفة من طرف زوج مدمن للخمر والمخدرات، لتصبح امرأةً وحيدةً بدون عائل، تجرّ ثلاث بنات جائعات وراءها، لتتحول بعدها إلى خادمةٍ في البيوت بأجر زهيد، ثم إلى معلّمة خياطة وكاتبة أشعار.

تقول لـTRT عربي "المجتمع ينظرُ إلى النساء اللواتي يَعُلنَ أطفالهنّ وحدهنّ بطريقة سلبية، ويعاملهنّ كما لو أنهنّ رجال، الأمرُ الذي يجرح أنوثتنا كثيراً".

غير قادرة على إخفاء سعادتها بتحررها، سُرعان ما ترتسم ابتسامة انتصار على وجهها، تُضيف "أفضّل مليون مرّة أن أعول أسرتي وحدي على أن أمُدّ يدي لرجلٍ يُعنّفُني ولا يحترمني".

التكلّف بعول بناتها الثلاث إذن، كان بالنسبة لكريمة ثمناً دفعته مقابل حرّيتها وكرامتها، وليس فقط وسيلةً لكسب القوت. وهو حالُ نساءٍ مغربيات كثيرات أصبحن يتّجهن إلى العمل وإدارة المصاريف المادية للأسرة كطريقةٍ للحصول على حرّيتهنّ المفقودة.

في هذا الصدد، كشف تقرير للمرصد المغربي للتنمية البشرية عن ارتفاع نسبة النساء اللواتي تُدرن الأسر المغربية إلى 18.1% سنة 2017، مقابل 15.4% كنسبةٍ سُجّلت سنة 2015.

كريمة الرجراجي مع ابنتها
كريمة الرجراجي مع ابنتها (TRT Arabi)

الحياة داخل حاويات

كلّ صباح باكر، تقصدُ دليلة العياري حاويات القمامة في ضواحي مدينة تونس، لتنبش فيها عن قوت عيشها. بقامة فارعة وملابس رثة وقصّة شعرٍ رجالية، تنبش دليلة في الحاويات باحثةً عن قنينات بلاستيكية تبيعها.

بعد أن توفي والداها وزوجها، تحوّلت دليلة من شابّة جميلة إلى "نباشة قمامة"، إذ وجدت نفسها وسط ثلاثة أطفال هم ابنُها وأخواها، عليها تحمّل مسؤولية كفالتهم وحدها.

تجمع القوارير البلاستيكية، تبيعها، تعود إلى البيت لإطعام ابنها ذي العشر سنوات وإيصاله إلى المدرسة، ومع ذلك تتعرض لشتى الإهانات والشتائم.

تقول لـTRT عربي "أسمع كلّ يومٍ كلاماً جارحاً، أتعرّض للعنف والتحرّش، وينعتونني بـ"الزبالة"، لكنني أقول لهم إنّ ابني عاش وكبر ودرس بفضل تلك القنّينات التي أجمعها من الأزبال".

أفضّل مليون مرّة أن أعول أسرتي وحدي على أن أمُدّ يدي لرجلٍ يُعنّفُني ولا يحترمني.

كريمة الرجراجي، أم أربعينية مطلقة

ضرورة إثبات الذات

في مقابل النساء اللواتي اضطُررن للعمل من أجل عول أطفالهنّ نتيجة الفقر والحاجة وتملّص آباء أبنائهنّ من المسؤولية، توجد نساءٌ أخريات اخترن العمل من أجل إثبات ذواتهنّ وإشباع طموحاتهنّ.

خديجة أوتولونت، واحدة من هؤلاء النّساء. هذه المرأة الثلاثينية الطموحة التي تعمل كمدرّسة للغة الفرنسية، اختارت أن تعول ابنها مع زوجها على قدم المساواة. تذهبُ كلّ يومٍ إلى عملها بنشاطٍ نادر، وتُنفق من راتبها على ابنيها، اختياراً وإيماناً بالمساواة لا قسراً.

دون أن تفارق الابتسامة وجهها، تحكي لـTRT عربي قصتها "عشتُ تجربةً صعبة مع طليقي الذي كان يتملّص من مسؤولية الإنفاق على ابنه، فكنت أعول ابني وحدي، لكنني اليوم وزوجي الثاني متفقان على التعاون في الإنفاق".

خديجة، التي تتابع دراستها في سلك الدكتوراة أيضاً، تؤمن بضرورةِ العمل بالنّسبة للنساء. الهدفُ منه التعاون مع أزواجهنّ، تحقيق ذواتهنّ واستقلاليتهنّ المادية، بالإضافة إلى التخلّص من التبعية للرّجال.

خديجة أوتولونت مع ابنها
خديجة أوتولونت مع ابنها (TRT Arabi)

المختصّون في علم الاجتماع يُفسّرون ارتفاع نِسب النّساء اللائي يعلن أسرهنّ في البلدان العربية بارتفاع معدّلات الطلاق وأعداد الأمّهات العازبات، بالإضافة إلى اتّساع خارطة الفقر وانتشار الأزمات الاقتصادية، فيلتجئن إلى الاشتغال في مهنٍ هامشية تجعلهنّ معرّضاتٍ للاستغلال المادّي والجنسي وتحرمهنّ من حقوقهنّ القانونية.

وسواء كان هدفهنّ التحرّر من سلطة الرّجل أو من براثن الفقر، تبقى النّساء العائلات ذلك المنقذ للملايين من الأسر في البلدان العربية من الشتات.

المصدر: TRT عربي