قد يرى البعض أنّ التفكير الكارثي ما هو إلّا أمر بسيط ومبالغة في التفكير ليس أكثر، في حين أنّ رأي الأطباء والمختصين مختلفٌ تماماً؛ فهم يتعاملون معه باعتباره تشوهاً معرفياً يتمثلّ بتوارد أفكار سوداوية متطرفةٍ لا أساس لها في الواقع.

يُعرَّف التفكير الكارثي (Catastrophic Thinking) بأنّه التفكير باقتراب حصول الأسوأ دائماً دون وجود أيّ احتمالات لتطوّر الأمور بشكل إيجابي أو وجود احتمالات أخرى قد تكون أقلّ سلبية، وعادةً ما يعتقد الشخص الذي يعاني من التفكير الكارثي أنّه يواجه وضعاً أسوأ مما تبدو عليه الأمور على حقيقتها.

قد يرى البعض أنّ التفكير الكارثي ما هو إلّا أمر بسيط ومبالغة في التفكير ليس أكثر، في حين أنّ رأي الأطباء والمختصين مختلفٌ تماماً؛ فهم يتعاملون معه باعتباره تشوهاً معرفياً يتمثلّ بتوارد أفكار سوداوية متطرفةٍ لا أساس لها في الواقع قد تؤثر سلباً على صحة الشخص وقد تتطوّر للإصابة بأمراض واضطرابات نفسية أشدّ وطأة، لذلك لا بدّ من علاج مشكلة التفكير الكارثي ومعرفة كيفية التعامل معها.

أسباب التفكير الكارثي

في حين أنّه لا توجد أسباب واضحةٌ ومُحدّدة وراء التفكير الكارثي إلّا أنّه قد يرتبط بمرور الشخص بتجربةٍ ما في حياته، وقد يرتبط بحدوث تغيّرات في كيمياء الدماغ كما من الممكن أن يتمّ اكتساب التفكير الكارثي من أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء، وتشير إحدى الدراسات البحثية إلى وجود رابط بين معاناة الشخص من الألم المزمن وتطوّر أسلوب التفكير الكارثي كما وُجدت روابط بين الإصابة باضطراب القلق المرضي أو الاكتئاب أو الوسواس القهري أو اضطراب ما بعد الصدمة أو الإرهاق العام وتطوّر التفكير الكارثي.

كيف أتوقف عن التفكير الكارثي؟

يُعتبَر العلاج السلوكي المعرفي (Cognitive-Behavioral Therapy) من أكثر العلاجات الشائعة في علاج مشكلة التفكير الكارثي حسبما أشار لذلك موقع healthline المَعني بالصحة العامة، وهو من أنواع العلاجات النفسية بالكلام وفيه يوجه المعالج أو الأخصائي النفسي الشخص لإدراك طريقة تفكيره السلبية وسلوكه الناتج عنه وتعليمه مهارات كيفية التعامل مع المواقف المختلفة وضغوطات الحياة المتنوعة.

من أوائل النقاط التي يجب على الشخص الانتباه إليها هو الاعتراف والاقتناع بحدوث أشياء غير سارة كأمر طبيعي
من أوائل النقاط التي يجب على الشخص الانتباه إليها هو الاعتراف والاقتناع بحدوث أشياء غير سارة كأمر طبيعي (Getty Images)

من أوائل النقاط التي يجب على الشخص الانتباه إليها هو الاعتراف والاقتناع بحدوث أشياء غير سارة كأمر طبيعي، فالحياة مليئة بالتحديات ومرور يوم سيئ لا يعني أنّ كلّ الأيام ستكون سيئة، وفي هذا الصدد يقدّم عالم النفس السريري جو ديلي نصائحه للتوقف عن التفكير الكارثي في موقع PsychCentral المعني بالصحة النفسية والتي نلخصها بالآتي:

*محاولة ملاحظة تحوّل الأفكار من أفكار غير منطقية إلى أفكار غير واقعية إذْ يتسمّ التفكير الكارثي بنمطٍ يستطيع الشخص تمييزه؛ فعلى سبيل المثال قد يشعر الشخص بالألم وقد تقوده الأفكار غير المنطقية إلى أنّ الألم سيصبح أكثر شدّةً أو أنّه مريض ولن يتحسن على الإطلاق ولكن عندما يتعلّم الشخص التّعرف على هذه الأفكار يكون أفضل استعداداً للتعامل معها واستبدالها بأفكار أقلّ سلبية أو إيجابية.

*استعادة السيطرة على ما باستطاعة الشخص التحكّم به وتذكّر أنّه من غير الممكن على الإطلاق التحكّم في كل شيء، ولكن من المهم وضع الخيارات الواقعية المتاحة بعين الاعتبار؛ فعلى سبيل المثال قد يغلب أحدهم الخوف من ركوب الطائرة ويكون التّصرف السّليم في هذه الحالة تذكير الشخص نفسه أنّ الطيران بدأ منذ ما يزيد عن قرن وأنّ الطائرة أكثر أماناً من السيارة من الناحية الإحصائية.

اقرأ أيضاً:
هل نحن معرّضون للإصابة بالوسواس القهري بسبب فيروس كورونا؟

*مواجهة المخاوف باعتبارها من أفضل الوسائل للتغلّب عليها إذ يرى ديلي أنّه وبدلاً من الاجترار وراء القلق والتفكير الزائد والشعور بالعجز فإنّ مواجهة المخاوف قد تكشف للشخص إنْ كان هنالك مشكلة كبيرة بالفعل وبالتالي يتعرّف الشخص على ما يتوجب عليه فعله على الأقل.

راقب ذاتك واهتم بنفسك

لجعل الموضوع أكثر بساطةً وكجزء من المراقبة الذاتية يُنصَح الشخص بسؤال نفسه الأسئلة التالية عند بدء توارد الأفكار الكارثية المتكررة:

*ما الدليل الذي أملكه على أنّ هذا التفكير واقعي؟

*ما الدليل الذي أملكه أنّه ليس كذلك؟

*هل مررت سابقاً بأوقات راودتني فيها الفكرة ذاتها ولم تتحقق؟

*هل يراودني هذا النوع من التفكير عندما أشعر أنني بخير أو عندما أشعر بالحزن أو الغضب أو القلق؟

*ماذا أقول لشخص آخر كان يفكر بهذه الفكرة؟

*هل من الممكن أن تكون لدي هذه الفكرة بدافع العادة؟

*ما الفكرة المختلفة والأكثر واقعية في هذه الموقف؟

بدلاً من الاجترار وراء القلق والتفكير الزائد والشعور بالعجز فإنّ مواجهة المخاوف قد تكشف للشخص إنْ كان هنالك مشكلة كبيرة
بدلاً من الاجترار وراء القلق والتفكير الزائد والشعور بالعجز فإنّ مواجهة المخاوف قد تكشف للشخص إنْ كان هنالك مشكلة كبيرة (Getty Images)

يمكن أن يساعد طرح هذه الأنواع من الأسئلة على النفس على التخلص من عادة التفكير الكارثي من خلال تعلم المرونة في التفكير في الخيارات، وباستطاعة الشخص معرفة مدى نجاحه في هذا الأسلوب في حال شعوره بأنّه ليس قلقاً كما كان من قبل أو أنّ القلق لا يزداد سوءاً.

يشير موقع MedicalNewsToday المعني بالصحة العامة إلى وسيلةٍ أخرى تفيد في التغلب على التفكير الكارثي مثل قول "توقّف" أو "لا مزيد" بهدف وقف سلسلة الأفكار المتكررة والكارثية، وقد يضطّر الشخص إلى قولها بصوت عالٍ أو في رأسه إذ يمكن أن تمنع هذه الكلمات تدفق الأفكار من الاستمرار وتساعد الشخص على تغيير مسار تفكيره.

اقرأ أيضاً:
تعرّف النرجسية المرضية عن كثب

من الضروري الاهتمام بالرعاية الذاتية بشكل ممتاز فمن المرجح أن تسيطر الأفكار الكارثية على الشخص عندما يكون متعباً ومجهَداً، ولذلك يُنصَح بالحصول على القدر الكافي من الراحة واتّباع التقنيات التي من شأنها تخفيف التوتر مثل ممارسة التمارين الرياضية وغيرها.

التأمل الواعي للتغلب على التفكير الكارثي

يُعتبَر التأمل الواعي أو كما يُعرف أيضاً باسم اليقظة الذهنية الكاملة (Mindfulness) من الطرق التي يُنصح باتّباعها للمساعدة على التخلص من التفكير الكارثي، ويرتكز هذا الأسلوب على التركيز بقوة على ما يحصل في الوقت الحاضر مما يساعد الشخص على الوعي بأفكاره ومشاعره دون أيّ تدخّل وتمييز الأفكار غير المنطقية والتحكّم بطريقة التفكير ككلّ.

يتضمّن التأمل الواعي ممارسة طرق للتنفس والتخيّل الموجه لتركيز الإحساس والشعور بما يدور داخل الجسم وحوله، ومن أمثلة تمارين وطرق التأمل الواعي التي تطرحها منظمة مايوكلينيك الطبية الأمريكية ما يأتي:

*محاولة استشعار ما يدور في المحيط بكلّ الحواس بتأنّ، مثل التركيز في تفتح الأزهار أو شمّ الطعام المفضّل قبل تناوله والاستمتاع بمذاقه.

لمحاربة التفكير الكارثي يجب الاستمتاع باللحظة والبحث عن السعادة في التفاصيل الصغيرة
لمحاربة التفكير الكارثي يجب الاستمتاع باللحظة والبحث عن السعادة في التفاصيل الصغيرة (Getty Images)

*الاستمتاع باللحظة والبحث عن السعادة في التفاصيل الصغيرة.

*التركيز على التنفس خصوصاً عند توارد الأفكار السلبية ويكون هذا بإغلاق العينين وأخذ نفس عميق والتركيز على الأنفاس أثناء دخولها وخروجها للمساعدة على الاسترخاء ولو لدقيقة واحدة، ومن الجيّد جعلها عادة يومية مع الجلوس بوضعية مريحة وظهر مشدود.

*تأمل الجسد والتيقظ لأيّ إحساس في كلّ جزء من الجسم ويكون هذا بالاستلقاء وتركيز الانتباه على أجزاء الجسم بالترتيب من الرأس حتى أصابع القدمين أو العكس.

*التأمل أثناء المشي في مكان هادئ حتى لو كان صغيراً؛ إذْ بالإمكان المشي في مكان يوفّر مسافة 3-6 متر مع التركيز على المشي بحدّ ذاته والمشي ببطء والتأمل في إحساس الوقوف والحركات التي تساعد الجسم على البقاء متوازناً.

بالصدد ذاته يؤكدّ موقع WebMD الطبي أنّه عند وصول الشخص لحالة التيقظ الذهني الكامل فإنّه يكون مجرداً من الحكم على مشاعره وأحاسيسه وتصنيفها بأنّها جيدة أو سيئة، وهذا يدعم تقدير الذات فالتأملّ الواعي يدور حول ملاحظة الحياة عن كثب بدلاً من التفاعل معها بالعواطف.

من الجدير بالذّكر عدم وجود خيارات علاج دوائية لعلاج التفكير الكارثي بحدّ ذاته ولذلك في حال عدم استجابة الشخص لكل ما سبق فلا بدّ حينها من الاستعانة بالطبيب النفسي للبحث عن وجود مشاكل نفسية أخرى مرافقةً للتفكير الكارثي مثل الاكتئاب، وحينها قد يقوم الطبيب بالاستعانة بالخيارات الدوائية مثل مضادّات الاكتئاب.

المصدر: TRT عربي