A man holds a Lebanese flag during a protest in Beirut (Aziz Taher/Reuters)

"ما حدث في تلك العشيّة حمّلني وحمّل كل إنسان من لبنان أكثرَ مما أستطيع، وخلّفَ فيّ نقيصةً وكُسوراً هي أبعَدُ منْ أن تُرأبَ وتندَمِلْ"، يقول الشاعر اللبناني الشاب محمود في مطلع قصيدته "بيروت 4 آب.. الجريمة ليست ذكرى" التي كتبها بمناسبة مرور سنة على انفجار مرفأ مدينته والحادث الذي خلف في ذاكرته ما استهلَّ به القصيدة. سألنا محمود عن رأيه في الهجرة من لبنان فأجاب بكل عفوية: "يا ريت أقدر أطلع وأهرب.. أقسم بالله لن أرجع ولو تحتم على النوم هناك في العراء!".

استعمال مصطلح "الهرب" في كلام صاحبنا هنا ليس بالعبثي. فلبنان الذي يعيش كل سنة واقعاً لا يقل جحيمية عن السنة التي قبله، والتقارير الدولية منذ وقت تحذر من أن البلاد على وشك انهيار يدفع هؤلاء الشباب، أمثال محمود، ثمنه من شبابهم الضائع وأحلامهم المهدرة. أتت الذكرى السنوية لكارثة "الرابع آب" من دون أن يحاسب المسؤولون على الدماء التي هدرت. منبهة أولئك الشباب بأنه "لم يعد مجال لإصلاح البلد"، حسب ما تردد على لسان كل الذين التقينا بهم، و"لم يبقَ غير الهرب".

هذا ما يتأكد فعلياً والتقارير تتحدث عن أن لبنان يعرف موجة هجرة غير مسبوقة، كذلك فإن الصحافة المحلية تعنون بأن "البلاد تواجه خطراً وجودياً" هو فراغ سكانها. يجب العودة مع شريط الأحداث إلى ما قبل انتفاضة "17 تشرين"، وعبر حيوات شباب منهم من هاجر أو من لا يزال ينتظر، لفهم أسباب موجة النزوح تلك الواسعة.

"17 تشرين" خيبة الحلم الأول!

قبل سنتين كان لبنان أحد البلدان الذي شملته الهبة الثانية للربيع العربي. هو الذي واجه قبلها وضعاً اقتصادياً كارثياً وأزمة ميزانية ارتأت الطبقة السياسية الحاكمة تصريفها بتغريم الشعب ضرائب على استخدام تطبيق واتساب، الأمر الذي انتهي إلى الانفجار احتجاجات مطالبة بإسقاط تلك النخبة ومحاسبتها على إهدار مقدرات البلاد.

"وقت انطلاق انتفاضة (17 تشرين) لم أكن أتوقع أن زخمها سيصل إلى ذلك الحد، أنا التي ومنذ مشاركتي الأولى بمظاهراتها كنت أضغط على نفسي كي أبقى واقعية وأن لا أبالغ في تأمل الكثير من النتائج. لكن في لحظة ما وسط تلك الأجواء الحماسية تسلل إلى قلبي إيمان بالقدرة على التغيير"، تقول نور حطيط (25 سنة، صحفية لبنانية). وتضيف في حديثها لـTRT عربي: "يومها أحسست لأول مرة أنني مواطنة كاملة الأهلية ولست مجرد فرد في طائفة، فاستطعت بفعلها أن أتخلص من هذا الاستلاب الذي طبقته علينا العصابة السياسية الطائفية الحاكمة".

استمر زخم الانتفاضة إلى حدود الشهور الأولى من سنة 2020 ولن يوقِّفه غير حلول الوباء وإنزال الحجر الصحي حداً لتفشي فيروس كورونا. هي فترة أخمدت بجبر الاحترازات الصحية جذوة الثورة في الشارع اللبناني، فبدأت الخيبة من جديد تتسلل بأنه "لا سبيل للتغيير هنا". بخاصة أن نفس الطبقة السياسية التي خرج الشعب ضدها ونعتها في الشوارع بأقذع الألفاض باقية، ونظام المحاصصة الطائفية كذلك باقٍ، أمام انهيار العملة وفقد المواد الأساسية وتقطُّع خدمة الكهرباء واستفحال الجوع والبطالة واليأس.

يحكي سمعان خوام، الفنان التشكيلي والشاعر اللبناني، عن دوافع الأولى للمشاركة في "17 تشرين" قائلًا: "هي المكان الطبيعي الذي كان يجب أن أكون فيه! وأي مكان به فوضى واحتمالية تغيير هو المكان الذي كان لزاماً عليَّ أن أكون فيه". خوام الذي جاء اندلاع الانتفاضة قبل أيام من موعد سفر كان يحضر له صوب كندا، تخلى على ذلك السفر من أجل المشاركة في ما كان يظنه لحظة تحرر تعيشها بلاده، يضيف متحدثًا لـTRT عربي: "يمكن لأننا رومانسيين قليلاً تأملنا الكثير وقتها، لكن أهم شيء حققته تلك الانتفاضة أنها كسرت الصنم، والناس بدأت تشتم من دون خوف كل الطبقة السياسية، من نصر الله إلى بري إلى الحريري...".

"كنا نظن أن فترة كورونا ستكون استراحة محارب لإعادة ترتيب الأوراق وتنظيم صفوفنا أكثر، لكننا أثبتنا مرة أخرى أننا فاشلون! أصحاب نوايا حسنة لكن فاشلون في تغيير العصابة الطائفية الحاكمة"، يورد خوام. فيما تحكي نور عن نفس الفترة أنه "مع التدهور الاقتصادي كنا نقول إنه مستحيل أن يتأزم الوضع أكثر مما هو عليه الآن، لكن فجأة: بووم انفجر مرفأ بيروت".

الانفجار!

في الرابع من أغسطس/آب سنة 2020 كانت أمسية عادية في بيروت على الرغم من قهر الأوضاع الاقتصادية وعوز سكانها لأبسط مقومات الحياة كانت نور حطيط عائدة من منطقة الجميزة نحو أنطلياس حيث يوجد بيت رفيقها الذي تواعدت وأصدقاؤها على التلاقي فيه، عبرت سيارة التاكسي التي أقلتها طريق المرفأ ومرت بمحاذاته، كانت الساعة وقتها الخامسة مساء، على الساعة السادسة حدث الانفجار.

تختلج المشاعر، صوت نور وهي تحكي الرعب الذي مرت به باعتبارها ناجية من الانفجار، والذي لو تأخرت قليلًا في ركوب التاكسي لكانت أحد ضحاياه. وتضيف: "لما وقع الانفجار كل شيء تغير داخلي، حتى خطابي وإيماني والأشياء التي كنت أدافع عنها.. وحدث عندي نوع من الإحباط هو الذي دفعني إلى أن اختار الخلاص الفردي بدل الجماعي الذي كنت أطمح إليه وقت الانتفاضة، فبعد الانفجار مباشرة قررت أن أترك لبنان وأهاجر".

من جانبها تؤكد الصحفية اللبنانية لونا صفوان أن أثر انفجار المرفأ مس بعمق نفسية الشباب اللبناني، "إذ تحس من نظرات وأحاديث ذلك الشباب الذي كان يحدوه طموح وقت نشاطه بانتفاضة (17 تشرين) تحس ميولًا إلى الخيبة والإحباط، مثل إرادة في الهروب من فكرة أن وضع لبنان صعب أن يتغير على المدى القريب". فيما "ردود الفعل كانت كذلك دليلاً على هذه الخيبة، فلم يكن يوجد تظاهر أو حركة احتجاجية، غابت العفوية عن تحركات الشارع وأصبح الكل يبحث عن مهرب أو عن أي شيء يمنح طاقة يفتقدها داخل لبنان"، توضح الصحفية في حديث خصت به TRT عربي.

الهجرة مفر لبناني إلى الحياة؟

كلام يصدق عليه الفنان سمعان خوام، وهو يعلنها صراحة: "الانفجار قضى على (17 تشرين)!". خوام الذي ينتظر الآن موعد هجرته قضى فترة ما بعد الانفجار منهمكاً في الاشتغال بفنه وكتاباته بدافع علاجي أكبر "كي لا يحس بنفسه أنه ماكينة معطَّلة"، على حد وصفه. جاءت الذكرى السنوية للانفجار كي تذكّره بذلك الفشل في محاسبة الأيادي الملطخة بدمائها. "وإذا لم أستطع السفر لا يمكنني أن أتخيل كيف سأستمر بهذه الحياة، ولا أتكلم فقط عن المسيرة الفنية بل عن المعيش الشخصي كذلك، خصوصاً وأنا أرى مع حلول هذه الذكرى دوامة عنف جديدة قادمة في الأفق، ولا يمكنني أن أكون هذه المرة جزءاً منها".

يختم الفنان التشكيلي حديثه محيلاً إيانا إلى إشارة خطيرة تلوح في الأفق اللبناني، مهددة بتحويله مرة أخرى إلى ساحة اقتتال طائفي. هذا ما تحذر منه عدة تقارير كذلك في مقاربتها لما عرفته بلدة خلدة اللبنانية من مواجهات طائفية مسلحة نهاية هذا الأسبوع، أدت إلى مقتل شخصين.

انعدام الأمن والتهديد الدائم من أعمال انتقامية تستهدف الشباب الذي شارك في "17 تشرين" هو ما كابدته نور حطيط كذلك، هي التي كانت تتابع وقتها دراسة الماجستير بالجامعة اللبنانية، تعرضت إزاء نشاطها ومنشوراتها على وسائل التواصل الاجتماعي لهجومات وتحرش عنيف من قبل "أنصار الثنائي الشيعي" على حد وصفها، ما أجبرها على ترك دراستها وإقامتها بالضاحية خوفاً من أي تهديد لحياتها. تهديد تؤكد جديَّته حادثة اغتيال الكاتب والناشط السياسي لقمان سليم شهر فبراير/شباط الماضي.

نجحت نور في الخروج من لبنان لتبدأ حياة جديدة بإسطنبول حيث تقيم الآن، وغيرها كثر، إذ تتحدث الأرقام عن 44 ألف مواطن غادروا لبنان بشكل نهائي خلال فترة لا تتعدّى اثني عشر يوماً بعد انفجار مرفأ بيروت، كما يؤكد تكاثر حالات التهريب والهجرة السريّة عبر "قوارب الموت" من ساحل مدينة طرابلس وشمال لبنان. هذا وتدق القنصليات الغربية ناقوس الخطر إزاء طلبات التأشيرة الموجهة إليها، إذ قالت وسائل إعلام فرنسي إن "السفارة الفرنسية في بيروت لم تشهد في تاريخها كمّاً من طلبات الفيزا كالذي تشهده اليوم للبنانيين راغبين في مغادرة بلدهم".

يوضح الصحفي اللبناني فراس حمية في حديثه لـTRT عربي بأنه: "يمكننا الحديث عن وجود موجة هجرة أو بحث عن الهجرة عند الشباب، وهذا مرده إلى اليأس من البلد كانهيار قيمة العملة الوطنية وانخفاض القدرة الشرائية إذ أصبحت الرواتب بالحضيض بعد أن فقدت 95% من قيمتها". الأمر الذي أكدته كذلك مواطنته الصحفية لونا صفوان، قائلة إنه "عندما أمشي الآن بين شوارع بيروت، خصوصاً في محيط الحمرة الذي كان محج الشباب اللبناني لوقت قريب، ألاحظ تناقص أعداده يوماً عن يوم".

تفسر ذلك لونا بأنه نتاج "خوف ترسخ منذ ساعة الانفجار، الآن الكل يسأل نفسه: كم مرة مررنا بذل المكان ونحن لا نعي أن أطناناً من نترات الأمونيوم تنتظر شرارة للانفجار؟ يوجد كذلك خوف على الجيل القادم مع انهيار التعليم، وعلى المستقبل مع فقدان الشغل.. كل هذه عوامل مؤدية إلى الموجة التي تعيشها البلاد الآن".

فيما يوضح حمية سبل الهجرة التي يختارها البنانيون كونها تتراوح بين القانونية منها وغير القانونية، أخفها الحصول على تأشيرة سياحية لأحد البلدان الأوروبية وكسرها والبقاء هناك، أما أبشعها فـ"التهريب عبر السفر من بيروت إلى ليبيا وتونس، ثم شق الطريق نحو أوروبا بقوارب الهجرة السرية، وهذه مخاطرة يفعلها الكثيرون من الطبقات الفقيرة الذين يرزحون تحت وطأة البطالة".

TRT عربي
الأكثر تداولاً