في ظل انكماش مساحة الوظائف المتاحة في سوق الشغل، نظراً لبداية اقتحام الثورة التكنولوجية لأسوار حصون مختلف الأنشطة الإنسانية بكل الميادين، يبدو أن المستقبل التعليمي للأطفال بالعالم العربي غير مبشّرٍ بالخير.

خلال العقد الماضي، بين حين وآخر، كانت تخرج دورياً تقارير دولية مختلفة ترسم صورة مستقبل منظومات التربية والتعليم في كل بلدان العالم: اندثار الكتاب الورقي لصالح الإلكتروني، انتفاء الحاجة لبناء المدارس، تغير في أدوار المعلمين والهيئات التربوية، التعلم عن بُعد من خلال التكنولوجيات الجديدة، الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والروبوتات...

في بعض الحالات ترقى هذه الصورة إلى مرتبة مشاهد أفلام الخيال العلمي الهوليودية، إذ تتعارض جوهرياً مع ما اعتاد عليه الناس فيما يخص المدرسة التقليدية، كما أنها تنسج في الأذهان سيناريوهات مخيفة عما قد يحمله لنا المستقبل سواء على المدى القريب أو البعيد، لكنها مع ذلك يبدو أنها تُمثّل مشهد المستقبل الذي يمضي باتجاه أنظمة التربية والتعليم.

الواقع أن العالم العربي لن يكون بمعزل عن هذه التحولات، فإن كان هناك اتفاق على أن تدهور التعليم بمعظم الدول العربية وصل إلى مراحل بعيدة من التردي وانعدام الجودة والتخلف، بحسب جلّ التقارير، فإنّ الثورة التكنولوجية وتحدياتها تزيد من حدة الأسئلة المقلقة الخاصة بالمستقبل التعليمي للأجيال العربية القادمة، خصوصاً أن التعليم السائد الآن بالمنطقة لم يجد أيضاً موضع قدم حتى في ظل معايير "العالم القديم".

يعاني مجال التعليم في العالم العربي تدهوراً على مختلف المستويات
يعاني مجال التعليم في العالم العربي تدهوراً على مختلف المستويات (TRT Arabi)

وظائف في مهبّ الريح!

إذا كان العالم العربي لم يعرف ظاهرة التعليم الجماهيري إلا متأخراً، بالمقارنة مع مجموعة من الدول الأخرى، إذ كان التعليم السائد يقتصر على الكتاتيب القرآنية والتعليم العتيق، ويضمّ الذكور دون الإناث، فإن طبيعة التعليم الذي تم استحداثه خلال سنوات الاستقلال كان يرسم أمام الخرّيجين طريقاً مستقبلية مضمونة نحو وظيفة العمل المكتبي التي لا تتطلّب مهارات عالية.

في هذا السياق، يحذّر المتخصص في التحول الرقمي محمد حماني، في حديثه لـTRT عربي، من أن السجادة الحمراء التي سارت عليها الأجيال العربية السابقة، بعد أن تمكنت من الحصول على الشهادات ضمن المسارات التكوينية التقليدية، لن يكون من الممكن مستقبلاً الحفاظ عليها في ظل الثورة التكنولوجية الشاملة.

"عالم الشغل الآن يعيش على إيقاع تحول شامل؛ نحن نتحدث عن عشرات الوظائف التي ستختفي في المستقبل المنظور. من سيتخلف عن اللحاق بالركب مفضلاً الهروب من التنافسية وعدم مواكبة التحول الرقمي لن يجد مكاناً له ضمن عالم الغد الآلي والرقمي بشكل شبه كامل"، يقول حماني.

وفيما يتعلق بالتعليم وتأثير التكنولوجيا يؤكد المتحدث ذاته بأنه ينبغي النظر إلى هذه التكنولوجيات ليس كتهديد، بل كفرصة لتطوير المنظومات التربوية "المتجاوَزة"، على حدّ وصفه، مشدداً على ضرورة إعادة هيكلة الحقل التربوي والمدارس وطرق التدريس حتى تستجيب لتحديات ومشكلات عالم الشغل المعاصر.

"هناك من يقول إن المعلمين لن يكون لهم أي دور في مدرسة المستقبل؛ أنا أرى أن دورهم هو الذي سوف يتغير؛ الأستاذ مستقبلاً سينتقل من المصدر الأوحد للمعرفة إلى تحفيز التلاميذ للحصول على هذه المعرفة بمجهودهم الخاص. أكثر من هذا أهمية الأساتذة ستزداد أكثر لأنّه على عاتقهم ستقع مسؤولية توضيح ضرورة التعامل بحذر مع المعلومة الرقمية وبأنه ليس كل ما هو موجود بالإنترنت صحيح مئة بالمئة"، يوضح حماني.

تغيير هائل في طبيعة الوظائف حول العالم وفقا للدراسة الأخيرة للمنتدى الاقتصادي العالمي
تغيير هائل في طبيعة الوظائف حول العالم وفقا للدراسة الأخيرة للمنتدى الاقتصادي العالمي (Reuters)

ويضيف: "السّجادة الحمراء التي سارت عليها الأجيال السابقة نحو الوظيفة المكتبية "المريحة" لن يكون ممكناً الحفاظ عليها مستقبلاً في ظلّ الثورة التكنولوجية الشاملة. الآن الحاجة ماسةٌ لتغيير المناهج التعليمية والمسارات التكوينية، ولا غنى عن التركيز على التخصصات الدقيقة كالبرمجة وعلوم الحاسوب والمهارات الناعمة بما في ذلك القدرة على التحدث أمام الجمهور وإجادة اللغات وإدارة المشاريع والتأقلم مع المتغيرات وغيرها".

حرب المواهب

لم تُخترع فكرة المدرسة الجماهيرية الحديثة من أجل تعليم الناس القراءة وقواعد الكتابة والحساب باعتبارها تمريناً على المواطنة، بل كانت تسعى قبل أي شيء آخر إلى توفير عمّالٍ مهَرة ومهندسين وباحثين للدفع بعجلة الاقتصاد الرأسمالي الصناعي نحو المزيد من النمو الاقتصادي اللانهائي.

اليوم، في ظل تقلص مساحة سوق الشغل والوظائف المتاحة، نظراً لبداية اقتحام الثورة التكنولوجية الشاملة لأسوار حصون مختلف الأنشطة الإنسانية بكل الميادين، فالأكيد أن التنافس على أفضل الوظائف مستقبلاً سيتطلب التحصّل على تكوينات علمية عالية التخصص، على نحوٍ يقول الخبراء بأنه سيساهم في تأجيج ما يُعرف بحرب المواهب أو استقطاب الكفاءات.

في العالم العربي، سواء في مرحلة الكتاتيب القرآنية والتعليم العتيق، أو في مرحلة التعليم الجماهيري لفائدة الجميع، ظلّت طرق التدريس والتعليم قائمة على التلقين والتبعية والكسل الذهني، ويحوز فيها الأستاذ-الفقيه سلطة مطلقة تجاه التلاميذ، فيما كان الحسّ الإبداعي والنقدي والقدرة على حلّ المشكلات من الأشياء الغائبة بشكل تام تقريباً.

ولكن على الرغم من أن الحصول على وظيفة أو عمل، حسب الاتجاهات المستقبلية، سيرتبط بالتوفر على مهارات بعينها، المفروضة في سياق حرب المواهب، فإنه لا زال واقع التعليم بمعظم الدول العربية محكوماً بنفس هذه الخصائص التقليدية وفق المفتش والباحث المغربي في الشأن التربوي عبد الرحمان قدراوي.

"في المغرب مثلا، مُخرجات إصلاحات المنظومة التربوية لا تنعكس إيجاباً على المتعلم الذي يرى كل المسؤولين عن القطاع أنه المستهدف الأول من العملية التعليمية؛ فهذا الأخير بدأ يبتعد بمسافات تزداد اتساعاً عن المنظومات القيمية المستهدفة من لدن الأسرة والنظام، كما أن مستواه المعرفي والمهاري يزداد انتكاساً على الرغم من نتائج النجاح المعلنة في السنوات الأخيرة"، يؤكد قدراوي في تصريح لـTRT عربي.

"لا أدَلّ على ذلك من نتائج التقارير الدولية التي باتت تصنف وترتب نتائج المتعلمين ليس فقط بالمغرب إنما بأغلب المجتمعات العربية في ذيل الترتيب سواء على مستوى المواد العلمية أو على مستوى القراءة والكتابة والتعبير باعتبارها كفايات أساسية في كل عملية تعليمية-تعلُّمية"، يردف المتحدث.

وفي الوقت الذي يطرح فيه قدراوي أسباب أخرى مختلفة لتراجع مستوى التلاميذ، إذ يذكر في هذا الإطار التغيرات الحاصلة بفعل تنامي تأثيرت العولمة من قبيل الوسائط الإلكترونية وتوجيهات الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنه يشدّد أن أحد أبرز عوائق إصلاح التعليم والانتقال إلى مدرسة المستقبل يرتبط "بغلَبة التدخل الإداري وهيمنته على القطاع في مقابل الشأن التربوي الذي انكمش إلى أقصى الحدود".

المدرسة والدولة

من جهته، يلفِت الأستاذ المتخصص في العلوم الاجتماعية منير الحجوجي، في حديثه لـTRT عربي، النّظرَ إلى ضرورة فهم وضعية المدرسة في الدول العربية حالياً باعتبارها مشكلاً سياسياً بالدرجة الأولى.

"في هذه الأقطار لم يكن للدولة أي ودّ نحو المدرسة؛ لقد منعت الدولة المدرسة دوماً من أداء دورها كرافعة تنويرية، فيما استراتيجيات القصف كانت متنوعة ولم تتوقف، أخطرها في تصوري كان يكمن في تنظيف المدرسة من أي معارف تنويرية - ثورية لصالح معارف باردة، سطحية، لا تقول للمتعلّم في المطلق أي شيء دالّ حول العالم"، يقول الحجوجي.

ويشرح المتحدّثُ نفسُه: "هناك الآن دفعٌ للمدرسة إلى التخصّص في شيء واحد: صناعة عبيد الرأسمال الدولي/المحلّي المتوحش، إذ لا يوجد مشروعٌ تاريخي، في حين أنّ كلّ الدول التي قامت بانطلاقتها الكبرى فعلت ذلك بفضل المدرسة".

ويختم قائلاً: "الثمن سيكون غالياً، فادحاً، لأنّ بلاداً تكره مدرستها هي بلادٌ لا مستقبلَ لها".

المصدر: TRT عربي