يعدّ الحج بالنسبة للمسلمين حجر الزاوية في حياتهم الإيمانية، لكنه بالنسبة إلى آخرين يعني تدفقاً مستمرّاً للسياح وعقود البناء المُربِحة التي تُقدِّمها الدولة، وكذلك الزحف البطيء لسلاسل الفنادق الفخمة حول المسجد الحرام.

في حين يُفتَرَض أن يؤدّي المسلمون الحج مرة واحدة على الأقلّ في حياتهم، يتزايد دور المملكة العربية السعودية في الصراعات الإقليمية، وكذلك تتزايد تكاليف الحج السنوي الذي تستضيفه.

بذل وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قصارى جهده للتغطية على السياسات القاسية التي ارتبطت باسمه، أبرزها مجموعة من الإصلاحات الليبرالية التي احتفى بها نشطاء حقوق الإنسان والقوى العالمية على نطاقٍ واسع. وتتضمَّن هذه الإصلاحات السماح للنساء بقيادة السيارات.

لكن مع ذلك لم تُستقبَل إصلاحات محمد بن سلمان بضجة كبيرة مُحتفية في مناطق أخرى من العالم، إذ رفض كثيرون التغاضي عن سجلات المملكة الخليجية من الانتهاكات والتعذيب والقوة الوحشية.

فمع تصاعد حصيلة القتلى المدنيين في اليمن نتيجة قصف التحالف الذي تقوده السعودية هناك، ومقتل الصحفي جمال خاشقجي، وحملات القمع الوحشية على الأقليات في المملكة، ربما باتت مطالبة البعض بتصديق الرؤى المتعلقة بإقامة فردوس في الصحراء طلباً مُبالَغاً فيه.

ولا مجال يتضح فيه ذلك أكثر من وضوحه في فتاوى رجال الدين في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، الذي تدَّعي السعودية أنَّها تتزعمه عبر صورة من صور "الشرعية الإسلامية" التي بات وجودها ممكناً بسبب وجود اثنين من أقدس الأماكن الإسلامية داخل حدود المملكة.

يُفرَض على المسلمين الحج إلى مكة مرة واحدة على الأقل في حياتهم، ويُعَدّ هذا بالنسبة إلى كثيرين هو حجر الزاوية في حياتهم الإيمانية.

لكنَّه بالنسبة إلى آخرين يعني تدفقاً مستمرّاً للسياح وعقود البناء المُربِحة التي تُقدِّمها الدولة، وكذلك الزحف البطيء لسلاسل الفنادق الفخمة حول المسجد الحرام، التي لا يسع كثيرين تحمُّل تكاليفها.

فعند قيادة السيارة من مدينة جدة الساحلية حتى مكة، يمكن للمرء أن يرى موكباً لا ينتهي من شاحنات النصف مقطورة التي تحمل البضائع والمؤن من أجل التجارة التي لا مثيل لها في المدينة المقدسة.

إذ يشتري الحُجَّاج الحُلِيّ والملابس والمصوغات والتذكارات، ظنّاً منهم أنَّها مُسبَغة بالبركة. وفي ظل انتظار الأهل والأصدقاء -الذين قد لا تُتاح لهم فرصة أداء الحج أبداً- الحصول على الهدايا عند عودة الحجاج، فإنَّ شراء الهدايا أمرٌ مفروغ منه. إنَّها ضرورة.

وتحمل الأغراض المجلوبة من مكة أهمية خاصة، حتى بالنسبة إلى المسلمين الأكثر تديُّناً الذين يهزؤون بفكرة الأغراض المُبارَكة.

ومن بين 1.8 مليار مسلم حول العالم، يمكن لأكثر من مليونين فقط أداء الحج سنويّاً، وليس السبب في ذلك غياب الطلب على أداء الحج.

فلا يوجد متسعٌ يكفي أداء الجميع للحج، لكن مع ذلك لا يزال لتحريك صناعة الحج التي يُتوقَّع أن تبلغ قيمتها 150 مليار دولار بحلول عام 2022، عدد كبير من الحجاج، إذ يُقدِّر الاقتصاديون السعوديون أنَّ الحج يمكن في نهاية المطاف أن يُموِّل الاقتصاد الوطني بأكمله.

إنَّ الحج ضروري للاقتصاد السعودي، وتبلغ قيمته 12 مليار دولار سنويّاً، وهو يُشكِّل حاليّاً ما يصل إلى 20% من الناتج المحلي السعودي غير النفطي، ولا يُتوقَّع أن ينمو إلا بزيادة الفنادق الأكثر فخامة حول المسجد الحرام.

حراسٌ عند البوابات

تَأسَّس نظام قرعة الحج بمزيجٍ من فطنة العمل والقوة الناعمة والاستغلال الديني، إذ تُحدِّد السعودية تعسُّفيّاً حصص الحجاج التي تُقدِّمها للدول. وبالنسبة إلى بلدان مثل قطر، كانت حصة الحجاج هدية كريمة من الملك سلمان "على الرغم من التوتُّرات القائمة". فقد مُنِع القطريون في وقتٍ سابق من دخول المملكة، وفي حين خُصِّص لهم رسميّاً حصة 1200 حاجّ، كان من المستحيل تقريباً إتمام عملية تسجيل الحجاج.

يتقدَّم الحجاج، الذين يدَّخر بعضهم طوال حياتهم من أجل الرحلة الباهظة، للقرعة. والبعض يتقدَّم لها عدة مرات. وفي حال قبولهم يُطلَب منهم شراء برنامج حج شامل من قائمة مُوافَق عليها مُسبقاً من وكالات السياحة، التي عادةً ما تُدرِج رسوماً ومعاملاتٍ مُبهَمة عند زيادة الأسعار.

ولا تخلو رحلة الحج من التكاليف، التي تتراوح من 800 دولار إلى 7 آلاف دولار في موسم الحج المزدحم.

لكن حتى أنظمة التقدُّم للحج في البلدان التي لا يوجد بها نظام القرعة لا تخلو من التحديات، إذ يُطلَب من الحجاج كذلك شراء برنامج حج يتراوح بين ألف و20 ألف دولار أو يزيد حسب أماكن الإقامة والمسافة وما شابه.

تكمن المشكلة في الجهة التي يتعيَّن عليها أن تبيع البرامج، فوكالات السياحة الحاصلة على موافقة مُسبَقة هي الوحيدة المُخوَّل إليها القيام بذلك، ويكتنف الغموض عملية الاختيار التي تُخفي معايير اختيار تلك الوكالات.

يتحدَّث مُطَّلِعون من داخل صناعة الحج عن الفساد الخفيّ المستشري الموجود خلف الكواليس، إذ يُطلَب من وكالات السياحة دفع عمولات للموظفين البيروقراطيين أصحاب العلاقات الجيدة -الذين بدورهم يدينون لشخصياتٍ ملكية بنسب مئوية ضخمة (من هذه العمولات)- إذا ما أرادت دفع الأموال كي تشق طريقها إلى قوائم وكالات السياحة المُوافَق عليها والتي تُوزِّعها السفارات.

كان خالد، الذي جرى تغيير اسمه الأول لأسباب تتعلَّق بالخصوصية، يملك وكالة سياحة للحج في العاصمة الماليزية كوالالمبور، لكنَّه لم يعد كذلك، إذ اضطُّر منذ ذلك الحين إلى الخروج من هذا المجال.

يقول خالد مُتحدِّثاً لـTRT: "حصلتُ على رخصة وحصة في السنة الأولى، وفي السنة الثانية طُلِب مني دفع عمولة 30% من كامل أرباح الحج في حال كنتُ لا أزال راغباً في الحصول على العقد. وحين احتججتُ على ذلك أخبرني الشخص المعرفة في السفارة أنَّ بإمكاني التقدُّم بصورة طبيعية لكنَّني لن أحصل على العقد ما لم يُقدِّم أحد الأمراء توصية بي إلى إدارة الحج".

وأضاف: "لم أُرِدْ سلوك هذا المسار. إنَّه حجٌّ مقدَّس، كيف لهم أن يفعلوا ذلك؟!".

ويعني غياب المنافسة ووجود وسطاء بين مُقدِّمي سياحة الحج أنَّه يمكن تحديد الأسعار بصرف النظر عن الدخل الشخصي أو التكاليف الحقيقة.

وتعاني الأقليات الإسلامية في الغرب على وجه الخصوص جرَّاء هذا، فيقول عصام قدورة من كندا: "كانت برامج الحج تكلف 3-4 آلاف دولار قبل خمس سنوات فقط".

ويضيف شاكياً: "لكنَّها الآن تُكلِّف 10 آلاف دولار على الأقل. تُكلِّف رحلة الطيران من مدينتي إلى جدة ألف دولار فقط، لماذا هي (برامج الحج) باهظة للغاية؟ سيكون من الأرخص أن أذهب بنفسي، لكنّي لا أستطيع. هناك أمرٌ خاطئ بشأن الأسعار. ألا يُفتَرَض بشركات السياحة أن تتمكَّن من الحصول على أسعار أرخص بسبب أرباحها من السفر في مجموعات؟".

لكن في النهاية، قد يكون الأمر مسألة عرض وطلب، إذ يتسبَّب عدد الحجاج الذين يتوافدون على مكة سنوياً في زيادة الأسعار بسرعة الصاروخ، سواء أسعار المجموعات أو غيرها. ويُمثِّل هذا تحدياً للبعض، لكنَّه يعني للبعض الآخر أنَّ العمل يسير على ما يرام.

ليس بعد الآن

لطالما كانت مكة تُحقِّق أرباحاً، وهو أمرٌ معترَف به على نطاقٍ واسع. لكنَّ مزيداً ومزيداً من المسلمين يشعرون بالانزعاج، ليس من تحقيق الأرباح الكبيرة، بل من الأوجه التي يجري إنفاق إنفاق تلك الأرباح فيها.

ففي أواخر أبريل/نيسان 2019، دعا مفتي عامّ ليبيا وأبرز علماء أهل السُّنَّة بها، الشيخ صادق الغرياني، جميع المسلمين إلى مقاطعة الحج.

وقال في رأي أقلّية (عكس رأي جمهور العلماء) إنَّ أي شخص يؤدِّي الحج للمرة الثانية "يرتكب الخطيئة بدلاً من الفعل الصالح".

وكان منطقه في ذلك بسيطاً، فالاقتصاد السعودي يُقدِّم الأسلحة ويموِّل الهجمات العسكرية في اليمن، وباتت السعودية متورطة بصورة غير مباشرة في سوريا وليبيا والسودان والعراق.

وأكَّد الغرياني أنَّ الاستثمار في الحج "سيساعد حكام المملكة العربية السعودية على ارتكاب جرائم ضدّ إخواننا المسلمين".

لكنَّ الغرياني ليس رجل الدين الوحيد الذي اتخذ موقفاً ضد الحج، إذ أصدر يوسف القرضاوي، أحد أبرز العلماء السُّنَّة وأكثرهم قبولاً وواحد من أعلى المنتقدين للسعودية صوتاً، فتوى في أغسطس/آب 2018 دعا فيها للوعي عند الإنفاق على الحج.

وقال: "لو أنَّ المسلم فقِه أنَّه حينما يطعم جائعاً، أو يداوي مريضاً، أو يؤوي مشرَّداً، أو يساهم في مشروعٍ ذي بال، أنَّ هذا أفضل عند الله من الإنفاق على الحج والعمرة كل عام، لكان المفروض أن يشعر باللذة الروحية أكثر مما يشعر به حين يُحرِم ويطوف بالبيت ويقول: (لبيك اللهم لبيك)".

في المقابل يتخذ آخرون موقفاً مناقضاً، وينظرون إلى هذا باعتباره تقويضاً لركنٍ رئيسي من أركان الدين، فالمسلمون مُطالَبون بأن يؤدوا فريضة الحج على الأقل مرة واحدة في حياتهم، إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

لكن في حين يختلف كثيرون مع حظر الحج، فإنَّ الفكرة ليست فكرة غير شائعة.

فدور الأسرة السعودية المالكة في مصر وسوريا وليبيا ومؤخراً في "إعدام" خاشقجي، ماثلٌ أمام أذهان كثيرين.

ويحمل العاهل السعودي اللقب الفخري "خادم الحرمين الشريفين"، الذي جرى تناقله طوال أجيال. وحاليّاً، يرى بعض الحُجَّاج اللقب أقل رمزية، وينظرون إليه أكثر باعتباره يُمثِّل قبضة حديدية على الربح على حساب الشرعية الدينية.

المصدر: TRT عربي