هاجمت إسرائيل الأراضي العراقية للمرة الأولى منذ 38 عاماً، ضاربةً معسكرين رئيسيين لميليشيا شيعية وساعيةً لتصعيدٍ مع طهران.

شنَّت إسرائيل ضربات جوية الشهر الماضي، يوليو/تموز، عقب لقاءٍ ثلاثيّ حاسم بين موسكو وواشنطن وتل أبيب عُقِد في القدس في نهاية يونيو/حزيران. استهدفت الضربة قاعدتين لمليشيات شيعية مدعومة إيرانيّاً.

ومع أنَّ تل أبيب لم تتبنَّ مسؤولية الهجمات، كما لم تتهمها بغداد بالوقوف وراءها، يجادل المحللون الأمنيون بأنَّ العراق بات هدفاً لإسرائيل منذ انتشار إيران هناك.

فصرَّح محمد بولوف علي، وهو ناشط عراقي كردي عَمِل مستشاراً لنائب الرئيس العراقي السابق طارق الهاشمي، لـTRT، بأنَّ تل أبيب اضطُرّت إلى الانتظار عدة سنوات من أجل الحصول على موافقة أمريكيَّة لمهاجمة المليشيات التي تديرها إيران في العراق، في حين كانت طهران أيضاً تتوقع مثل هذه المجابهة العسكرية.

هاجمت إسرائيل الأراضي العراقية للمرة الأولى منذ 38 عاماً، ضاربةً معسكرين رئيسيين لمليشيا شيعية
هاجمت إسرائيل الأراضي العراقية للمرة الأولى منذ 38 عاماً، ضاربةً معسكرين رئيسيين لمليشيا شيعية (Enes Danis TRT World)

وقال "لكنَّ هذا الموقف تَغيَّر بعد الاجتماع الثلاثي الحاسم، الذي دار في القدس حول كيفية ضمان أمن إسرائيل في العراق وسوريا. وبعد هذ الاجتماع حصلت إسرائيل على الإذن من واشنطن لضرب العراق".

وقع الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف الأراضي العراقية الشهر الماضي في منطقة آمرلي بمحافظة صلاح الدين، وفي معسكر أشرف الذي استُخدِم سابقاً باعتباره قاعدة عسكرية أمريكيَّة بمحافظة ديالى. وتقع كلتا المحافظتين وسط العراق، وتتاخمان مناطق السكان الأكراد.

كان أول مَن نشر خبر الهجمات هو موقع العين الإماراتي، ثُمَّ نسبتها صحيفة الشرق الأوسط السعوديَّة إلى إسرائيل.

وكان كلّ من الإمارات والسعوديَّة قد طوَّرت علاقاتٍ ودية مع إسرائيل بهدف التصدي لإيران، وذلك بعد تبنِّيهما مبدأ "عدوّ عدوّي صديقي".

قال بولوف علي "منذ انسحاب الولايات المتَّحدة من الاتفاق النووي العام الماضي، كانت إيران تُجهِّز نفسها في مناطق مختلفة ضد التحالف الأمريكيّ الإسرائيلي. والعراق إحدى تلك المناطق، إذ نشرت فيه إيران منصات إطلاق ومصانع صواريخ".

بعد الاجتماع الثلاثي الحاسم، الذي دار في القدس حول كيفيةضمان أمن إسرائيل في العراق وسوريا، حصلت إسرائيل على الإذن من واشنطن لضرب العراق
بعد الاجتماع الثلاثي الحاسم، الذي دار في القدس حول كيفيةضمان أمن إسرائيل في العراق وسوريا، حصلت إسرائيل على الإذن من واشنطن لضرب العراق (EPA)

أسفرت الضربات عن مقتل 40 شخصاً على الأقل، معظمهم كانوا ينتمون إلى مليشيات منظَّمة بدر والحشد الشعبي الشيعية القوية، التي ترعاها إيران. ووَفْقاً لرواية بولوف علي، كان رجلان من القتلى كذلك عضوين بالحرس الثوري الإيرانيّ.

وقال بولوف علي إنَّه بسبب التهديد الإسرائيلي المتزايد لطهران في العراق، وضعت إيران مصانع صواريخها ومنصات الإطلاق تحت الأرض، وغيَّرت مواقع مستودعات الذخيرة التابعة لمليشيا الحشد الشعبي العراقي الشيعية المُسلَّحة والمُموَّلة من إيران.

وأضاف بولوف علي أنَّ إيران لن تردّ على الهجمات بصورة مباشرة، لكنَّها قد تثأر عبر استخدام وكلائها الشيعة في الشرق الأوسط. لكنَّه يعتقد كذلك أنَّ معادلةً سياسية جديدة آخذة في التبلور في المنطقة منذ انسحاب الولايات المتَّحدة من الاتفاق النووي، وهذه المعادلة تجعل من الصعب على أي طرف اتخاذ خطواتٍ جريئة ضدّ البلدان الأخرى باستثناء العمليات المحددة بدقة مثل تلك التي شنَّتها إسرائيل مؤخراً.

ويجد الخبراء أسباباً مختلفة لاستهداف إسرائيل هذين المعسكرين العراقيين على وجه التحديد.

قال محمد ألاجا، وهو باحث تركي كتب أطروحة عن الحشد الشعبي بجامعة إكستر، إنَّ وراء الهجمات سببين رئيسيين.

زاد صمت العراق على الهجمات الإسرائيلية القلق الإيرانيّ بشأن حالة علاقة العراق مع إسرائيل
زاد صمت العراق على الهجمات الإسرائيلية القلق الإيرانيّ بشأن حالة علاقة العراق مع إسرائيل (AP)

وأضاف لـTRT "أولاً، كان هذان المعسكران هما المكانين اللذين يُنسِّق الحرس الثوري الإيرانيّ عملياته في سوريا والعراق واليمن ولبنان انطلاقاً منهما".

وأشار إلى التأكيد القديم من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي المتشدد بنيامين نتنياهو أنَّ تل أبيب ستتحرَّك ضد إيران في أي مكان، بما في ذلك العراق.

وقال ألاجا "ثانياً، تدرَّبت المليشيات، التي تخشاها إسرائيل أكثر ما تخشاها في سوريا، في هذين المعسكرين، حسب مصادر مختلفة". ووَفْقاً لألاجا، هذان المعسكران هما الأكبران في المنطقة.

ويعتقد كذلك أنَّ إسرائيل، باستهدافها معسكر أشرف الذي يبعُد 40 كيلومتراً عن العاصمة بغداد و80 كيلومتراً عن الحدود الإيرانيَّة، تبعث برسالة واضحة إلى إيران بشأن قدراتها العسكرية الهجومية بعيدة المدى.

صمت العراق المُبهَم

مع ذلك فإنَّ الأمر المحيّر أكثر من الدوافع وراء الهجمات هو حقيقة أنَّ العراق لم يعترف بالهجمات الإسرائيلية أو يُدِنها على النحو الذي يفعله نظام الأسد كلما شنَّت إسرائيل غارات على الأراضي السورية.

قال ألاجا "الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أنَّ العراق لم يُظهِر أي رد فعل على الهجمات إطلاقاً. وقد كانت بين إسرائيل والعراق عملية تقارب منذ العام الماضي".

وَفْقاً لدبلوماسيين أوروبيّين، يلتقي المسؤولون الإسرائيليون سرّاً مع نظرائهم العراقيين منذ بعض الوقت، وجرى بعض اللقاءات في إسرائيل.

ويشك بعض الإيرانيّين كذلك في أنَّ اللقاءات تهدف إلى تطبيع العلاقات بين العراق وإيران، مُستشهدين بالزيارات عالية المستوى من جانب العراقيين لإسرائيل، مثل نادية مراد التي حصلت على جائزة نوبل للسلام عام 2018، ولمياء حجي بشار التي حصلت على جائزة سخاروف عام 2016.

قال فريد ياسين، سفير العراق السابق لدى الولايات المتَّحدة، في تصريحٍ مؤخراً: "هنالك أسباب موضوعية قد تدعولقيام علاقاتبين العراق وإسرائيل، منها أنَّ هنالك جالية عراقية مهمَّة في إسرائيل لا تزال تعتزّ بالتقاليدها العراقية، خصوصاً في حفلات الزفاف والمناسبات الأخرى".

وزاد صمت العراق على الهجمات الإسرائيلية القلق الإيرانيّ بشأن حالة علاقة العراق مع إسرائيل، وتشك طهران أنَّ بغداد تسمح لتل أبيب بمهاجمة المصالح الإيرانيَّة.

شك علي موسوي خلخالي، وهو صحفي إيرانيّ، في أنَّ بغداد "سمحت ضمنيّاً لإسرائيل بمهاجمة أراضيها"، نتيجةً لتطور علاقات العراق مع إسرائيل.

لكنَّ أحد المحللين الإسرائيليين كذلك يعتقد أنَّ الهجوم على معسكر تديره إيران على الأراضي العراقية قد يزيد ضغط طهران على بغداد، مما يؤدي إلى تأثيرٍ "عكسي"، وهو ما قد يُقنِع البلد المُمزَّق بفعل الحرب بـ"العمل باعتباره درع إيران" في مواجهة تل أبيب.

المصدر: TRT عربي