تتجه الأنظار في الجزائر إلى ندوة 6 يوليو/تموز على أمل أن تحدث ثغرة في جدار الصمت الذي يطبع العلاقة بين قائد الجيش والحراك الشعبي ويمهد لانفراج سياسي يجنب البلاد الانزلاق إلى أزمة سياسية دون أفق.

ترافقت جمعات الحراك الشعبي الذي دخل شهره الخامس والمطالب برحيل رموز النظام مع مبادرات من أحزاب سياسية ومدنية تسعى للخروج من الانسداد السياسي بتقديم آليات ومقترحات ظلت حتى الآن محل تجاهل من السلطة وغير مرحب بها من الحراك على حد سواء.

ونجح الحراك في إلغاء العهدة الخامسة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي اضطر لاحقاً إلى تقديم استقالته تحت ضغط الشارع والجيش.

وبدأت بوادر الانسداد تلوح في الأفق عندما رفع المحتجون سقف مطالبهم بالتغيير الشامل للنظام ورحيل جميع رموزه وتفعيل المادتين 7 و8 التي تعتبران الشعب مصدر السلطات في حين تمسكت المؤسسة العسكرية بالمخارج الدستورية واكتفت بشن حملة ضد الفساد شملت رجال أعمال ومسؤولين كبار في الدولة بينما رفضت إقالة الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح والوزير الأول نور الدين بدوي.

في ظل حالة حوار الطرشان السائدة بين الحراك والسلطة حاولت أحزاب سياسية وجمعيات مدنية وشخصيات مستقلة تقديم مبادرات للخروج من الأزمة السياسية وصل عددها إلى 25 مبادرة، لكن ستاً فقط منها اتسمت بالجدية هي مبادرات قوى التغيير وجبهة القوى الاشتراكية ورئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور إلى جانب مبادرات الشخصيات الثلاثة أحمد الإبراهيمي ورشيد بن يلس وأحمد يحي عبد النور وجمعية العلماء المسلمين والأمين العام لحزب طلائع الحريات علي بن فليس.

نجح الحراك في إلغاء العهدة الخامسة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي اضطر لاحقاً إلى تقديم استقالته تحت ضغط الشارع والجيش
نجح الحراك في إلغاء العهدة الخامسة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي اضطر لاحقاً إلى تقديم استقالته تحت ضغط الشارع والجيش (AFP)

الإعلامي والكاتب عثمان لحياني اعتبر في تصريح لـTRT عربي أن هناك مبادرات جدية قدمت خطوات عملية لحل الأزمة مثل مبادرة التكتل المدني ومبادرة الشخصيات الثلاثة ومبادرة قوى التغيير.

وأضاف أن باقي المبادرات تفتقد للجدية وهي "أقرب إلى الفلكور السياسي منها إلى عمل سياسي حقيقي".

تجاهل

باءت كل المبادرات بالفشل بعد أن قوبلت بالتجاهل من طرف المؤسسة العسكرية المصرة على البقاء ضمن السياق الدستوري والذهاب إلى انتخابات رئاسية في أقرب الآجال تجنباً للفراغ الدستوري.

وتتعارض المقترحات والتصورات المنبثقة عن المبادرات والتي تتبنى مطالب الحراك عموماً مع رؤية الجيش للحل.

وتقترح المبادرات في مجملها الذهاب إلى مرحلة انتقالية وتشكيل حكومة انتقالية لإدارتها ثم التوجه لاحقاً إلى انتخابات رئاسية ومنها من تريد الذهاب إلى عقد سياسي تأسيسي يتكفل بكل جوانب الأزمة.

في هذا الصدد يقول أرزقي فراد أحد مؤسسي قوى التغيير لنصرة خيار الشعب لـTRT عربي "إن النظام السياسي ليس لديه إرادة للتغيير وإن ما يقوم به يصب في اتجاه التصعيد وليس التهدئة وإنه يسير نحو تجديد نفسه بوجوه جديدة".

وأضاف أن الاعتقالات التي طالت عدداً من "المحتجين ومن بينهم المجاهد لخضر بورقعة كلها مؤشرات على أن النظام يرفض التغيير".

تقترح المبادرات في مجملها الذهاب إلى مرحلة انتقالية وتشكيل حكومةانتقالية لإدارتها
تقترح المبادرات في مجملها الذهاب إلى مرحلة انتقالية وتشكيل حكومةانتقالية لإدارتها (AP)

ويوافقه الرأي ناصر جابي، أستاذ علم الاجتماع السياسي وأحد المشاركين في مبادرة قوى التغيير، إذ اعتبر في تصريح لـTRT عربي أن السلطة مصرة على موقف واحد ونخب النظام ترفض على الدوام كل الحلول التي اقترحت عليها حتى قبل الحراك وأنها لا تريد أن يكون لديها بديل لها في الأحزاب والمجتمع المدني بغرض المحافظة على النظام القائم.

من جهته يرفض الحراك الشعبي مساعي المعارضة ويشكك في نواياها ويرى أنها محاولات للتموقع في النظام القادم وأن مساعيها نابعة من مآرب شخصية لأصحابها.

مبادرتان

في وقت يتهدد البلاد شبح الفراغ المؤسسي، وفق تحذيرات قيادة الجيش وطيف من الطبقة السياسية، تقدم تحالف قوى التغيير لنصرة خيار الشعب بمبادرة جديدة تتمثّل في لقاء وطني لإيجاد حل للأزمة السياسية بالبلاد يستجيب للمطالب الشعبية السلمية.

وعيّنت اللجنة المكلفة بتحضير اللقاء المزمع تنظيمه في 6 يوليو/تموز الجاري الوزير السابق عبد العزيز رحابي منسقاً تحضيراً لفتح قنوات اتصال مع السلطة.

القوى السياسية والمجتمعية قدمت كل التنازلات الممكنة بإسقاطها كل الأفكار والمشاريع التي تحرج المؤسسة العسكرية، مثل الهيئة التأسيسية والمرحلة الانتقالية الطويلة، وتعديل الدستور قبل الانتخابات الرئاسية.

رحابي كتب على صفحته في فيسبوك "كُلفت بالتنسيق لإدارة هذه المبادرة السياسية الشاملة والجامعة لوضع تصور وآليات للخروج من الأزمة والذهاب في آجالِ معقولة إلى تنظيم أول انتخابات رئاسية ديمقراطية في تاريخ البلاد".

وعن المبادرة التي أطلقتها قوى التغيير لبحث سبل التحاور مع السلطة، يرى يوسف عيساوي أحد قادة الحراك في العاصمة في حديث مع TRT عربي أنه "من غير المجدي الاعتماد على الأحزاب السياسية التي شاركت بوتفليقة الحكم لإيجاد حلول للأزمة".

ويشير عيساوي إلى كون مبادرة قوى التغيير واحدة فقط من بين مبادرات عديدة في نفس المنحى، وهذا دليل برأيه على "عدم صدق تلك المحاولات".

يذكر أن قائد أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح، طالب الأحزاب السياسية وفعاليات المجتمع المدني بالمشاركة "في مسعى الخروج من الأزمة قصد التعجيل بإجراء انتخابات رئاسية في أقرب الآجال".

القوى السياسية والمجتمعية قدمت كل التنازلات الممكنة بإسقاطها كل الأفكار والمشاريع التي تحرج المؤسسة العسكرية
القوى السياسية والمجتمعية قدمت كل التنازلات الممكنة بإسقاطها كل الأفكار والمشاريع التي تحرج المؤسسة العسكرية (AFP)

وتعلق الأحزاب السياسية وفاعليات المجتمع المدني الآمال على أنه مع الانسداد الحالي باتت السلطة تدرك أنه لا سبيل سوى الحوار والتفاعل مع أي مبادرة لإيجاد المخرج الآمن للبلاد والعباد.

ناصر جابي أحد المشاركين في اللقاء أشار إلى أن المبادرة تتضمن ثلاثة نصوص تتناول المبادئ والأهداف والهيئة المستقلة لتنظيم الانتخابات.

وأضاف أن "الكرة الآن في ملعب السلطة التي عليها التعامل إيجاباً مع هاته المبادرة وأن لا تتجاهلها مثلما فعلت مع باقي المبادرات".

المطالبة بفتح التلفزيون العمومي أمام المعارضة والذهاب إلى مرحلة انتقالية مدتها 6 أشهر وتأسيس هيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات تكون مستقلة مالياً ثم الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية من أهم النقاط المتضمنة في المبادرة حسب أرزقي فراد.

وفي ما يبدو أنها بارقة أمل لكسر الجمود أعلن الرئيس الجزائري المؤقت عبد القادر بن صالح في خطاب أمس عن إطلاق حوار وطني يمهد لإجراء الانتخابات الرئاسية تقوده شخصيات مستقلة يغيب عنه الجيش والسلطة.

وتعليقاً على الخطاب، قال لحياني إنّ السلطة التي طورت موقفها السياسي باتجاه آلية الحوار تبدو نظريا أكثر واقعية، لكنها لم تقدم التنازلات المطلوبة شعبياً.

وأضاف أن السلطة تبدو في حالة تجاوز لضغط الشارع، بعد أن تلمست حالة الانقسام داخل الحراك، وأنها ما زالت تحتفظ بديناميكية صناعة الحل وأدواته.

المصدر: TRT عربي