"زلزال، انقلاب، انشقاق، تمرّد" كلمات سيطرت على وسائل الإعلام المختلفة ومنصّات التواصل الاجتماعي في تعليقها على إعلان نخبة أندية القارة الأوروبية بطولةً جديدةً تقتصر فيها المشاركة على الكبار فقط.

هذا جزء بسيط من مشهد معقّد ومتشابك الأطراف فجّره إعلان رئيس نادي ريال مدريد فلورنتينو بيريز، تأسيس"دوري السوبر الأوروبي"، بموافقة 12 نادياً كبيراً في قارة أوروبا، من أصل 20 هم قوام الفرق المشاركة في البطولة الوليدة.

ردود الفعل الغاضبة لم تنحصر على الأندية والجماهير واللاعبين والاتحادات والروابط ووسائل الإعلام القارية والدولية فحسب، بل تخطت ميادين الرياضة ووصلت إلى عالم السياسة، ما يشير بوضوح إلى أنّ الـ19 من أبريل/نيسان 2021، أضحى محطة فارقة في تاريخ الكُرتين الأوروبية والعالمية.

"ولد ميتاً"

مشروع البطولة الوليدة، وُلد ميتاً، إذ لم تمرّ سوى 48 ساعة على إعلان بيريز قبل أن تتساقط أحجار الدومينو واحدة تلو الأخرى، وهنا يدور الحديث حول أندية الدوري الإنجليزي الممتاز الستة، بانسحابها توالياً في قرار بدا جماعياً.

وبدأ سلسلةَ الانسحابات مانشستر سيتي، متصدرُ الدوري الإنجليزي، ثم لحقه جاره اللدود مانشستر يونايتد، والثلاثي اللندني، أرسنال و تشيلسي و توتنهام، إلى جانب ليفربول بطل النسخة قبل الماضية لدوري أبطال أوروبا.

ويعني هذا أنّ القائمين على المشروع الوليد تلقوا ضربة قاصمة، أنهت فكرة "دوري السوبر"، ودفعتهم لتجميده حالياً، إذ أصدر دعاة البطولة الجديدة بياناً، أعلنوا من خلاله تعليق إطلاق "سوبر ليغ" مؤقتاً، دون إلغائها بشكل صريح، كما ادّعوا أن الأندية الإنجليزية أُجبرت على قرار الانسحاب بفعل ضغوط تعرضت لها، دون الكشف عنها.

"وضع ضبابي"

المحامي الخبير في القضايا الرياضية عماد الحناينه، يقول إنه "لا يوجد شيء متوقع رغم السيناريوهات الكثيرة التي يتم الحديث عنها"، مُرجعاً ذلك إلى أنّ الوضع حالياً يشهد عملية شدٍ وجذب، مع تمسّك كلّ طرف برأيه.

ويوضح الحناينه في حديثه لـTRT عربي، أنّ مشروع دوري السوبر "لم يكن واضحاً وكان مجهولاً إلى حد كبير في ظلّ عدم معرفة بقية الأندية المشاركة".

ويلفت إلى أنّ الانسحابات أتت نتيجة ضغوطات رسمية خاصة من الحكومة البريطانية التي اتخذت ردود فعل قاسية وتعهدت بإيجاد قوانين جديدة لمنع مشاركة الأندية في بطولات خارج الروزنامة الكروية الدولية، قائلاً إنّ "هذا يبرز التناقض في مسألة منع تدخل الحكومات في أي مواضيع وقضايا رياضية".

ويعتقد أنّ الأمور تتجه إلى حوار ونقاش بخصوص العوائد التي تحصل عليها الأندية بالبطولات القارية، لكنه شدد على أنّ "الأمر غير مستتب، وما حدث لا يعني انتهاء العاصفة بل انتقلت من طريقة إلى أخرى، وقابلة للتصادم أو الوصول لتسويات محتملة".

ويؤمن أنه "لا يوجد طرف قوي في المعادلة، فكلاهما خاسر"، مبيّناً أنّ الانفصال يعني نكسة كبيرة لمختلف الأطراف، على غرار انخفاض نسبة المشاهدات في الدوريات التي ستتعرض لهزة قوية من دون الأندية الكبيرة، كما يضاف إلى كل هذا الهزة المالية والتداعيات التي أفرزتها جائحة كورونا.

وحول تلويح رئيس الاتحاد الأوروبي للعبة ألكسندر تشيفرين بمنع لاعبي أندية السوبر الأوروبي من المشاركة مع منتخبات بلادهم في بطولتي كأسي العالم وأمم أوروبا، يؤكد الخبير في القضايا الرياضية أنّه "لا يوجد شيء من هذا القبيل في نظام العقوبات"، لكنه رجّح إجراء تعديلات بقوانين الفيفا واليويفا يتعلق باللاعبين.

واستبعد أن تشهد النسخة المقبلة من كأس العالم المقررة إقامتها في قطر، غياب نسبة كبيرة من لاعبي المنتخبات، كما بيّن أنه لا توجد سابقة قانونية في هذا الموضوع، لافتاً إلى أن تنفيذ عقوبات على اللاعبين "طريقة انتقامية لأنهم ملزمون في النهاية بالمشاركة مع أنديتهم في أي بطولات رسمية أو ودية".

وحول ما أُثير بشأن إمكانية منع "أندية الانفصال" من المشاركة في بطولاتها المحلية، أوضح الخبير القانوني، أنّ فكرة البطولة الجديدة هي "استقلال عن دوري أبطال أوروبا فقط، حيث تؤيد هذه الأندية خوض المنافسات المحلية".

"مسار تفاوضي"

من جانبه رسم الصحفي الرياضي بشير سنان، أكثر من سيناريو لما ستؤول إليه الأوضاع حالياً في الساحة الكروية الأوروبية، معتقداً أن السيناريو الأقرب للحل يكمن في الدخول بمسار تفاوضي بعيداً عن المواجهة المباشرة، وقد يدفع نحو إلغاء "دوري السوبر" نهائياً وليس تعليقه فحسب.

ويوضح سنان في حديثه لـTRT عربي، أنّ ما يرجّح هذا السيناريو، توالي انسحاب الأندية المؤسسة من البطولة الوليدة، بعد تهديدات الاتحاد القاري ومن خلفه نظيره الدولي "أرفع جهة عالمية مسؤولة عن كرة القدم".

ويشير إلى إمكانية الوصول إلى تسوية مالية ترضي كبار الأندية، فيما يخصّ رفع قيمة الجوائز في المنافسات التي ينظّمها الاتحاد الأوروبي، بما يحقق الحدّ الأدنى من متطلبات الأندية.

وفي نفس السياق التفاوضي، يضع سنان، سيناريو آخر بإقامة "السوبر الأوروبي" بغطاء قانوني تحت مظلة اليويفا، ويتيح للأندية جزءاً كبيراً من الموارد الكبيرة التي ستدرّها البطولة، لكنه شدد على أن هذا الاحتمال بدأ يخفت كثيراً مع مرور الوقت.

أما أصعب السيناريوهات وفق سنان، فإنه يكمن بالدخول في معركة قانونية بين الأندية والاتحاد القاري، قائلاً إنه "يترتب عليه تبعات قاسية على طرفي النزاع، وسيؤثر بشكل كبير على بطولات الفيفا وليس اليويفا فقط".

واستشهد هنا بقرار أصدرته محكمة مدريدية يقضي بمنع الاتحادين الدولي والأوروبي من اتخاذ أي إجراءات تمنع أو تعرقل عملية التحضير لدوري السوبر بشكل مباشر أو غير مباشر.

وخلص إلى أن أي تسوية قادمة بين الطرفين "ستؤجّل المعركة إلى سنوات، قد تشهد ما هو أبعد من تنظيم بطولة جديدة، خاصة مع تداعيات أزمة كورونا".

وشدد على أن ما بعد 19 أبريل/نيسان بات مختلفاً عما قبله، وسيبقى "شرارة لأي احتمالات قادمة بين الأندية والأطر الكروية القارية والدولية"، مشيراً إلى أن بطولة دوري أبطال أوروبا "باتت مملة بشكلها الحالي، ولا تلبي رغبة محبي اللعبة في العالم، وعلى المسؤولين إدراك ذلك".

نظام جديد لـ"أبطال أوروبا"

وما يؤكد تصريحات سنان، إقرار الاتحاد الأوروبي للعبة، نظاماً جديداً للبطولة الكروية الأشهر في العالم، يتضمن مشاركة 36 فريقاً وليس 32 فقط، اعتباراً من عام 2024، ولكن من دون الكشف عن طريقة تأهّل الأندية الأربعة الإضافية باستثناء ذهاب أحدها إلى فرنسا.

ومِن المُقرر أن يخوض كل نادٍ 10 مباريات مناصفة داخل الديار وخارجها، على أن تتأهل أول ثمانية أندية إلى دوري الـ16، مع خوض الأندية التي تحتل المراكز بين التاسع والـ24 مواجهتي ذهاب وإياب لإكمال دور ثمن النهائي، فيما ينزل الخاسرون لمتابعة المشوار في المسابقة الرديفة للدوري الأوروبي.

"انقلاب كروي"

الأحداث المتسارعة بدأت بإعلان الأندية الـ12 المشاركة في بطولة جديدة، بعيداً عن "أبطال أوروبا" فيما وُصف بأنه "انقلاب كروي"، حيث حدد المؤسسون لـ"دوري السوبر"، 5 مليارات يورو كسقف عائدات مكتسبة مع ضربة البداية، مع التطلع لمضاعفة الرقم خلال موسم أو موسمين إلى 10 مليارات يورو، مقابل ملياري دولار هو سقف العائدات الحالي لأشهر بطولات القارة الأوروبية.

وخطط المؤسسون للبطولة المستحدثة تقاسم كعكة قيمتها 3.5 مليار يورو تُوزّع حسب تصنيف الأندية، إذ يأتي قطبا إسبانيا إلى جانب مانشستر يونايتد في التصنيف الأول، وينال كل فريق 350 مليون يورو، فيما تحلّ أندية ليفربول ويوفنتوس ومانشستر سيتي بالتصنيف الثاني بـ225 مليون يورو لكل نادٍ.

وتحصل أندية المستوى الثالث وهي: قطبا ميلانو، وأتلتيكو مدريد، إضافة إلى ثلاثي لندن أرسنال وتشيلسي وتوتنهام على 112.5 مليون يورو، على أن تتقاضى أندية المستوى الرابع 100 مليون يورو.

صحيفة "ماركا" الإسبانية قالت إنّ بنك "جي بي مورغان" الأمريكي يتولى دعم المشروع، حيث سيحصل الفريق البطل على نحو 400 مليون يورو، وهو مبلغ ضخم يبلغ أكثر من 3 أضعاف الـ120 مليون يورو التي يمنحها اليويفا للفائز بدوري أبطال أوروبا سنوياً.

ردود فعل غاضبة

"البطولة الانفصالية" عارضها تماماً رئيس الفيفا إنفانتينو، وطالب الأندية المنشقة بتحمل عواقب قراراتها، مشيراً إلى أنّ البطولة المقترحة "عبارة عن سوق مغلق ومنفصل عن المؤسسات الحالية والدوريات والاتحادات المحلية والقارية والدولية".

من جانبه قال رئيس اليويفا ألكسندر تشيفرين، إنّ الأندية التي تعتقد أنّها كبيرة ولا يمكن المساس بها "يجب أن تتذكر من أين أتت؟"، كما أنّ نجاحها يرجع جزئياً إلى الاتحاد الأوروبي للعبة، مؤكداً أن الأخير "لا يمكن أن يخسر المعركة القضائية المقبلة".

مشجعو تشيلسي يحتجون خارج ملعب ستامفورد بريدج على مشاركة النادي في دوري السوبر الأوروبي (Others)

أما رئيس اللجنة الأولمبية الدولية توماس باخ فاعتبر النموذج الرياضي "فريداً من نوعه، يرتكز على خوض منافسات عادلة تمنح الأولوية للجدارة الرياضية"، مبيناً أن هذا النظام "يواجه تحدياً من خلال مقاربة مبنية على الربح".

بدوره شدد الرئيس التنفيذي لباريس سان جيرمان الفرنسي، القطري ناصر الخليفي، على أنّ لدى ناديه قناعة راسخة بأنّ "كرة القدم هي لعبة للجميع"، مبيناً أن اقتراحاً لتطوير المنافسات من دون دعم اليويفا لن يحلّ المشكلات.

وقبيل إشهار "دوري السوبر" بساعات، أكد اليويفا عبر بيان مشترك مع اتحادات وروابط كرة القدم بإنجلترا وإسبانيا وإيطاليا، أنه سيكون برفقة الفيفا وكل الاتحادات، متحدين "لإيقاف هذا المشروع المعيب القائم على المصلحة الذاتية لأندية قليلة"، ملوّحاً بتدابير قضائية ورياضية وعقوبات تاريخية ضد الأندية المنشقة.

وهدد اليويفا الأندية الـ12 بـ"عقوبات رادعة، تصل لحد الحرمان من اللعب في المسابقات المحلية والقارية والعالمية، فضلاً عن منع اللاعبين من تمثيل منتخبات بلادهم"، وذلك بالتنسيق مع الفيفا والاتحادات والروابط المحلية في البلدان الثلاثة.

من جانبه أكد الفيفا في بيان، أنه سيمنع "كل نادٍ أو فريق ينضم لهذا المشروع، من الانضمام لأي منافسة تديرها الفيفا وشركاؤها".

ونددت روابط واتحادات ألمانيا وفرنسا بـ"البطولة الانفصالية"، فيما أعلن اتحاد الأندية المحترفة التركية في بيان أن دوري السوبر الأوروبي هو "ضربة بحق وحدة كرة القدم الأوروبية وأنه فكرة ستمحق روح الكرة".

أما صحيفة "لا غازيتا ديلو سبورت" الإيطالية فقد قالت إنّ ما حقّقه دوري السوبر إنجاز قياسي فريد، لأنه في غضون 48 ساعة اتَّحَدَ ضده "القادة السياسيون، والبرلمان الأوروبي، والمؤسسات الرياضية، وكل الصحافة الدورية، والمشجّعون، والمدربون، واللاعبون، وحتى المؤسسات التي انضمّت كلها إلى المشروع".

TRT عربي