يُحدِث مهرجان الطيران والفضاء والتكنولوجيا "تكنوفيست" نقلة نوعيّة بالمجالات كافة في تركيا، بدءاً من الذكاء الصناعي حتى الأمن السيبراني. ويعلَّق على "تكنوفيست" آمالاً لصنع جيل صاعد تزدهر به الصناعات التركية، ويعزز حملة التكنولوجيا الوطنية طويلة المدى.

تُقام للعام الرابع على التوالي فعاليات مهرجان "تكنوفيست 2021" (TechnoFest 2021)، في مطار أتاتورك بإسطنبول في الفترة بين 21–26 سبتمبر/أيلول الجاري.

وتُعلَّق على المهرجان آمال مستقبليّة لأن يَصنع جيل صاعد تزدهر به الصناعات التكنولوجية والعسكرية التركية، ويحمل على عاتقه تعزيز "حملة التكنولوجيا الوطنية" بالبلاد.

ويصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المهرجان بأنّه "ستوضع فيه أُسس ابتكارات من شأنها إحداث نقلة نوعية في جميع المجالات، بدءاً من الذكاء الصناعي حتى الأمن السيبراني".

الأول من نوعه

تُقام فعاليات مهرجان "تكنوفيست 2021" في مطار أتاتورك بإسطنبول في الفترة بين 21–26 سبتمبر/أيلول الجاري، وذلك للعام الرابع على التوالي بعد أن أُطلقت النسخة الأولى من المهرجان التكنولوجي في مطار إسطنبول الدولي في سبتمبر/أيلول 2018.

وتتمثل الأهداف الأساسية للمهرجان في زيادة الوعي العام حول التكنولوجيا في المجتمع، ولفتِ الانتباه إلى أهمية الإنتاج الوطني، كما أنه وسيلة مهمة في تركيا لاكتشاف مواهب الشباب المشاركين لعرض ابتكاراتهم التكنولوجية مثل الصواريخ والروبوتات، وبدعم من مؤسسات حكومية.

ويعتبر مهرجان الطيران والفضاء والتكنولوجيا "تكنوفيست"، الأول من نوعه في البلاد، ويجري تنظيمه عبر تنسيق مشترك لفريق التكنولوجيا التركي "وقف T3"، ووزارة الصناعة والتكنولوجيا التركيّة، بالتعاون مع شركات خاصة، ووزارات، ومؤسسات أكاديمية تركيّة.

ويستضيف "تكنوفيست" مجموعة متنوعة من الأنشطة مثل المسابقات التكنولوجية، والندوات، ومعارض شركات التكنولوجيا المحلية، ويمكن لزائريه أيضاً الاستمتاع بالعديد من عوامل الجذب، مثل عروض الطيران بما في ذلك القفز بالمظلات والعروض الجوية لـ"سولو ترك" و"النجوم التركية" والعديد من فرق الأكروبات الدولية، إضافة إلى الحفلات الموسيقية، والفعاليات، والمقابلات الحوارية حول مواضيع تقنيّة مختلفة.

كما تُنظَّم مسابقات التكنولوجيا فيما يزيد عن 35 مجالاً مختلفاً، ويمكِّن المعنيين من جميع الأعمار، من طلاب المدارس الابتدائية إلى رواد الأعمال، المشاركة في المسابقات بمشاريعهم، حيث يتميز المهرجان بمسابقات عالية التقنية، بدءاً من التكنولوجيا الحيوية إلى الروبوتات، ومن ضمن المسابقات الأخرى الفريدة من نوعها هو سباق "كأس العالم للمسيّرات"، وهي الصناعة العسكريّة التي احتلت فيها تركيا مركزاً متقدماً، وتصدّرت عالمياً خلال الأعوام الأخيرة قائمة دول مُصنِّعيها.

ويؤكّد رئيس مجلس إدارة "تكنوفيست"، المهندس التركي سلجوق بيرقدار أنّ المهرجان تأسّس على مبدأ مفاده أنّه "لا يمكن إنجاز كل هذه الأعمال من خلال إنفاق أموال طائلة، بل يجري ذلك بإيمان ودافع كبيرين"، وأنّ المهرجان يقود تحوّلاً اجتماعياً يتماشى مع المُثل العليا لحركة التكنولوجيا الوطنية.

وعلى صعيد آخر، يحوز مهرجان "تكنوفيست" اهتماماً محلياً وعالمياً بالغاً، حيث يعتبره مراقبون أضخم مهرجان تكنولوجي في العالم من حيث المشاركة الاجتماعية، حيث شارك في نسخه الثلاث السابقة نحو مليون و 720 ألف شخص، بين مشارك، ومتسابق، وزائر.

نحو جيل يصنع الأمجاد

يهدف مهرجان تكنولوجيا الطيران والفضاء "تكنوفيست" إلى تعزيز وتشجيع مشاركة الشباب في مجالات التطوّر التكنولوجي، وتحقيق رؤية متوافقة مع "حملة التكنولوجيا الوطنية" التي أطلقتها الحكومة التركية.

ويستهدف المهرجان السنوي بالأساس الطلاب في مراحل عمرية مختلفة، أهمها الأطفال في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، وذلك لغرس حب الاستطلاع والرغبة لدى الطفل في عمر مبكّر إلى أن يصبح "عالِم المستقبل".

كما يستهدف "تكنوفيست" الشغوفين بعلوم التكنولوجيا من طلاب المراحل الثانوية، والجامعية، والدراسات العليا، والشباب الخريجين، ورواد الأعمال، ويمنحهم البيئة الإبداعية الملائمة والتشجيع والفرص اللازمة لتطوير مقترحاتهم المبتكرة وتحويلها إلى مشاريع حقيقية على أرض الواقع.

ويأتي المهرجان في إطار رؤية طويلة المدى لدى الحكومة التركية لإنشاء جيل جديد يصنع أمجاداً، ويعزز من ازدهار الصناعات التكنولوجية والعسكرية الوطنية، ويشارك العالم أجمع تجربته عبر تناقل وتبادل الخبرات المحلية مع نظرائها العالمية.

ويلخّص رئيس مجلس إدارة مهرجان "تكنوفيست"، سلجوق بيرقدار، ما يمكن اعتباره أحد شعارات المهرجان، وهو "يكفي أن يلمس طفل مجسم طائرة"، ليتحقق بذلك أحد الأهداف الرئيسية للمهرجان السنوي لزرع شغف وحافز لدى الجيل التركي الصاعد ليقدّم نموذجاً صناعياً وتكنولوجياً متقدماً، وفي حديث صحفي آخر وصف بيرقدار الأمر قائلاً: "فليأت الطفل، يتحسس طائرة، وسترى الطفل نفسه يوماً ما رائداً في برنامج الفضاء التركي".

عشرات المسابقات في مختلف المجالات

تُنظَّم ضمن فعاليات "تكنوفيست" عشرات المسابقات التقنية، التي ترمي إلى تحقيق طموحات الآلاف من الشباب، في مختلف التخصصات والفئات، وإلى زيادة الموارد البشرية المدرّبة في مجالات العلوم والهندسة في تركيا.

ويتنافس المتسابقون من مختلف الأعمار للظفر بجوائز مالية مجزية، والحصول على فرصة لتنفيذ مشروعاتهم، وتكوين شبكة علاقات وتعاون وتبادل خبرات مع آخرين معنيين بنفس التخصصات والمجالات.

وفي نسخة العام الماضي "غازي عنتاب 2020"، تقدّم ما يزيد عن 20 ألف فريق ومائة ألف شاب من 81 محافظة تركيّة، و122 دولة مختلفة للمشاركة في مسابقات التكنولوجيا، التي أُجريت في 21 فئة ومجال مختلف.

ومن المُقرّر خلال نسخة العام الحالي "تكنوفيست 2021"، استضافة المهرجان ما يزيد عن 35 مسابقة، بدءاً من مسابقة التكنولوجيا من أجل الإنسانية، وتقنيات التعليم، مروراً بمسابقة النقل الذكي، والروبوتات، وابتكار التكنولوجيا الحيوية، وتقنيات البيئة والطاقة، والتقنيات الرقمية في الصناعة، وتقنيات الثقافة والسياحة، والصواريخ والفضاء، والتقنيات الزراعية، وتصميم السيارات الطائرة، والذكاء الاصطناعي، والمسيّرات البرية الزراعية، وابتكار التكنولوجيا الحيوية، وتصميم طائرات الهليكوبتر، وتقنيات الاتصال، وتصميم المحركات النفّاثة، ومسابقة نموذج الأقمار الصناعية، وتطوير طائرات الدرون، إضافة للعديد من المسابقات الأخرى.

وتشمل مسابقات مهرجان "تكنوفيست" للعام الحالي صناعات عسكريّة مثل المركبات المسيّرة المائية والبريّة، ومسابقة مكافحة المسيّرات، واللتان تقعان ضمن نطاق مسابقة "كأس العالم للمسيّرات".

وتحت رئاسة إدارة الكوارث والطوارئ التركية "آفاد (AFAD)"، تُنظّم مسابقة "تكنولوجيا لصالح البشرية" في فئتي الصحة والإسعافات الأولية وإدارة الكوارث والابتكار الاجتماعي، والتي تهدف إلى دمج الوعي بالمسؤولية الاجتماعية للأفراد في معلوماتهم وخبراتهم التكنولوجية وإنشاء مشاريع تعود بالنفع على المجتمع.

مسابقات مهرجان "تكنوفيست" (teknofest.com)

مشاركة وتفاعل عالمي

يشارك آلاف المتسابقين الدوليين سنوياً في "تكنوفيست" ويأتي المشاركون مما يزيد عن 122 دولة، إضافة إلى عشرات الآلاف من الزائرين والسياح المتخصصين وغير المتخصصين، الذين يأتون بعائلاتهم ليشهدوا الروح التنافسيّة، والندوات، والحفلات الموسيقيّة، والعروض الجويّة، وغيرها من الأنشطة والفعاليات المميزة.

وفي سياق متصل، يقول المدير التنفيذي للمهرجان، سلجوق بيرقدار، إنّ المنظمين يتخذون جميع الإجراءات والتدابير لتيسيير مشاركة السائحين الآتين من خارج وداخل تركيا لحضور المهرجان.

وتابع بيرقدار بأنّهم يوفّرون سنوياً وسائل النقل من وإلى مكان إقامة "تكنوفيست"، وخلال الدخول للمهرجان، الذي لا يدفع الزائرون أي رسوم لحضوره، يحرص القائمون على التأكّد من المتطلبات الصحيّة، وتنفيذ الإجراءات والتدابير الصحيّة الوقائية، وذلك بعد انتشار جائحة كورونا.

وعلى صعيد آخر، صرّح بيرقدار أن إدارة المهرجان تلقّت طلبات من "بلدان صديقة" لتنظيم المهرجان على أراضيها، وأضاف في تصريح لوكالة الأناضول، أنّ أوكرانيا، وأذربيجان وإندونيسيا تأتي في مقدمة البلدان الراغبة بالاستضافة، لافتاً إلى أنّ القائمة تطول بأسماء بلدان أخرى أيضاً.

للسنة الرابعة على التوالي

أُقيم مهرجان "تكنوفيست" للفضاء والتكنولوجيا لأول مرة عام 2018، وبحسب الموقع الرسمي للمهرجان، تقدّم حينها 4333 فريقاً بإجمالي 20 ألف مشارك في المسابقات التكنولوجية المنظّمة في 14 فئة مختلفة. وفي العام التالي، تقدّم ما يزيد عن 17 ألف فريق وخمسين ألف مشارك من 81 مقاطعة و 122 دولة للتنافس في 19 فئة مختلفة، وأُقيمت كلتا النسختين في مدينة إسطنبول.

وفي عام 2020، ورغم تفشّي جائحة كورونا والقيود الصحيّة الناتجة عنها، تقدَّم ما يزيد عن 20 ألف فريق ومائة ألف مشارك من 81 مقاطعة تركيّة و84 دولة للمشاركة في مسابقات التكنولوجيا في 21 فئة مختلفة أُقيمت في غازي عنتاب.

وفي نسخة العام الجاري "تكنوفيست 2021" (TechnoFest 2021)، والمُقرّر إجراؤها في مطار أتاتورك بإسطنبول في الفترة بين 21–26 سبتمبر/أيلول الجاري، ارتفع عدد المسابقات لما يزيد عن 35 مسابقة، وستُقدّم أكثر من 5 ملايين ليرة تركية من الدعم المالي للفرق التي اجتازت مرحلة الاختيار المسبق، وستحصل الفرق الفائزة على جوائز تزيد قيمتها عن 5 ملايين ليرة تركية، ويُنتظر أن يشهد المهرجان إقبالاً قياسياً نظراً لما تشهده تركيا من موسم سياحي مزدهر، والصعود المستمر لسمعة التكنولوجيا التركيّة.

وحسب بيرقدار، فإن السنوات الأولى للمهرجان هيمنت خلالها الصناعة الدفاعية على نمط المسابقات، فيما انضمّ الآن إلى قائمة المسابقات مجالات جديدة تتعلّق بالنقل الذكي، وتقنيات البيئة والطاقة، والتقنيات الرقمية الصناعية، والسيارات الطائرة، والتقنيات الزراعية الذكية، وغيرها من عشرات المجالات.

تركيا الجديدة

يعتبر محللون أن مهرجان "تكنوفيست" جزءاً من استراتيجية الحكومة التركيّة طويلة المدى لوضع تركيا في مصاف دول العالم الأبرز صناعياً وعسكرياً وتقنياً، وسط إشادات دوليّة بالسرعة والوتيرة المذهلة التي تطوّر بها أنقرة قدراتها التقنيّة واستقلاليتها الصناعية.

وفي هذا الصدد، أعتبر الرئيس أردوغان بأنّ المهرجان سيضع "أسس ابتكارات من شأنها إحداث نقلة نوعية في جميع المجالات بدءاً من الذكاء الصناعي حتى الأمن السيبراني"

فيما صرّح وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي مصطفى ورانك، خلال كلمة ألقاها بافتتاح مهرجان "تكنوفيست" العام الماضي، أنّ المهرجان "بات علامة فارقة لحملة التكنولوجيا الوطنية التي أطلقتها الحكومة التركية".

وتزامناً مع ذلك، دشّنت الحكومة التركية حملة لدعم التكنولوجيا الوطنية، والتي أفاد ورانك بأنها تهدف إلى المساهمة الحقيقية في إنتاج 919 منتجاً تكنولوجياً ذا قيمة عالية. وأُنشئت مديرية عامة جديدة تحت مُسمّى "المديرية العامة للتكنولوجيا الوطنية"، تابعة لوزارة الصناعة والتكنولوجيا.

وبموجب الحملة، تقدّم الدولة التركية دعماً للمشاريع وأصحاب الأعمال لتعزيز إنتاج تركيا المنتجات والأنظمة التكنولوجية المتقدمة، والمساهمة في تنفيذ المشاريع والبرامج المتعلقة بهذا المجال، إلى جانب المساهمة في إنشاء البنية التحتية المطلوبة لتنفيذ تلك المشاريع.

ويعتبر مراقبون حملة التكنولوجيا الوطنية كونها بمثابة "خطوة مهمة في الاستقلال التركي بمجال التكنولوجيا المهم في مختلف الصناعات الحالية، وبخاصة الصناعات الدفاعية"، فيما صرّح الرئيس أردوغان متحدثاً عن الحملة، بأنّ بلاده: "أضحت دولة تصنع بإمكاناتها الخاصة 65% من احتياجاتها في مجال الصناعات الدفاعية".

وأشار الرئيس التركي إلى أن أنقرة لم تلبّ احتياجاتها فحسب، بل وصلت إلى مستوى ضخم في الصادرات العسكرية، مُضيفاً أنّه جرى تنفيذ 600 مشروع يتعلق بالصناعات الدفاعية، يضم مجموعة من المعدّات والآلات العسكرية، مثل الدبابات، والمركبات المدرعة، والسفن الحربية، والغواصات، والمقاتلات الجوية، والمروحيات، والمسيّرات، والبندقيات، والأقمار الصناعية، وأنظمة الدفاع الجوي، والصواريخ، وأسلحة الليزر.

ومع اقتراب موعد هدف تركيا القومي لعام 2023، تمضي أنقرة بخُطى ثابتة نحو ما يشير إليه البعض "تركيا الجديدة"، محققةً نمواً اقتصادياً وازدهاراً في العديد من القطاعات الصناعية والتجارية والعسكرية، وسط بدء الحديث عن تجاوز إجمالي دخلها القومي حاجز التريليون دولار قريباً.

TRT عربي