متحف اللوفر في باريس  (Thibault Camus/AP)

عام بعد تأسيس الجمهورية كاسحة معها كل أوجه النظام الملكي الذي رزحت تحته فرنسا قبلها لقرون، تغيَّر وجه قصر "إلتوي لري"الذي كان مقراً لإقامة أولئك الملوك ليعود "متحف اللوفر". ذلك المتحف الأضخم في العالم، والذي يحتفل اليوم بذكرى افتتاحه الـ228، يعبر بالمقابل عن أحد أبشع أوجه النشل الثقافي والسرقات الاستعمارية للشعوب التي امتدت إليها جيوش فرنسا الجمهورية، الإمبراطورية والملكية، حسب الخبراء.

نابوليون بونابارت.. "نشَّال تحف العالم"

عرف اللوفر ملأه بالتحف إبان حكم بونابارت، القائد العسكري الذي حكم البلاد بعد انقلاب "18 من برومير" الشهير سنة 1799م، والذي في عهده ستعرف فرنسا أوج توسعها الإمبريالي. توسع لم يكن فقط على أراضي "أعدائه" المفترضين، بل على ثقافتهم كذلك، هذا كان محرك الإمبراطور الكورسيكي، أي أن ينشل ما استطاع من تحف وآثار الأمم التي كان يغزوها في سعيه إلى إرجاع باريس مركز الثقافة العالمي.

ولم يكن سلب تلك التحف حدثاً عارضاً على أصل هو الغزو البونابارتي، بل كان جزءاً أصيلاً فيه وهدفاً أساسياً له، هذا يتبدى لنا والإمبراطور يقرن ما بين السلام ومصادرته تحف الأمم المغزوَّة، وأن تتضمن اتفاقيات سلامه تلك إتاوة من تلك التحف يجبيها حسب هواه وإرادته. هكذا نجده في أثناء حملته على إيطاليا استولى على 500 مخطوطة و300 قطعة أثرية من الفاتيكان، وفق معاهدة تولينتينو التي وقعتها بلاده مع الدولة البابوية سنة 1797.

وضمن هذه التحف المسلوبة أزيد من 100 ألف قطعة أثرية نشلت من مصر إبان الحملة الفرنسية عليها، منها 5 آلاف معروضة اليوم في اللوفر. من بينها تمثال الملك "رع" ابن الملك "خوفو" الذى يقف فى مدخل الجناح المصري بالمتحف، والتمثال الملكي للملك "خفرع"، فيما تزين مسلة كليوباترا ميدان الكونكورد بقلب العاصمة الفرنسية باريس.

الآثار الإسلامية المسروقة باللوفر

يحتوي المتحف على أزيد من 17.5 ألف قطعة أثرية إسلامية، ضمنها سيف السلطان سليمان القانوني وبلاط السلطان سليم الثاني، اللذان خرجا من تركيا بشكل غير شرعي واشتراهما المتحف المذكور، رغم مواصلة وزارة الثقافة والسياحة التركية جهودها لاستعادة البلاط المذكور الذي سُرق خلال فترة الترميم عام 1890م.

كما يحتوي المتحف كذلك على وعاء يعود إلى العهد المملوكي صُنع في الفترة ما بين 1320و1340م، والذي يعد فريداً من نوعه لكونه الوحيد المتضمن ستة توقيعات من صناعه. فيما يعود افتتاح قسم خاص بهذه القطع الأثرية إلى سنة 1905، لكن أوج ازدهاره بالقطع الأثرية كان ما بعد الحرب العالمية الثانية، الموافق لأوج الاستعمار الفرنسي لعدد من الدول العربية والإسلامية.

آثار بلون الدم الليبي!

ولم تتوقف عملية عرض الآثار المسروقة بمتحف اللوفر إلى يومنا هذا، وهذا ليس مقتصراً على تلك التي سلبت قديماً، بل ما تم تهريبه خلال النزاعات الأخيرة التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. هذه هي الفكرة الأساسية لمبادرة المتحف المذكور في عرض آثار هربت بطرق غير شرعية من ليبيا وسوريا اللتين تعيشان ويلات حربٍ تعدت عقدها الأول.

هي قطع حجزت عليها الجمارك الفرنسية بعد عرقلتها لعمليات تهريب عابرة للقارات، تعرض باللوفر بـ"هدف تعزيز الوعي العام بقضية الاتجار الدولي بالممتلكات الثقافية الناتجة عن الحفريات والسرقات"، كما "لجعل هذه القطع معروفة للجمهور وغير قابلة للبيع" حسب العاملين به.

تتضمن هذه القطع منقوشتين منحوتتين بزخارف على شكل كروم متشابكة وصلبان مسيحية يبلغ وزنهما 108 كيلوغرامات، يحتمل أن أصلهما يعود إلى منطقة الشام. كذلك 4 تماثيل جنائزية، قدر سعر الواحد منها بـ2.5 مليون دولار، قادمة من مدينة من شحات أو قورينا الأثرية التي أسسها الإغريق في الجبل الأخضر في شرق ليبيا. هذا وعرضت هذه القطع مدموغة بطابع الجمارك كدلالة على أنها محجوزة من عمليات تهريب.

لنسرق ما سرق منا!

هذا ويقود ناشطون من أصول إفريقية حركة من أجل استرجاع الآثار والتحف الفنية التي نهبتها فرنسا إبان فترة استعمارها لبلدانهم. ومع سياسة الآذان الصماء التي تنهجها السلطات الفرنسية إزاء مطالباتهم، وغياب أي ردة فعل جدية لجبر ذلك الخلل، اختار هؤلاء الناشطون الحل الأكثر إثارة للجدل "سنسرق ما سرق منا!".

حيث قام أحدهم، وهو الناشط إيمري موازولو، شهر أكتوبر/تشرين الأول 2020، بمحاولة سرقة تمثال إفريقي صغير يعود إلى القرن الثامن عشر. فقبض على الناشط وهو يهتف أنه يعيد ممتلكات قارته إليها، وتمت إدانته بغرامة 5000 يورو والسجن 4 شهور موقوفة التنفيذ. تلك الإدانة التي لم تمنع إيمري من تكرار المحاولة في 30 يوليو/تموز الماضي، هذه المرة في متحف بمدينة مارسيليا، حيث حاول سرقة رمح يعود أصله إلى غينيا الجديدة، خابت محاولة مجدداً وهو ينتظر محاكمته في هذه الأثناء.

فيما لا زالت قضية الآثار الاستعمارية تخلق جدلًا في فرنسا، مع غياب أي استجابة حكومية لرد الاعتبار لتلك الشعوب المسروقة.

TRT عربي
الأكثر تداولاً