ربما لم تشهد سوق الانتقالات الشتوية في القارة الأوروبية حركة نشطة على صعيد الانتدابات وتعزيز صفوف الأندية في ظل استمرار تداعيات جائحة كورونا، غير أن هذا المشهد كان مغايراً تماماً عند الحديث عن الدوري التركي الممتاز لكرة القدم.

فالميركاتو الشتوي كان حافلاً بالتعاقدات البارزة التي خطفت الأنظار وأعادت تسليط الأضواء بقوة إلى البطولة التركية من جديد، بعدما كانت تعج سابقاً بالكثير من الأسماء الكروية التي صالت وجالت في ملاعب القارة العجوز، قبل أن ينتهي المطاف بها في تركيا.

ومن شأن قدوم هذه الأسماء الكبيرة إلى عالم "الساحرة المستديرة"، أن يرفع من مستوى وندية مباريات "سوبر ليغ"، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على مشاركات الفرق والمنتخبات التركية في المسابقات القارية، والاستحقاقات الكروية المقبلة، إضافة إلى عائدات تسويقية مرتقبة.

عازف الليل

بلا أدنى شك فإن صفقة انتقال صانع الألعاب البارز مسعود أوزيل من صفوف أرسنال الإنجليزي إلى فنربهتشة التركي قد استحوذت على اهتمام الإعلام الرياضي الأوروبي، فيما أفردت صحف ومواقع متخصصة مساحة واسعة للحديث عنها.

ونجح فنربهتشة بالظفر بالجائزة الكبرى في الميركاتو الشتوي، بعدما عزز صفوفه بالنجم الألماني ذي الأصول التركية، والفائز بلقب كأس العالم مع "المانشافت" عام 2014 في النسخة التي أقيمت على الأراضي البرازيلية.

الفريق التركي أغلق صفقة انتقال أوزيل الشهير بـ"عازف الليل"، في 24 يناير/كانون الثاني الماضي، في صفقة انتقال مجانية بعقد يمتد لثلاثة أعوام ونصف العام.

وكان أوزيل صاحب الـ32 ربيعاً قد لعب مع أرسنال اللندني منذ صيف عام 2013، عندما ارتدى قميصه آتياً من كبير العاصمة الإسبانية ريال مدريد، الذي قدمه إلى عالم "اللعبة الشعبية الأولى في العالم" كأحد أبرز لاعبي خط الوسط في ظل امتلاكه مهارة فنية لافتة، وقدرة على ترويض الكرة والتحكم بها، وخلق فرص محققة للتسجيل.

ولم يكتفِ فنربهتشة بانتداب أوزيل لخط الوسط فحسب، بل جلب أيضاً الدولي التركي عرفان قهوجي من إسطنبول باشاك شهير بعد منافسة محتدمة مع الغريم التقليدي غلطة سراي.

"البلدوزر" في تركيا

غلطة سراي الساعي لاستعادة لقب الدوري التركي كان نشطاً كذلك في الانتقالات الشتوية بضمه 5 لاعبين إلى صفوفه جاء في مقدمتهم المهاجم المصري الواعد مصطفى محمد، إضافة إلى جناحه النيجيري السابق هنري أونيكورالذي دافع عن صفوفه لموسمين، نجح خلالهما في الفوز بلقب الدوري التركي والكأس عام 2019، إلى جانب الظهير الأيمن الأمريكي دياندري يدلين (نيوكاسل يونايتد)، والبرتغالي جيدسون فيرنانديز (بنفيكا)، والتركي خليل درويش أوغلو (برينتفورد).

المهاجم المصري الشاب نجح في ترك بصمته التهديفية سريعاً مع غلطة سراي بتسجيله هدفين في أول مباراتين خاضهما بقميص النادي الأكثر فوزاً بلقب الدوري التركي (21 مرة)، إذ أحرز هدفاً في شباك إسطنبول باشاك شهير من علامة الجزاء (2 فبراير/شباط 2021)، فيما قاد فريقه للفوز بـ"ديربي إسطنبول" على حساب فنربهتشة بتسجيله هدف الانتصار في شباك الغريم والجار اللدود (6 فبراير/شباط).

بداية "مصطفى" وصفها نجم الكرة التركية أردا توران بـ"المثالية"، خاصة أن اللاعب قَدِم إلى "سوبر ليغ" قبل أيام فقطـ، كما أنه واجه فريقين كبيرين في بداية مشواره الاحترافي، وهنا يدور الحديث عن بطل النسخة الماضية (باشاك شهير)، وفنربهتشة (الغريم الأزلي).

أما بيشكتاش المعروف بـ"النسور السوداء"، فقد أعاد مهاجمه السابق جينك طوسون (29 عاماً) إلى صفوفه من جديد على سبيل الإعارة قادماً من إيفرتون الإنجليزي، بعدما ساهم سابقاً في تتويج "النسور السوداء" بلقب الدوري التركي في مناسبتين عامي 2016 و2017.

نقلة نوعية

مراسل وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) سهيل الحويك، يقول إن انتقال أوزيل إلى الدوري التركي يعد نقلة نوعية بعدما ظل حبيس مقاعد البدلاء في أرسنال بسبب خلافات داخلية، ما اضطر النادي اللندني إلى الاستغناء عنه بسبب ارتفاع راتبه الأسبوعي بعد تكبد النادي خسائر مالية كبيرة.

وعلى الرغم من الفترة الصعبة التي مر بها أوزيل مع "المدفعجية"، فإنه كان مثالاً للاعب المحترف الملتزم بمواعيد تدريباته وواجباته فوق المستطيل الأخضر وخارجه، وفق شهادة لمواطنه وزميله السابق في أرسنال شكودران مصطفي، بحسب ما قاله الحويك لـTRT عربي.

ويعتقد الصحفي الرياضي أن قرار المدرب الإسباني لأرسنال ميكل أرتيتا بإبقاء أوزيل احتياطياً وعدم الاستعانة بخدماته كان "إدارياً وليس فنياً"، مشيراً إلى أن الدولي الألماني المعتزل قادر على إعطاء الحلول وفك طلاسم المنافس فوق الميدان بأي لحظة.

ويرى الحويك، الذي يرأس أيضاً قسم الرياضة في جريدة "الراي" الكويتية، أن تركيا كانت أحد أسباب ابتعاد أوزيل عن منتخب ألمانيا بسبب الصورة الشهيرة التي جمعته بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لافتاً إلى أن النجم الألماني كان لديه حنين دائم بسبب جذوره التركية.

ويؤكد أن انتقال أوزيل إلى تركيا "يحيه على المستويين الرياضي والنفسي"، واصفاً خطوته بالدفاع عن ألوان فنربهتشة بالسليمة، خاصة أن الفريق يتصدر جدول الترتيب وينافس على لقب البطولة.

ويؤمن بأن قدوم أوزيل سيترك تأثيراً على الدوري التركي على الرغم من تداعيات جائحة كورونا، التي ضربت عالم التسويق وأبعدت الجماهير عن المدرجات، مؤكداً أن التأثير كان سيكون مضاعفاً في حال كانت الظروف طبيعية، وخلص إلى أن الصفقة ستكون ذات فائدة فنية على فنربهتشة والبطولة التركية أكثر منها تسويقية للأسباب السابقة.

وبشأن تأثير الصفقات الجديدة على الدوري التركي، يوضح الحويك أن "سوبر ليغ" ضم في السنوات الأخيرة لاعبين بارزين كالإيفواري ديدييه دروغبا والكولومبي رادميل فالكاو وغيرهم ولكن بعد تقدمهم في السن نسبياً، لكنه استدرك قائلاً: إن "صفقة أوزيل تشكل سابقة وتعد مغايرة لتلك التي أبرمت سابقاً، خاصة أن اللاعب في قمة عطائه".

وحول نقاط قوة الدوري التركي، يقول الصحفي الرياضي: إن "ملاعبه تشكل جحيماً للفرق المنافسة بسبب التشجيع والحماس الجماهيري الكبيرين"، معتقداً أن الأندية مطالبة بضم صفقات من حجم ونوعية أوزيل إذا ما أرادت المنافسة على البطولات القارية خاصة الدوري الأوروبي (يوروبا ليغ)، في ظل تفوق الدوريات الخمس الكبرى (إنجلترا، إسبانيا، إيطاليا، ألمانيا، فرنسا) بأبرز البطولات دوري أبطال أوروبا.

مردود فني وتسويقي

من جانبه يرى المعلق الرياضي التونسي زياد عطية، أن كرة القدم التركية تمر بفترة جيدة وانتعاشة مع الألفية الثالثة جعلتها وجهة لنجوم عالميين آخرهم أوزيل.

ووصف عطية في حديثه لـTRT عربي، انضمام أوزيل لفنربهتشة بأنه "صفقة سوبر للدوري التركي"، تزامناً مع نجاح غلطة سراي في الظفر بخدمات مصطفى محمد، الذي قال: إنه "أفضل مهاجم إفريقي داخل القارة السمراء".

ولفت إلى أن الميركاتو الشتوي جاء مثيراً في ظل تعاقد أندية الدوري التركي مع لاعبين من مختلف الجنسيات، وهو ما اعتبره "خطوة جيدة جداً لتقوية أداء البطولة التركية وزيادة نسقها".

وشدد على أن الصفقات الجديدة سيكون مردودها في المستوى المطلوب فنياً وتسويقياً، "كونها ستساهم في زيادة عدد المتابعين والمشاهدين للدوري"، مستدلاً بقدوم لاعبين وافدين من دول متابعة لكرة القدم مثل مصر، وبالتالي سيكون لها مردود مالي عبر مضاعفة العائدات والإيرادات.

ويعتقد أن انعكاس الصفقات الوافدة حديثاً قد يكون إيجابياً على الأندية المشاركة في المسابقات الأوروبية، خصوصاً للاعبي الخبرة وأصحاب المهارات العالية، لكنه يرى أن الأندية التركية مطالبة بـ"حسن إدارة المراحل ما قبل دخول المغامرة القارية التي تحتاج إلى مخطط كامل إذا ما نظرنا إلى قوة المنافسة، وصعود فرق حديثة وضعت لنفسها مكانة مثل لايبزيغ وأتالانتا".

وبشأن الدوري التركي يؤكد المعلق الرياضي أن هناك تطوراً ملحوظاً في السنوات الماضية جعله يصل إلى قائمة أفضل 10 دوريات في العالم، مستدركاً قوله إن تراجع البطولة المحلية في التصنيف الجديد الصادر عن الاتحاد الدولي للتأريخ والإحصاء "لا يعكس القفزة التي حدثت".

وشدد على ضرورة تسهيل الاستثمار في الأندية وفتح المجال أمام كبرى الشركات خاصة الخليجية منها، مستنداً في رأيه على تجارب ناجحة كباريس سان جيرمان الفرنسي ومانشستر سيتي الإنجليزي، فضلاً عن فتح أسواق جديدة لقنوات البث التلفزي والتعاقد مع ناقلين جدد لمنافسات البطولات التركية.

إنجازات تاريخية

يذكر أن المنتخب التركي حقق إنجازاً تاريخياً بالوصول إلى المربع الذهبي من بطولة كأس العالم، التي نظمتها كوريا الجنوبية واليابان عام 2002، وتُوّج بالميدالية البرونزية إثر حلوله ثالثاً، بعد سقوطه بشق الأنفس في نصف النهائي أمام البرازيل المتوجة باللقب لاحقاً بهدف نظيف.

كما أن منتخب "النجمة والهلال" بلغ نصف نهائي بطولة كأس الأمم الأوروبية عام 2008 التي نظمتها النمسا وسويسرا بشكل مشترك، عندما خسر بصعوبة أمام ألمانيا في "المربع الذهبي" بنتيجة (2-3)، فيما كان الإنجاز القاري الأبرز للأندية التركية من نصيب غلطة سراي الفائز بلقبي كأس الاتحاد الأوروبي و"السوبر الأوروبي" على حساب أرسنال الإنجليزي (2001) وريال مدريد الإسباني (2000) توالياً.

TRT عربي