سعى السيسي للتغلب على التحديات الاقتصادية من خلال اللجوء إلى "جهات خارجية مفضَّلة" (Africanews)

أقدمت الحكومة المصرية في السنوات الأخيرة على خطوة الاقتراض من صندوق النقد الدولي، بعد سنوات من تلقِّي مساعدات من دول خليجية. ويرى مراقبون أن قروض صندوق النقد "سيئ السمعة"، تتسبب في عواقب صعبة على الشعب المصري.

فإلى أي مدى يتأثر الشعب المصري بالقروض المليارية التي تُقدِم عليها القاهرة مؤخراً؟ وما علاقة قرار رفع الدعم عن الخبز بتوصيات صندوق النقد الدولي؟

الاقتراض: خيار استراتيجي للقاهرة؟

اتّبعت الحكومة المصرية مسيرة طويلة للاقتراض لمحاولة سد عجز ميزانيتها والتغلب على معدل الدين العامّ المرتفع، إضافة إلى تحديات هيكلية خلّفتها الأنظمة المتعاقبة على الحكم في القاهرة.

وقبل إقدام الحكومة المصرية على خطوة الاقتراض من صندوق النقد، سعى الرئيس عبد الفتاح السيسي للتغلب على التحديات الاقتصادية من خلال اللجوء إلى "جهات خارجية مفضَّلة"، هم حلفاء الخليج الذين قدّموا حزم مساعدات مالية متتالية لمصر.

وتأتي الإمارات والكويت والسعودية كأهمّ الدول مانحة المساعدات والمعونات المالية لمصر في الفترة الماضية، إذ أنفقت الرياض وحدها نحو 25 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الأولى من حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي (2014-2016).

فيما يقدَّر إجمالي "المساعدات الخليجية" التي تلقتها الحكومات المصرية المتعاقبة منذ ثورة يناير/كانون الثاني 2011 بنحو 92 مليار دولار.

ويرى مراقبون أن الرئيس المصري أدرك لاحقاً فداحة الاعتماد على "أموال الخليج" دون إصلاحات هيكلية واقتصادية، لتتغير قبلة القاهرة غرباً نحو صندوق النقد.

وفي الأعوام الستة الأخيرة أقدمت القاهرة على حِمل يرى خبراء اقتصاديون أنه "يثقل كاهلها" على المدى الطويل.

فقد حصلت مصر على 3 قروض بمجمل 20 مليار دولار قُدّمت من صندوق النقد الدولي منذ عام 2016 حتى يونيو/حزيران من العام الجاري.

وبدأت سلسلة قروض صندوق النقد في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، حين وافق الصندوق الدولي على إقراض مصر 12 مليار دولار، تُصرَف على شرائح تمتد 6 سنوات.

وقبل نهاية المدة المحددة، حصلت مصر منذ بدء جائحة كورونا على حزمة تمويلية إضافية من صندوق النقد الدولي بقيمة 8 مليارات دولار، صُرف منها 2.8 مليار مباشرةً بموجب "أداة التمويل السريع".

ثم حصلت مصر على الحزمة الثانية بقيمة 5.2 مليار دولار، ضمن برنامج "اتفاق الاستعداد الائتماني"، لتصرف الحزمة الثانية على مدار 12 شهرا عبر 3 شرائح، كان آخرها شريحة بقيمة 1.6 مليار دولار، صُرفت منذ شهرين فقط.

ويقدِّر مراقبون إجمالي الدين الخارجي للنظام المصري بـ230 مليار دولار، وهو ضعف ما تعلنه القاهرة من أرقام رسمية، حسب المصدر ذاته.

وينتقد محمود وهبة، أستاذ الاقتصاد ورجل الأعمال المصري، هذا النهج بشدة، ويصف الأمر بقوله: "الدولة لجأت إلى طريقة سداد أعترض عليها وأحذّر منها كثيراً، هي أخذ ديون جديدة لسداد ديون قديمة، وهي عملية نصب. لو توقّف آخر مُقرِض فستنفرط السلسلة، وهو أمر يحدث فجأة دون أن تدري، وسيؤدي إلى انفجار، بمعنى أنك ستتوقف عن سداد الديون رغما عنك، وتصبح مصر دولة مفلسة".

ماذا يجني الشعب المصري جراء القروض المليارية؟

يرى خبراء أن المشكلة الرئيسية وراء سلسلة القروض التي تقلتها الحكومة المصرية تكمن في شقّين أساسيين: أولاً الشروط الاقتصادية القاسية التي يفرضها صندوق النقد الدولي على مصر، والتي تأتي في إطار "أجندة إصلاح" تهدف إلى معالجة الاقتصاد الكلي لكنها تهمل المواطن وحاجاته الأساسية. وثانياً إنهاك الدولة على المدى البعيد وإلزام الأجيال القادمة سداد قروض لا قبل لهم بها.

ترتكز "الأجندة الإصلاحية" المفروضة من البنك الدولي على مصر على ثلاثة محاور إصلاح أساسية: نقدية ومالية وهيكلية، تهدف إلى خلق "انتعاش" للاقتصاد المصري على المستوى الكلي الحكومي والمؤسساتي، لا معالجة ما يعاني منه المواطن على الأرض، بل تنصّ على فرض نمط اقتصادي "نيو ليبرالي صارم"، تقطع من خلاله إعانات الدولة للمواطنين وتضرب حاجاتهم الأساسية.

فعلى الصعيد النقدي، فُرِض على مصر سياسة سعر صرف مرنة للعملة، وهو ما أدّى إلى قرار تعويم الجنيه المصري في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، أي بالتزامن مع قرار صندوق النقد منح مصر أول القروض.

وتقهقرت قيمة الجنيه المصري حينها من 8.88 لكل دولار إلى نحو 16 جنيهاً، ليؤدِّي قرار "التعويم" إلى حالة تضخم غير مسبوقة تشهدها البلاد، ويعاني منها الشعب المصري حتى اليوم.

وعلى الصعيد المالي، تنص توصيات صندوق النقد على تقليص ميزانية الدولة وتعزيز إيرادات الحكومة، وهو الجانب الأكثر جدلاً، إذ يتضمن تقليص إعانات الوقود وضبط إجمالي الأجور في القطاع العامّ، وهو الأمر نفسه الذي يرى مراقبون أن الحكومة المصرية أقدمت بموجبه على خطوة رفع الدعم عن الخبز، لترتفع قيمته بنسبة 300%.

وعلى الصعيد الهيكلي يدفع صندوق النقد تجاه إصلاحات هيكلية بحتة، مثل تبسيط عملية منح التراخيص الصناعية، وتوفير تمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وتطوير شبكة وسائل النقل، وجعله أكثر أماناً، بالأخصّ للمرأة.

يقول اقتصاديون إن القروض تضع الأجيال القادمة من المصريين في مأزق لا ناقة لهم فيه ولا جمل، إذ ترغم مصر على سداد القروض بنسبة فائدة عالية، ويُحدَّد وفقاً لصندوق النقد سعر الفائدة على الاقتراض عند 100 نقطة أساس على سعر الفائدة لحقوق السحب الخاصة، التي قُدرت بـ0.082%.

ورفع صندوق النقد الرسوم الإضافية إلى 300 نقطة أساس في ظل اقتراض مصر نسبة أعلى تبلغ 187.5% من الحصة المخصصة لها في الصندوق.

ويرى الخبير الاقتصادي محمود وهبة أن تلك القروض تسبب إنهاكاً لاقتصاد مصر، وندّد بانعكاساتها المستقبلية على الأجيال القادمة من الشعب المصري، فيقول: "عندما لم نجد استجابة ذهبنا إلى لمؤسسات المقرضة لمصر مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، وقلنا لهم إن هذه القروض التي تقرضونها للنظام المصري ديون فاسدة، والشعب المصري ليس عليه التزام تجاه هذه الديون".

وتؤكّد بسمة المومني، أستاذة العلوم السياسية في جامعة واترلو، أن القروض التي تحصل عليها مصر لا تعالج مشكلات الفقر وعدم المساواة والفساد، بل "لا تزال تلقي بحملٍ ثقيل على كاهل مصر".

وأردفت المومني: "ستبقى الإجراءات الرسمية الإدارية وقمع الأصوات المعارضة وغياب الشفافية المستمرّ في قرارات السياسة عقبةً أمام جهود تحسين اقتصاد مصر المتعثّر. لهذه الغاية يتطلّب تنفيذ هذه السياسات الموصي بها التزاماً كبيراً من الجهات المعنية من أجل إحداث تغييرات ضرورية في البيئة المصرية الاجتماعية والسياسية الحالية".

TRT عربي
الأكثر تداولاً