تهاجم وسائل الإعلام ووكالات الأنباء العالمية الجهود التي تقوم بها تركيا ضد التنظيمات الإرهابية، أمثال PKK ومنظمة غولن وداعش، فضلاً عن تجاهلها لجهود تركيا الكبيرة في مكافحة جائحة كورونا (Others)

الحرب الإعلامية على تركيا ليست وليدة السنوات القليلة الماضية، بل هي مستمرة منذ فترة حكم الدولة العثمانية، أي منذ نشأة الصحافة الغربية بمفهومها الأول. ففي الربع الأخير من القرن التاسع عشر باشرت وسائل الإعلام الغربية بنشر رسوم كاريكاتورية مهينة وقبيحة شبّهت الدولة العثمانية "رجل مريض" يحتضر في ضمادات يُنتظر موته من أجل مشاركة أملاكه، في إشارة واضحة إلى استهداف السلطان عبد الحميد الثاني شخصياً.

ومنذ بدايات القرن العشرين، هاجمت وسائل الإعلام الغربية بشكل واضح وصريح مصالح تركيا في القضايا الوطنية الرئيسية، مثل حرب الاستقلال وعمليّة السّلام القبرصية، وفضّلت تمجيد الانقلابين ومحاولاتهم في الذهاب بتركيا إلى نفق مظلم منذ العام 1960 وصولاً إلى محاولة الانقلاب الأخيرة عام 2016.

ومؤخراً، حافظت وسائل الإعلام ووكالات الأنباء العالمية على استمرار النهج نفسه في مهاجمة الجهود التي تقوم بها تركيا ضد التنظيمات الإرهابية، أمثال PKK ومنظمة غولن وداعش، فضلاً عن تجاهلها لجهود تركيا الكبيرة في مكافحة جائحة كورونا.

تجاهل النجاحات في مكافحة كورونا

في الوقت الذي شهدنا فيه فشل النظام الصحي بالتصدي لجائحة كورونا في معظم الدول، وعجز بلدان مثل الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا في التعامل مع الفيروس الذي انتشر بين مواطنيهم وحصد أرواحاً كثيرة، تمكّنت تركيا عبر نظامها الصحي الكبير والمتطور مِن التخفيف من أثر الجائحة بشكل ملحوظ مقارنة بدول العالم المتقدّم، وساهمت التدابير الاحترازية المبكرة التي اتبعتها الحكومة التركية في الحدّ من انتشار الفيروس بشكل يخرج عن السيطرة.

وعلى الرغم من جهود تركيا الكبيرة في مكافحة جائحة كورونا محلياً وعالمياً، إذ لم يقتصر دور الحكومة التركية على تقديم الرعاية الصحية والدعم لمواطنيها فقط، بل أرسلت المساعدات الطبية والملابس الطبية الواقية لعدد كبير من الدول حول العالم، بما فيهم الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهم من الدول الأوروبية، إلا أنّ وسائل الإعلام الغربية تجاهلت هذه الجهود وقللت من شأنها، وفي هذا الصدد أعرب رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية فخر الدين ألطون عن أسفه، وقال: "على الرغم مِن أننا البلد الذي يخوض كفاحاً أكثر فعالية ضدّ الجائحة في الداخل والخارج، للأسف فإن وسائل الإعلام الدولية تتجاهل نجاحات تركيا".

وفي السياق ذاته، لم تكتفِ وسائل الإعلام ووكالات الأنباء العالمية بتجاهل الجهود التركية وحسب، بل قامت باختيار مشاهد وصور تسيء لتركيا في خضمّ عرضها لأخبار كورونا وقرارات الحكومة التركية المتعلقة بإجراءات الوقاية والتخفيف من القيود المفروضة على السفر وإغلاق المطاعم، كان آخرها ما قمت به وكالة رويترز عندما نقلت تخفيف الحكومة التركية لقيود كورونا بدءاً من يوليو/تموز القادم، والتي لاقت سخطاً حكومياً وشعبياً واسعاً.

من 27 مايو/أيار إلى 15 يوليو/تموز

ازدادت حدّة المعاداة التي انتهجتها وسائل الإعلام الغربية في الفترات التي كانت فيها تركيا تميل إلى البحث عن بدائل لشركاء غير غربيين، بالإضافة لفترات الانقلابات العسكرية التي كانت السبب في عيش تركيا أحلك لياليها، حيث أشادت بالانقلابين الذين اغتصبوا الإرادة الوطنية على مدار الطريق الممتد من 27 مايو/أيار 1960 إلى 15 يوليو/تموز 2016، فيما وضعت الشعب التركي ومسؤوليه الشرعيين في دائرة النقد والافتراء والمغالطة.

وفي وقت مبكر من عام 1958، وضعت مجلة التايمز الأمريكية صورة رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس على الغلاف، مصورةً رأسه ملقى على المِقصلة، وكتبت في صفحاتها الداخلية "مع كل عام يبقى مندريس فيه بالسلطة يصبح أكثر استبدادية"، وفي سياق آخر كتبت "إنه غاضب من الجميع ويسجنهم"، محضّرةً في ذلك المناخ اللازم من أجل حدوث الانقلاب العسكري في 27 مايو/أيار 1960، وإعدام مندريس لاحقاً.

وإذا أخذنا مجلة التايمز كمثال، نجدها قد وضعت صورة قائد الجيش الانقلابي كينان إيفرين على خلاف مجلتها وقدمته للعالم على أنه موحّد تركيا بعد انقلابه في 12 سبتمبر/أيلول 1980، وإغلاقه الأحزاب التركية بهدف قتل الديمقراطية في تركيا، بالإضافة لدعمها للجيش التركي بعد إطاحته بحكومة الرفاه بقيادة أربكان بما يُعرف بـ"انقلاب ما بعد الحداثة" في 28 فبراير/شباط 1997، وكتبت "الجيش طرد أربكان".

ولم ينقطع دعم المجلة للانقلابين قط، بل نجده مستمراً وصولاً إلى الانقلاب الفاشل الذي قامت به منظمة غولن الإرهابية يوم 15 يوليو/تموز 2016. فبدلاً من الاحتفاء بالشعب التركي وببطولته في صدّ الانقلابيين، ندبت التايمز حظّها لأن الانقلاب لم ينجح، وعنونت كاتبة "أطول ليالي تركيا" و"الآن يمكن أن يكون الأمر أسوأ".

أربعة وسائل مختلفة لمهاجمة تركيا

مجرد إلقاء نظرة سريعة على الصحف والمجلات ومحطات التلفزة ومواقع الإنترنت، يتبين أن تركيا تحوز مساحة تغطية واسعة على وسائل الإعلام الغربية، فيما تحظى الأخبار القادمة من تركيا بمعالجة غير دقيقة ومزيفة في بعض الأحيان، ومن ثمّ يُعاد تدويرها بشكل يُظهر معاداة الغرب لتركيا من أجل بثّها مجدداً إلى العالم وتركيا بصورة مشوهة ومزيفة.

وفي العادة، يعتمد صانعو المحتوى على أربعة مصادر من أجل جمع الأخبار والمنشورات، في المصدر الأول تأتي وكالات الأنباء الكبرى التي تبثّ على نطاق عالمي مثل (AP) و(Reuters) و(AFP)، حيث قد تظهر الأخبار الواردة من وكالات الأنباء كأخبار مشوّهة في وسائل إعلام محلية، في الولايات المتحدة أو في صحيفة محلية في ألمانيا، بصرف النظر عن وسائل الإعلام الرئيسية.

والمصدر الثاني يتكوّن من الأخبار والصور والفيديوهات المصوّرة، فضلاً عن التعليقات التي يُعدّها المراسلون العاملون في تركيا لوسائل الإعلام الكبرى التي لديها شبكات إعلامية على مستوى العالم بلغات مختلفة، أمثال (CNN) و(Spiegel) و(Fox) و(Sky News) و(The Economist) و(Financial Times) و(New York Times) و(Washington Post).

فيما تأتي وسائل الإعلام الأجنبية التي تبثّ مباشرة باللغة التركية في تركيا في المصدر الثالث، والتي ازداد نشاطها بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة وبدأت في جذب انتباه الجمهور مؤخراً، مثل (BBC Turkish) و(Voice of America) و(Deutsche Welle)، وشهدت السنوات الأخيرة أيضاً ظهور وسائل إعلام ناطقة بالتركية مملوكة لكلٍّ مِن روسيا والصين. أما النوع الرابع والأقل تفضيلاً بشكل عام، فهو عبارة عن الأخبار التي تُقدّم إلى الجمهور التركي من خلال البرامج الإخبارية التي تقدّمها وسائل الإعلام التركية.

TRT عربي
الأكثر تداولاً