شكّلَت الضربة الأمريكية الأخيرة على مواقع للمليشيات العراقية الموالية لإيران في دير الزور السورية خطوة متقدمة في استراتيجية إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تجاه إيران ونفوذها في العراق وسوريا.

يرى مراقبون أن هذه الخطوة تشكّل أول ملامح سياسة بايدن تجاه الملف السوري على وجه التحديد، وذلك بعدما وصفت هذه السياسة بأنها غير قابلة للتنبؤ، نظراً إلى تناقض المؤشرات بشأنها.

فمن ناحية، تبدو إدارة بايدن حريصة على إبرام تسوية مع إيران مشابهة لتلك التي أُبرمت في عهد إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، والتي تطلبت تنازلات أمريكية، ليس على صعيد الملف النووي فحسب، بل على صعيد النفوذ والحضور الإيراني العسكري والسياسي الكبير في عدد من دول المنطقة، وفي مقدمة هذه الدول سوريا.

ومن ناحية أخرى، تشير الضربة العسكرية الأولى في عهد إدارة بايدن إلى أهداف داخل مناطق نفوذ النظام السوري بجانب مواقف عدد من أعضاء الإدارة المؤثرين الصارمة تجاه الأسد، إلى أن الإدارة الأمريكية الجديدة قد تحمل رؤية مختلفة للملف السوري عن تلك التي كانت تحملها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، والتي يُنظر إلى إدارة بايدن على أنها مجرد امتداد لها.

أول إشارة عملية

أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية في 25 فبراير/شباط الماضي أن مقاتلاتها شنّت غارات على مواقع عسكرية تستخدمها مليشيات مدعومة من إيران في شرق سوريا بما فيها "كتائب حزب الله" و"كتائب سيد الشهداء"، وذلك رداً على الهجمات الصاروخية الأخيرة التي استهدفت القوات الأمريكية في مدينة أربيل شمالي العراق، والمنطقة الخضراء في العاصمة بغداد.

ولاحقاً قال وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن: "نحن نعرف ما ضربناه"، فيما علّق بايدن على الضربة بالقول إن على إيران أن تنظر إليها على أنها تحذير، وأضاف: "لن تُفلِتوا من العقاب. احذروا".

وعلى الرغم من أن الضربة استهدفت مليشيات عراقية موالية لإيران، فإن استهداف هذه المليشيات داخل الأراضي السورية ينطوي على دلالة بشأن موقف إدارة بايدن من سلطة وشرعية النظام السوري، وقد تشكّل أول إشارة عملية على أن الإدارة الأمريكية الجديدة ليست بصدد تعديل سياسات الإدارة السابقة المتعلقة بالملف السوري، وهذا ما تعتقد به المعارضة على الأقل.

يقول يحيى مكتبي، القيادي في الائتلاف الوطني السوري، أبرز تشكيلات المعارضة السورية، إن الضربة الأمريكية الأخيرة "مؤشر على أن الإدارة الأمريكية الحالية لن تغيّر سياسة تضييق الخناق على نظام بشار الأسد".

ويضيف مكتبي، وهو عضو في الهيئة السياسية للائتلاف السوري المعارض، في تصريح لـTRT عربي، أن إدارة بايدن تسعى "لجرّ النظام إلى طاولة المفاوضات وتقديم ما يقتضيه دفع العملية السياسية قدماً نحو الأمام".

أوراق قوة

على الرغم من توجُّه الإدارة الأمريكية الحالية المشابه لتوجه إدارة أوباما بشأن احتواء إيران عبر الاتفاق النووي وتجنب سياسة الضغوط القصوى تجاهها، وهي السياسة التي نجم عنها غضّ الطرف الأمريكي تجاه الحضور الإيراني في سوريا، ومن ثم تجاه جرائم نظام الأسد ولا سيما استخدامه السلاح الكيماوي ضد المدنيين مراراً، فإن إدارة بايدن قد تفصل بين الملف السوري والملف الإيراني في هذا الصدد.

ويلاحظ أن معظم أعضاء الإدارة الأمريكية الحالية يتخذون مواقف صارمة من النظام السوري، سواء خلال الحملة الانتخابية التي سبقت فوز بايدن بالرئاسة، أو حتى في عهد أوباما. ولوزير الدفاع الجديد لويد أوستن، ونائبة الرئيس كامالا هاريس، ووزير الخارجية أنتوني بلينكن، ومستشار الأمن القومي جاك سوليفان، مواقف مناهضة لبشار الأسد ونظامه، وقد دعا بعضهم إلى التحرك لوضع حد لانتهاكات النظام وجرائمه وتوجيه ضربة عسكرية إليه في بعض المراحل.

القيادي في المعارضة السورية يحيى مكتبي استبعد أن تستمر في عهد بايدن السياسة التي انتهجها أوباما، القائمة على احتواء إيران عبر الاتفاق النووي واعتباره إنجازاً تاريخياً.

واستدرك: "نعم، توجد رغبة في العودة إلى الاتفاق النووي، ولكن بشروط وضوابط جديدة".

وكشف مكتبي لـTRT عربي أن التواصل بين قيادة الائتلاف وبعض مسؤولي الإدارة الأمريكية الجديدة "لم ينقطع"، موضحاً أنه "ستزور قيادة الائتلاف خلال الفترة القريبة القادمة واشنطن للاطلاع من كثب على التصورات الأمريكية على الوضع في سوريا وما يمكن أن يدفع بالعملية السياسية بشكل حقيقي وجدي، وإرغام نظام الأسد على التجاوب مع مقتضياتها".

ويتفق الكاتب والأكاديمي السوري عبد الرحمن الحاج مع مكتبي في أن بايدن لا يمكنه أن يسير على خطا أوباما في ما يتعلق بالنظام السوري.

يقول الحاج في حديث مع TRT عربي، إن إدارة ترامب فرضت مجموعة من الوقائع، "منها رسم مناطق نفوذ، ومنها السيطرة الاستراتيجية على شرق الفرات وموارد الطاقة والمياه والنفط والحبوب، والحصار الاقتصادي بقانون قيصر، والعقاب المباشر مع أي تجاوز لاستخدام السلاح الكيميائي".

وأضاف: "كل هذه الوقائع تمثل مصادر قوة للأمريكيين للتأثير في مستقبل الحلّ في سوريا، وهذا يعني أنها أوراق قوة ليس بمقدور إدارة بايدن التخلي عنها مجاناً".

كما استبعد الأكاديمي السوري أن "تكون إدارة بايدن قادرة على إدارة ظهرها لجميع حلفائها بما فيهم إسرائيل، الذين تأذوا من إطلاق يد الإيرانيين في المنطقة بعهد أوباما، دون أن يكون لذلك آثار عميقة على الأمن العالمي".

ورأى أنه "لذلك ولأسباب عديدة، لا يبدو أن إدارة بايدن قادرة على منح الإيرانيين الحرية في الوجود والتأثير في المنطقة خصوصاً الوجود العسكري".

الحد الأدنى

تصاعد الحراك القضائي والقانوني الدولي المحموم لمحاسبة أفراد من النظام السوري متهمين إياه بارتكاب جرائم حرب وتعذيب وجرائم ضد الإنسانية، إضافة إلى قانون قيصر الأمريكي الذي يفرض على كل الإدارات الأمريكية المتعاقبة فرض عقوبات مشددة على النظام السوري والجهات والدول التي تتعامل معه اقتصادياً وعسكرياً، مما يجعل إدارة بايدن تحديداً أمام طريق إجباري في التعامل مع الملف السوري.

ويعتقد عبد الرحمن السراج، الباحث المتخصص في الشؤون الأمريكية، أن أهمية الحراك القضائي والقانوني الدولي وقانون قيصر بالتحديد تكمن في أنه "يجعل الكلفة صعبة على أي جهة تريد التعامل مع النظام السوري، وهذا ينطبق على كل الدول، والإدارة الامريكية من باب أولى".

وقال السراج في حديث مع TRT عربي: "لذلك فمن غير المتوقع إقدام الإدارة الأمريكية على نوع من التطبيع الاقتصادي"، مشيراً إلى أن "هذا الرادع فيه ثغرات" في ما يتعلق بالمساعدات الدولية، مستدركاً: "حتى الآن وفي ظل المعطيات الحالية، يشكل قانون قيصر حداً أدنى يمنع أي دولة من أن تتجاوزه أو تتعداه".

ونبه الباحث في الشأن الأمريكي إلى أنه يعتقد أن "أنشط مسؤولي الإدارة تجاه الملف السوري سيكون على الصعيد الإنساني لا على صعيد السياسة الخارجية الفعلية، فالضغط سيكون في إطار الملف الإنساني". ورأى أن الإدارة الأمريكية من المتوقع أن تؤيد بحزم "وثيقة فرنسا" التي يُنتظر حسب تسريبات أن يصدرها الاتحاد الأوروبي في 15 مارس/آذار الحالي.

وأشار إلى أنه من الممكن أن تصدر عن الإدارة بين فينة وأخرى "مواقف بروتوكولية" تعلن التمسك بالقرار 2254 الذي يفصل في عملية الانتقال السياسي في سوريا، مستشهداً بتغريدات البعثة الأمريكية في الأمم المتحدة.

وكانت السفيرة الأمريكية المعيَّنة حديثاً لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد، قالت إن بلادها تقف إلى جانب الشعب والمجتمع المدني السوري، وأكدت أن مجموعة واسعة من الشركاء الدوليين يطالبون بالمساءلة ويدعمون الحلّ السياسي وفق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.

TRT عربي