لطالما كانت منطقة البحر الأسود شاهدة على عدة توترات، ومسرحاً تتنافس فيه مختلف القوى الإقليمية. إلا أنّ وتيرة التحرّكات قد تصاعدت خلال الفترة الأخيرة، حتى تكاد تكون المنطقة أخطرَ نقطة اشتعال على الجانب الشرقي لحلف شمال الأطلسي "ناتو".

تُعتبر التحرّكات الأخيرة والأحداث المتلاحقة في منطقة البحر الأسود، مؤشراً واضحاً على ما تكتسبه المنطقة من أهمية جيوستراتيجية وتاريخية للعديد من الدول والقوى الإقليمية، تستدعي اليوم انتباه الكثيرين.

وإن لم يكن الصراع في منطقة البحر الأسود بين عدة دول جديداً، إلا أنه اليوم بدأ يتّخذ منحى آخر، ليصبح مسرحاً للمعارك ومحوراً في الوقت ذاته للصراع.

ومن إعلان تركيا وجود احتياطي ضخم للغاز بالمنطقة، مروراً بتدشين روسيا لأسطول بحري ضخم هناك، إلى المناورات الأمريكية فوق المياه السوداء، تتجه الأنظار نحو منطقة الصدام القديمة الجديدة بين الدول الكبرى، وسط تباين في التقييمات والترجيحات إلى ما ستؤول إليه الأوضاع هناك.

منطقة روسيا الآمنة

على عكس ما يُشاع، فإنّ السبب الحقيقي وراء تسميته بالبحر الأسود يعود إلى كثرة الغيوم فوقه. وتطل عليه ستّ دول وهي روسيا، وتركيا، وأوكرانيا، وجورجيا، ورومانيا، وبلغاريا. وتحتوي المنطقة على موارد النفط والغاز وخطوط أنابيب الطاقة الرئيسية وممرات الشحن وأسلاك الألياف الضوئية.

وإضافة إلى كونها منطقة غنية بالموارد الطبيعية والمنتجعات السياحية، ونقطة التقاء لأهم الممرات الاقتصادية والعسكرية، فإنها تُعتبر أيضاً في الوقت ذاته أحد أبرز المنافذ للبحرية الروسية نحو المياه الدافئة.

وعلى ضوء ذلك، تعدّه روسيا منطقة استراتيجية لها، حيث إنه يُمثّل ممراً بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، ومدخل روسيا الوحيد إلى البحر الأبيض المتوسط. ولذلك مع ارتفاع حدّة الصراع الروسي الأوروبي، تزداد أهمية البحر الأسود كأكثر المناطق آمناً لروسيا خلال حروبها ضد المعسكرات الغربية.

وانطلاقاً من اعتقادها بأنّ نطاق أمنها القومي والحيوي يشمل بالضرورة منطقة البحر الأسود، لم تدّخر روسيا الجهد في مزيد بسط سيطرتها ونفوذها بما أُتيحت في ذلك من وسائل. حيث اعتبرت أنّ حلف شمال الأطلسي قد بدأ يتمدد في المنطقة، واستشعاراً منها بالتهديد، أوقفت موسكو سنة 2006 وسنة 2009، إمدادات الغاز الطبيعي إلى أوروبا من خلال أوكرانيا، وزادت بعد ذلك في سعر الغاز الأوروبي، كوسيلة ضغط.

اعترفت روسيا صيف عام 2008 بأوسيتيا الجنوبية دولة مستقلة عن جورجيا وذلك عقب حرب الأيام الخمسة بين روسيا وجورجيا التي فقدت فيها تبليسي سيطرتها على إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا اللذين حصلا على اعتراف روسيا بهما دولتين مستقلتين عن السيادة الجورجية.، ولم تتوقف عند ذلك الحد وغزت القرم في مارس/آذار 2014. وبعد أن تمكنت من بسط سيطرتها، بدأت فعلياً في تعزيز قوتها العسكرية وأساطيلها البحرية، استعداداً لأية مواجهة.

ولم يفوّت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الفرصة، في 25 يوليو/تموز الماضي، حينما ألقى خطاباً جماهيرياً حماسياً، لاستعراض "الإنجاز المبهر" الذي تمكنّوا من إحرازه، وذلك من خلال التحديث العسكري وتطوير المعدات والأساطيل البحرية، التي زادت من نفوذها كذلك في شرق البحر الأبيض المتوسط، وكان ذلك بمثابة الرسالة التي تلقّفتها العديد من الدول ببالغ الحيطة والحذر.

وبينما لا تزال موسكو تصرّ على كون المياه الإقليمية المحيطة بشبه جزيرة القرم ضمن مياهها الإقليمية، احتدّ التوتر واندلعت مواجهات بينها وبين بريطانيا خلال شهر يونيو/حزيران الماضي في المنطقة، إذ تدّعي الأخيرة الحقّ في عبورها مياه المنطقة بموجب البند الوارد في اتفاقية الأمم المتحدة عن قانون البحار، فيما تصرّ روسيا أنه اختراق لمياهها الإقليمية.

وانطلاقا من اعتبار البحر الأسود الذي يتمدد فيه اليوم النفوذ الروسي، جزءاً من الأمن الأوروبي والأطلسي، وفي إطار مواجه هيمنة موسكو على المنطقة ودعم الحلفاء في الـ"ناتو"، أرسلت القوات الأمريكية سفناً حربية في وقت سابق إلى المياه الإقليمية. وكشفت مصادر أمنية روسية مؤخراً اعتراضها مقاتلتَي "سو 30" قاذفتين استراتيجيتين أمريكيتين من طراز "B-1 B" فوق البحر الأسود، ما اعتبرتها تهديداً مباشراً لها.

وصرح مسؤولون روس أنّ تحركات الولايات المتحدة الأمريكية في مياه البحر الأسود قد تؤدي إلى تصعيد التوتر في المنطقة، معتبرين أنّ واشنطن تحاول بذلك "دفع الدول الساحلية المنتمية إلى حلف الناتو في حوض البحر الأسود إلى انتهاج سياسات صدامية إلى حد كبير".

ويرى خبراء ومحللون، أن تدافع طائرات سوخوي الروسية، الأسبوع المنقضي، قد يشير إلى نقطة اشتعال محتملة في الجانب الشرقي لحلف شمال الأطلسي "ناتو".

وبالرغم من أن الصراع في هذه المياه ليس جديداً، إلا أنه يمثل أهمية لا متناهية لروسيا في تأمين وصولها إلى المياه الدافئة في البحر الأبيض المتوسط وموازنة الوجود الأمريكي والأوروبي في كلا البحرين.

محاولة احتواء النفوذ الروسي

وبينما يحتدم الصراع مع المعسكر الغربي والولايات المتحدة التي تفصلها أميال عن البحر الأسود، يرجح خبراء ومحللون أنّ روسيا ربما قد تسعى في ذلك، خاصة مع انكفاء الحلفاء، إلى تعزيز العلاقة مع تركيا، الدولة المطلة على البحر الأسود والتي بحوزتها أهم المضائق فيه.

وإن كانت المنطقة، تستحوذ على أهمية حساسة لدى موسكو، فإنها في الوقت ذاته تمثّل أهمية جيوستراتيجية كبرى للدول الغربية، حيث إن مآلات الصراع في البحر الأسود قد تُحدد مستقبل أوروبا ومستقبل الدول المطلة عليه.

وفي هذا السياق فقد زاد حلف شمال الأطلسي وتيرة مناوراته في الفترة الأخيرة، وعزز تعاونه مع أوكرانيا وجورجيا، لمواجهة التمدد الروسي. وقد أقر البرلمان الأوكراني قانوناً يسمح بدخول وحدات لقوات مسلحة تابعة لدول أخرى إلى أراضي أوكرانيا في عام 2020.

كما طوّرت أوكرانيا, بالتعاون مع تركيا خلال الأشهر الماضية، خطة لتعزيز وتطوير الصناعات الدفاعية والأمنية، وذلك لمنع ما أسمته "سقوط البحر الأسود تحت الهيمنة الروسية والخضوع لأنشطة موسكو المزعزعة للاستقرار"، وتسلّمت بناءً على ذلك في يوليو/تموز الماضي أول مُسيّرة تركية هجومية من طراز "بيرقدار TB2".

وبالرغم من أنّ الجهود بين الدول الحلفاء والأعضاء بحلف شمال الأطلسي لا تزال مستمرة، لاحتواء النفوذ الروسي بالبحر الأسود، إلا أنّ الأهمية التي تحظى بها المنطقة تُنذر باستمرار التوتر.

TRT عربي
الأكثر تداولاً