في مشاهد مؤلمة نقل عديد من وسائل الإعلام المحلية والأجنبية صوراً لقوارب تُقِلّ أطفالاً تونسيين مهاجرين بطريقة غير نظامية إلى السواحل الإيطالية، لتسلّط هذه المأساة الضوء على مدى تردّي الظروف الاقتصادية والاجتماعية في تونس.

لطالما كان ركوب البحر سرّاً والهجرة غير النظامية أو "الحرقة" إلى سواحل أوروبا، مغامرة يقدم عليها الشباب كحل لإيجاد فرص أكبر للعمل ولتأسيس حياة أفضل، بعد أن كاد يكون ذلك شبه مستحيل في بلدان تضيق خناقها أزمات اقتصادية واجتماعية متتالية.

ولكن هذه الظاهرة أصبحت لافتة أكثر خلال الفترة الأخيرة، مع تسجيل ارتفاع مفزع لعدد الأطفال القصر الذين اختاروا بدورهم خوض هذه المغامرة المخيفة، هرباً من واقع سبّب لهم اليأس والإحباط في بلدانهم.

وسببت الأرقام التي كشفت عنها الدوائر الرسمية التونسية للإحصاء مؤخراً، فزع المنظمات الحقوقية ومنظمات رعاية الطفولة المحلية والأجنبية، التي دعت بدورها السلطات إلى الاحتواء السريع لهذه المأساة.

أرقام مفزعة

في تقرير نشره مؤخراً المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بلغ عدد الأطفال القصر الذين لا تتجاوز سنهم الثامنة عشرة والذين وصلوا بطرق غير نظامية إلى السواحل الإيطالية خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة الحالية 2021، نحو 2249 طفلاً، فيما قُدر عدد العائلات التي هاجرت بأكملها سرّاً عن طريق البحر بنحو 300 عائلة. ووفق التقرير فإن 48.7% من المهاجرين من جنسية تونسية، فيما تمثّل نسبة 51.2 % المهاجرين القادمين من جنوب الصحراء الإفريقية.

وقد شهدت هذه الأرقام ارتفاعاً قياسياً خلال الأشهر القليلة الماضية، ففي شهر يوليو/تموز الماضي أعلنت جمعية "الأرض للجميع" التي تُعنى بملفّ الهجرة غير النظامية، أن نحو 600 تونسي وصلوا عبر قوارب الهجرة غير النظامية إلى جزيرة لمبادوزا الإيطالية، وكان بينهم نحو 170 طفلاً وامرأة حاملاً.

وتشير الإحصائيات والأرقام التي تكشف عنها الدوائر الرسمية تباعاً، إلى أن عدد الأطفال الذين أقلّتهم قوارب صغيرة في رحلات الموت في البحر المتوسط، يُقدَّر بأكثر من 20% من العدد الكلي للمهاجرين.

وفي الوقت الذي كانت فيه صور جثث الأطفال التي حملتها الأمواج، أو صور القوارب التي اعترضها خفر السواحل لتقرر السماح لهم بالاجتياز إلى الضفة المقابلة أو العودة أدراجهم بعد رحلة شاقة ومخيفة، أثارت غضب الناشطين الحقوقيين، فإنها سلطت الضوء على فشل الحكومة التونسية والسلطات المعنيَّة باحتواء هذا المشكل وضمان مستقبل أفضل لهؤلاء الأطفال يحميهم من الوقوع في اليأس والإحباط، ومغادرة البلاد نحو مستقبل مجهول ربما لا يقلّ سوءاً عما هم فيه.

ما أسباب هذا النزيف المجتمعي؟

يعتبر خبراء وإخصائيون أن أسباب الهجرة بين جميع الفئات واحدة، وأهمها الإحباط واليأس من واقع اقتصادي واجتماعي متدهور، يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

ولعل الأزمة الخانقة التي تمر بها تونس في السنوات الأخيرة، وزادت حدتَها تداعياتُ انتشار جائحة كورونا، والأزمة السياسية التي ألقت بظلالها على القطاعات والمجالات كافة، أصبح يبدو معها لكثير من التونسيين في عدة تصريحات لهم، أن إصلاح ذلك أو التخفيف من وطأته سيستغرق وقتاً طويلاً في أحسن الحالات.

وفاقم ذلك انعدامُ ثقة الشباب والأطفال وجميع مكونات المجتمع، بالدولة التي عجزت عن تأمين مستقبل يحفظ كرامتهم ويؤمّن لهم المستوى الأدنى للعيش الكريم. ولم يكن بالإضافة إلى ذلك كله الحصول على التأشيرات بالأمر السهل أمام التونسيين للوصول إلى ما وصفوه بـ"الحلم الأوروبي"، فكان الخيار الوحيد المتبقي أمامهم، حسب رأيهم، تجاوز القانون والمراهنة بحياتهم بأكملها وركوب قوارب صغيرة جداً يمكن أن توصلهم إلى الجهة المقابلة أو أن تبتلعهم أمواج المتوسط، الذي أصبح يلقّبه سياسيون وحقوقيون بـ"مقبرة العالم".

ويكشف المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في تقريره الذي تَعرَّض لظاهرة هجرة القُصَّر غير النظامية، أن انقطاع الأطفال عن الدراسة يمثّل أيضاً سبباً إضافياً إلى جانب تردِّي الأوضاع المعيشية في تونس، حيث سجلت الإحصائيات الرسمية أنه ينقطع يومياً نحو 280 تلميذاً، ليبلغ العدد السنوي للأطفال الذي غادروا مقاعد الدراسة أكثر من 100 ألف تلميذ، فيما قُدّر العدد الإجمالي في السنوات العشر الأخيرة للمنقطعين بنحو مليون تلميذ، مقابل عجز منظومة التكوين المهني عن استيعاب المنقطعين وإدماجهم، وفشل مؤسسات الطفولة في تأطيرهم وتوجيههم، وتغيير في عقلية العائلات التي أصبحت لا تراهن على الدراسة ولا تشدّد على مواصلة أبنائها التعليم، في ظلّ ارتفاع نسبب البطالة في صفوف الجامعيين.

ومخافة أن يعلقوا ببراثن عالم الجريمة والعنف، فضّل عديد من العائلات التونسية الإلقاء بأبنائها في عُرض البحر، للبحث عن مستقبل أفضل.

TRT عربي