بلغت نسبة التضخم في منطقة اليورو خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي 4.9% (Others)
تابعنا

من أهمّ المخاطر الاقتصادية التي تسببت فيها الأزمة الصحية الجارية، ارتفاع مستويات التضخم عالمياً، خصوصاً داخل الاقتصادات الأوروبية، فيما يشير تقرير جديد إلى أن دول الاتحاد تواجه موجة جديدة من ارتفاع مستويات التضخم، لم تعِش مثلها منذ ثلاثين سنة.

وبلغت نسبة التضخم في منطقة اليورو خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي 4.9%، الذي يُعَدّ رقماً قياسياً للمنطقة خلال العقود الثلاثة الأخيرة. فبينما كان يبلغ خلال فترة الإغلاق العامّ سنة 2020، نسبة سالب 0.3%، أخذ في الارتفاع تدريجياً مع تخفيف الإجراءات الصحية ليصل إلى 4.1% في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، مع توقعات باستمراره في هذا المنحى الأشهر القادمة.

يأتي هذا وسط موجة احتجاجات عنيفة يشهدها معضم الدول الأوروبية ضدّ إجراءات الإغلاق الجديدة التي فرضتها الدول لمواجهة المتحور الجديد لفيروس كورونا. احتجاجات لها كذلك جذور اجتماعية واقتصادية، قد تزيد حدتُها الأوضاعَ الاقتصادية السائرة نحو تضييق الخناق على القدرة الشرائية للمواطن الأوروبي.

مستويات قياسية من التضخم

وحسب تقارير البنك الأوروبي المركزي، بلغ التضخم في منطقة اليورو في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي نسبة 4.9%. فيما كانت دول الاتحاد التي سجَّلت أعلى نسب له هي لتوانيا بـ9.3% وإستونيا بـ8.4% وبلجيكا بـ7.1% وألمانيا بـ6%، وعلى مستوى أقلّ من ذلك تأتي إسبانيا بـ5.6% وفرنسا بـ3.4%.

ويتوقع الخبراء الأوروبيون استمرار هذه النسب في الارتفاع طوال الشهور القادمة، عكس ما صرّح به البنك الأوروبي سابقاً من أن الأمر "سحابة عابرة"، إذ قال إيريك دور، الخبير الاقتصادي الفرنسي، في حديثه ليومية "لوموند"، إن "عديداً من العناصر يخبرنا بأن ارتفاع نسب التضخم ليس أمراً مؤقتاً".

ونقلاً عن المصدر نفسه، رجع الاقتصادي الفرنسي ماثيو بلان هذا الارتفاع إلى ارتفاع أسعار المحروقات، موضحاً أن "أكثر من نصف ارتفاعات الأسعار في فرنسا راجع إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وهي تساهم في بلوغنا مستويات قياسية أسرع من المتوقع". وفي نفس السياق أظهرت بيانات مكتب إحصاءات الاتحاد الأوروبي "يوروستات" أن ارتفاع التضخم كان مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة وزيادات ضريبية وتنامي ضغوط الأسعار نتيجة اختناقات العرض التي تحدّ من الإنتاج الصناعي، لا سيما في صناعة السيارات.

وحذَّر محافظ البنك المركزي الإسباني بابلو هيرنانديز دي كوس، يوم الاثنين من أي "سحب سابق لأوانه للتحفيز النقدي"، تزامناً مع نشر المفوضية الأوروبية نتائج استطلاعها الذي أظهر أن الثقة بالأوضاع الاقتصادية في منطقة اليورو تراجعت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بضغط من تدهور ثقة المستهلكين.

هل تشهد أوروبا انفجاراً احتجاجياً؟

مقابل هذا الواقع الذي يهدّد القدرة الشرائية الأوروبية بالنزول إلى أدنى مستوياتها، يرجّح مراقبون أن شوارع تلك البلدان ستشهد احتجاجات جديدة تُضاف إلى ما تعيشه طوال الأيام الأخيرة من احتجاج ضدّ فرض إجراءات احترازية جديدة لها كذلك جذور اجتماعية واقتصادية ظاهرة.

في فرنسا مثلًا انفجرت احتجاجات عنيفة في جزر غوادلوب ومارتينيك ضد فرض "الجواز الصحي" على شغيلة قطاعات الصحة والخدمات الاجتماعية، سرعان ما تحولت المطالبات فيها إلى طابع اجتماعي واقتصادي، نادى خلالها المحتجون بإصلاح البنية التحتية وتوفير الماء الصالح للشرب، والحدّ من تفشي البطالة، وتحمُّل الحكومة مسؤوليتها أمام ضحايا مبيد الكلورديكون.

في ألمانيا كذلك، بدأت الفاعليات النقابية في الغليان، مطالِبةً بزيادة في الرواتب جراء ضعف القدرة الشرائية بفعل التضخم. طلبٌ إجابته الحكومة بزيادة طفيفة لم تتعدَّ 0.9%، لا يعتبرها الخبير الاقتصادي الفرنسي إيريك دور، قادرة على إنهاء ذلك الغليان، لكونه لا يتخيل "أن يمرّ ضعف القدرة الشرائية الذي يتسبّب فيه التضخم بلا مطالبات جديدة بزيادة الرواتب".

هذا إضافة إلى احتمال مساهمة هذه الظروف الاقتصادية في إحياء موجات الاحتجاجات التي عرفها العالم، أوروبا على وجه التحديد، طَوال سنة 2019. في هذا الخصوص يذكر عالم الاجتماع البلجيكي جيوفري بلييرز، في دراسته "الجائحة بوصفها ساحة معركة"، على أن "الجائحة الصحية كرّست المشكلات الاجتماعية التي كانت موضوع احتجاجات الفترة السابقة لوقوعها"، وأن "هذه الاحتجاجات يمكنها العودة بقوة في مرحلة ما بعد الإغلاق العامّ".

وفي السياق نفسه تنبأ معهد "كارنيجي" في دراسة نشرها السنة الماضية، بأنه "مع الآثار الاقتصادية المؤلمة التي تسببت فيها الجائحة، وفضحها الخلل الكبير في الحكامة، أخذت رقعة الغضب الشعبي في التصاعد، ما سيُعبَّر عنه في احتجاجات واسعة ستحدث في الشهور اللاحقة لرفع الإجراءات الاحترازية".

TRT عربي
الأكثر تداولاً