يبلغ عدد جنود الجيش الصيني النشطين أكثر من 2.3 مليون جندي نشط، إضافة إلى 2.3 مليون آخرين في الاحتياط (AA)

رغم أن العلاقة بين الصين والهند ينتابها توتر دائم على خلفية النزاعات الحدودية الأطول في العالم كله، التي ما تفتأ تهدأ حتى تعود لتشتعل، وتتسبب في مواجهات ومناوشات عسكرية بين الجانبين، فإنها مؤخراً أصبحت تثير مخاوف وقلق المجتمع الدولي بشكل متزايد.

فخلال شهر يناير/كانون الثاني الماضي، وقع صدام بين القوات الهندية والقوات الصينية التي حاولت الدخول إلى الأراضي الهندية، مما أدَّى إلى وقوع إصابات، وذلك في ولاية سيكيم الواقعة شمالي الهند، التي تُعتبر منطقة حدودية بين البلدين.

ويأتي هذا الصدام بعد أشهر قليلة من المناوشات بين القوتين خلال شهر يونيو/حزيران 2020 في ولاية لداخ الواقعة على هضبة التبت، وأسفرت آنذاك عن مقتل عشرات الجنود الهنود.

وبينما تتواتر هذه الصدامات والمواجهات المستمرة بين الجانبين على الشريط الحدودي الفاصل بينهما، ومع ما أعقب ذلك من تطورات، تحذّر توقعات المحللين الاستراتيجيين والخبراء من احتمال نشوب حرب وشيكة بين القوتين.

فبالنظر إلى مقوّمات القوة الديموغرافية والعسكرية التي أصبح يحظى بها كلا البلدين، فإن اندلاع أي حرب بينهما ستكون عواقبه وخيمة على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وقد تمتد آثار ذلك إلى العالم كله.

قوتان متنافستان

اعتبرت صحيفة The National Interest في تقرير نشرته مؤخراً بعنوان "الصراع بين الصين والهند يمكن أن يطلق العنان لحرب عالمية ثالثة"، أن الحرب بين القوتين سيكون زلزالاً مدمراً لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وسيُسقِط آلاف الضحايا ويؤثّر بشدة على الاقتصاد العالمي.

ووفق ما أشارت إليه أرقام وإحصائيات رسمية، فإن كلا البلدين يملك عدداً كبيراً من السكان يزيد على 1.3 مليار نسمة، إضافة إلى أن الهند تملك أكبر جيش متطوع دائم يُقدَّر عدده بأكثر من 1.13 مليون جندي إلى جانب 2.1 مليون جندي في الاحتياط، ليحتلّ بذلك المرتبة الرابعة عالمياً لأقوى جيش.

أما الصين فيبلغ عدد جنودها النشطين أكثر من 2.3 مليون جندي نشط، إضافة إلى 2.3 مليون آخرين في الاحتياط، لتحتلّ بذلك المرتبة الأولى عالمياً لأقوى جيوش العالم.

وقد تَمكَّن البلدان المتنافسان من بناء قوة عسكرية ضخمة، في المجالات البري والبحري والجوي. وكانت محلية الصنع بالنسبة إلى بكين التي أحرزت في ذلك تقدماً لافتاً، بالإضافة إلى التطور التكنولوجي الذي لعب دوراً هاماً فيه، مقابل نيودلهي التي لا تزال متأخرة بضع خطوات، وقد اعتمدت كثيراً على الشراكات الاستراتيجية والصفقات العسكرية مع الحلفاء الإقليميين على غرار روسيا.

وإلى جانب القوة العسكرية والديموغرافية، فإن البلدين يملكان أقوى ترسانتين نوويتين في العالم، وبناءً على ذلك يرى خبراء ومحللون أنه لا يمكن قهر هاتين القوتين بسهولة في أي حرب، وإن اندلعت حرب بينهما فستكون حتماً مدمرة.

أما على الصعيد الاقتصادي فإن بكين ونيودلهي تحتلان مراتب متقدمة في ترتيب الناتج المحلي الإجمالي العالمي، لتكونا بذلك قوتين اقتصاديتين مؤثرتين على الصعيد العالمي.

مع ذلك تبقى الصين متجاوزة للاقتصاد الهندي بكثير، رغم الشراكة التجارية بينهما، وتتفوق عليه بما يناهز خمسة أضعاف، ما يوشك أن يبوّئها موقع القوة العالمية المهيمنة في منافسة شديدة مع الولايات المتحدة، وبالتالي فإن أي صدام بينهما ستكون تداعياته كارثية على الاقتصاد العالمي.

أطول خلاف حدودي

بينما يشتد الخلاف بين الجارتين المتنازعتين، ترجّح آراء خبراء ومحللين أن هذه المناوشات المستمرة مجرد استعراض للقوة بين البلدين، وليس دقاً لطبول الحرب، لأن كلا الطرفين موقن بفداحة ما سيترتب على أي حرب يمكن أن تشتعل بينهما.

جدير بالذكر أن كلا من الصين ونيودلهي يخوض حروباً باردة وصراعات متعددة الجبهات في الوقت الراهن، مع عديد من القوى الدولية، تتطلب كل منها ثقلاً عسكرياً وديموغرافياً وارتكازاً اقتصادياً، لذلك يتفق بعض الآراء على أن احتمال وقوع الحرب بينهما أمر مستبعَد، وإن كان لا شيء مضمون في الحقيقة في العلاقات الدولية.

ورغم أن هذه المواجهات العسكرية أو الصدامات الحدودية متكررة بينهما، فإنه قد حالت دون تطورها في الغالب المفاوضات السياسية والمناورات الدبلوماسية بين الجانبين.

ويعود أصل الخلاف بين الصين والهند إلى نزاعات حدودية تَسبَّب فيها بالأساس عدم الاتفاق على تعريف مشترك حول مفهوم "خطّ السيطرة الفعلي" الذي يرسم حدود البلدين، والذي يمتد طوله على 4057 كيلومتراً، وتقدره الهند بـ3488 كيلومتراً، فيما تعتبره الصين نحو 2000 كيلومتر، وفق تصريح سابق أجرته دويغو تشاغلا بيرم، الباحثة الاستراتيجية في مركز دراسات جامعة البحر الأسود التقنية مع وكالة الأناضول.

فبعد أن اندلعت حرب كبيرة بين جيش التحرير الشعبي والجيش الهندي عام 1959 على خلفية إيواء الهند الزعيم الروحي للتيبت الدالاي لاما بعد حملات قمع شرسة شنّتها الحكومة الصينية لمقاومة التيبت. واشتدّ الصراع بين الجانبين وبلغ ذروته في 10 أكتوبر/تشرين الأول 1962، لينتهي أخيراً بانتصار الصين التي أعلنت سيطرتها إثر ذلك على عدة مناطق هندية وفرضت خط السيطرة الحدودي لصالحها، إلا أنها لم تتمكن منذ ذلك الحين وإلى اليوم في حسم الصراع الحدودي الذي يشعل الخلاف باستمرار بين القوتين المتنافستين.

TRT عربي