شتاء أوروبا (imago)

يخوض العالم منذ الأشهر الماضية سِباقاً شرساً حول التزود بالغاز الطبيعي، ما أدى إلى ندرته في الأسواق العالمية وارتفاع أسعاره لتصل إلى مستويات قياسية. مرد ذلك، حسب محللين اقتصاديين، مسارعة الدول الصناعية إلى تحقيق الإقلاع الاقتصادي بعد سنتي الركود اللتين فرضتهما جائحة كورونا.

وفي أوروبا، على وجه التحديد، تسود المخاوف من شتاء قارس وثقيل بعد أن تعدَّت زيادة أسعار الغاز سقف 500%، حسب تقارير سابقة. زيادة أجبرت بعض منتجي الأسمدة هناك على خفض الإنتاج، كما أجبرت الحكومات الأوروبية على فرض زيادات على أسعار فواتير الكهرباء والتدفئة على مواطنيها.

تزيد هذه المخاوف التوتر بين جاريها الجنوبيين، المغرب والجزائر، ويتابع تصاعده مهدداً أنابيب الغاز الجزائري العابرة للمتوسط وشحنات الخضار والأسماك المغربية بالانقطاع.

سيناريو أزمة أوروبية!

أمام توجه أوروبي عام، بدأ منذ سنوات، التخلص من المحطات النووية في توليد الطاقة الكهربائية، ما يجعل الغاز في قلب تنافس واسع، تُسارع دول الاتحاد كل منها إلى تحصين حصتها من الواردات، ما أدى إلى ارتفاع صاروخي في أسعاره، بلغ حسب تقارير 500%.

هذا وبلغ يوم الجمعة سعر الغاز حدود الـ100 يورو لكل ميغاوات ساعة، وهو أعلى مستوى له على الإطلاق، بحيث لم يتعد سابقاً، سنة 2019، سقف 20 يورو للميغاوات ساعة. فيما تكافئ هذه الفاتورة الحالية من النفط سعر 190 دولاراً للبرميل، أي ضعف ما سجله برميل النفط فعلاً في اليوم نفسه.

وفقاً لهذا الواقع، تعيش منذ أسابيع دول أوروبية موجة احتجاجات شعبية رافضة للزيادات في فواتير الطاقة. على رأسها إسبانيا التي خرجت فيها مسيرات غاضبة رفضاً لقرار الحكومة زيادة فاتورة الكهرباء بـ40%، ودعا عدد من النقابات العمالية والأحزاب اليسارية إلى استمرار هذه الاحتجاجات في كل المدن الإسبانية.

وحسب دراسة نشرها "الاتحاد الأوروبي للنقابات العمالية" فإن ما يقرب الـ3 ملايين عامل أوروبي فقراء "لن يكون بوسعهم" تسديد فواتير التدفئة في الخريف والشتاء القادم عبر مختلف أرجاء التراب الأوروبي. العدد نفسه في بريطانيا سيكون عليه "الاختيار بين التدفئة وخبز يومهم خلال الشتاء" حسب مقال لجريدة "نيويورك تايمز"، فيما عددهم مرشَّح للازدياد بـ500 ألف آخرين والحكومة تنفذ قرارها بزيادة أسعار فواتير الطاقة.

هذا وأجبر ارتفاع أسعار الغاز بعض منتجي الأسمدة في أوروبا على خفض الإنتاج، ما قد يهدد الأمن الغذائي لبلدانها. هي التي أوردت تقارير عن النقص في المنتجات الفلاحية الذي عرفته أسواقها متأثرة بالإغلاق العام نظراً لتفشي فيروس كورونا.

نزاعات مغاربية تهدد دفئ البلدان الأوروبية

في خضم السباق الأوروبي والدولي من أجل الغاز الطبيعي، ما زالت الجزائر مصرَّة على عدم تجديدها عقد أنبوب الغاز "المغرب العربي-أوروبا" العابر للمغرب نحو إسبانيا والبرتغال، وإيقاف الإمداد عبره بحلول 30 أكتوبر/تشرين الأول الجاري. في قرار يمثل أحد فصول القطيعة الدبلوماسية بين البلدين الجارين.

هذا وتعد الجزائر أحد أهم موردي الغاز لدول غرب أوروبا، حيث توجه 60% من غازها نحو إيطاليا، و20% إلى إسبانيا، و12% نحو فرنسا. في إسبانيا يسود قلق حول حصصها من الغاز الجزائري مع إيقاف الأنبوب الرابط عبر المغرب، وعبَّرت صحف إسبانية عن ذلك متخوفة من اضطراب سيرورة الإمداد. بالمقابل، قاد وزير الخارجية الإسباني في زيارته إلى الجزائر مساعي لإقناع الجزائر بتجديد عقد أنبوب "المغرب العربي-أوروبا"، لم تحدث أي تقدم حد الآن.

ولمّحت الجزائر في وقت سابق بإمكانية وقف عمليات ضخ الغاز مع انتهاء صلاحية العقد في 31 أكتوبر/تشرين الأول، ما يهدد بقطع الإمدادات إلى إسبانيا مع حلول فصل الشتاء وارتفاع أسعارها في أنحاء أوروبا.

في السياق نفسه، تعرف العلاقات الفرنسية الجزائرية أزمة ديبلوماسية حادة، من المحتمل أن "تتطور إلى قطيعة اقتصادية" نقلاً عن مصادر جزائرية لجريدة "لوفيغارو" الفرنسية. وبالتالي "يمكن أن يكون الغاز الجزائري ورقة ضغط قوية في عالم يحسب الآن لكل لتر من الغاز ألف حساب وحيث يجري الآن الحديث عن العودة إلى استخدام الفحم في توليد الطاقة بسبب ارتفاع أسعار الغاز" يقول إسحاق خرشي، الخبير الاقتصادي الجزائري، في حديثه لـ TRT عربي. ويضيف بأنه "إذا ما قررت الجزائر الضغط بورقة الغاز سيعقّد ذلك الأمور أكثر في الداخل الفرنسي".

من ناحية أخرى، وحسب تقارير كثيرة، تعرف أوروبا تهديداً جاداً بفقدان المنتوجات الفلاحية من أسواقها بفعل تخفيض إنتاج الأسمدة. كما بضعف اليد العاملة الفلاحية في دول كإسبانيا، المورد الرئيسي للخضروات والفواكه لدول الاتحاد، والتي كانت تستجلب بالأساس من المغرب حيث حالت الإجراءات الصحية والأزمة الدبلوماسية بين البلدين دون ذلك.

هذا وبلغت قيمة المبادلات التجارية بين المغرب والاتحاد الأوروبي في المجال الفلاحي ما يناهز 4.6 مليار يورو سنة 2020. وخلال الأشهر الستة الأولى من السنة نفسها استوردت إسبانيا من المغرب ما يعادل 358.3 ألف طن من المنتجات الزراعية، كما تمثل واردات هذه المنتجات المغربية حوالي 47% من حجم استيراد إسبانيا من خارج دول السوق الأوروبية المشتركة، و33% من إجمالي مشترياتها في تلك الفترة.

هذه الواردات الفلاحية مهددة هي الأخرى بالاضطراب مع قبول محكمة العدل الأوروبية طعن جبهة "البوليزاريو" في اتفاق الفلاحة والصيد الأوروبي مع المغرب، والحكم ببطلانه. ردَّت الخارجية الأوروبية في بيان مشترك مع نظيرتها المغربية أكدتا فيه سعيهما إلى "اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان الإطار القانوني لاستمرار واستقرار العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المغربية".

TRT عربي