الرئيس الأمريكي جو بايدن والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصلان إلى الاجتماع بقمة جنيف في 16 يونيو/حزيران 2021 في سويسرا (Saul Loeb/AP)

بعد اتهام هيئة الرقابة على الاتصالات الروسية "روسكومنادزور" عملاقَي التكنولوجيا الأمريكيين "غوغل" و"آبل" بالتدخل في شؤونها الداخلية، وذلك قبل أيام من بدء الانتخابات التشريعية العامة في روسيا المقرر إجراؤها بين 17 و19 سبتمبر/أيلول الجاري، توالت التساؤلات إن كانت واشنطن بصدد انتقام لما انتشر من ادعاءات ووثائق حول تدخل موسكو في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عامَي 2016 و2020.

وتزداد التكهنات حول "انتقام أمريكي محتمل"، لا سيما بعدما توعَّد الرئيس الأمريكي جو بايدن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وقت سابق من العام الجاري بأنّه "سيواجه عواقب جرّاء توجيه جهود ترمي إلى التأثير في انتخابات الرئاسة الأمريكية لصالح دونالد ترمب، وإنّ ذلك سيتحقق قريباً".

سِجال متصاعد

توالت خلال الأعوام الأخيرة اتهامات أمريكية حول تدخُّل روسيا في انتخاباتها الرئاسية، إذ بدأت السجالات حين أعلنت وكالة مجتمع الاستخبارات الأمريكية في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2016 تَثبُّتها من وجود تدخّل للحكومة الروسية في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لذاك العام.

ووفقاً لوكالة مجتمع الاستخبارات الأمريكية فإن موسكو أدارت عمليات قرصنة ممنهجة للرسائل الإلكترونية بقصد التدخُّل في سير الانتخابات الأمريكية، غير أن الرئيس الروسي بوتين كان نفى تلك الادعاءات ووصفها بـ"الهستيريا".

وفي سياق متصل كان اثنان من كبار مسؤولي المخابرات الأمريكية (CIA) صرّحا للعديد من وسائل الإعلام في ديسمبر/كانون الأول عام 2016، بأنهم متأكدون من عملية تدخُّل روسيّة في رئاسيات واشنطن، وبإيعاز وتوجيهات شخصيّة من الرئيس الروسي.

وأردف المسؤولان بأن أهداف عملية التدخل تطوّرت من "تقويض ثقة الأمريكيين بديمقراطيتهم إلى تقويض حملة كلينتون الانتخابية"، وتابعا بأنه بحلول خريف عام 2016 وصلت العملية إلى حد "المساعدة المباشرة لحملة ترمب، وذلك لاعتقاد بوتين بأن ترمب سيخفف العقوبات الاقتصادية على موسكو"، وفقاً للمسؤولين.

وكانت صحيفة الغارديان البريطانية كشفت عن وثائق سرية سُرّبت من الكرملين توضّح الدور الذي لعبته روسيا لدعم فوز الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب بالانتخابات عام 2016، وذلك عبر سرد تفاصيل اجتماع عُقد في الكرملين بتاريخ 22 يناير/كانون الثاني 2016، بحضور الرئيس الروسي ورؤساء المخابرات وكبار الوزراء.

وأكدت وثائق الغارديان أنه اتُّفق في ذلك الاجتماع على أن دخول ترمب البيت الأبيض سيساهم في تحقيق أهداف موسكو الاستراتيجية، وتشمل نشر "الاضطرابات الاجتماعية" في الولايات المتحدة وإضعاف الموقف التفاوضي للرئيس الأمريكي، وأيضاً سيكون بوتين قادراً على التحكم في مسار أيّة محادثات ثنائية بين الولايات المتحدة وروسيا.

كما عقب الاجتماع إصدار أوامر لثلاث وكالات تجسس روسية بتقديم مقترحات لطرق عملية تدعم فوز ترمب في الانتخابات، وجاء ذلك في مرسوم حمل توقيع بوتين شخصياً، وفق تحقيق الغارديان.

انقسام داخلي أمريكي

حملت الاتهامات الموجهة إلى روسيا في طياتها سِجالاً بين الديمقراطيين والجمهوريين إزاء حجم تأثير التدخل الروسي المزعوم في الرئاسيات الأمريكية عام 2016 التي فاز بها دونالد ترمب، وعام 2020 التي تسيّد فيها جو بايدن حكم البيت الأبيض.

وورد في تقرير لمدير المخابرات الوطنية (DNI) الذي نُشر في 6 يناير/كانون الثاني عام 2017 أنه كُشِف "اختراق المخابرات العسكرية الروسية (GRU) لخوادم اللجنة الوطنية الديمقراطية (DNC) وحساب البريد الإلكتروني الشخصي لمدير حملة كلينتون جون بوديستا وإحالة محتوياتها إلى ويكيليكس".

وسرعان ما استغل سيد البيت الأبيض حينها الأمر ليحوّل دفة الاتهام تجاه الديمقراطيين، حيث طفق ترمب الذي أنكر أول الأمر حدوث تأثير روسي في الرئاسيات الأمريكية، يتهم حملة غريمته هيلاري كلينتون بالتعاون مع روسيا، ووصل الأمر به إلى أن يسمح قبيل الانتخابات الرئاسية 2020 برفع السريّة عن جميع الوثائق المتعلقة بالتحقيقات الفدرالية حول التدخّل الروسي بالانتخابات الرئاسية الأمريكية السابقة.

وفي معرض تعليقه على قراره حينئذ وصف ترمب استخدام وزيرة الخارجية ومرشحة الرئاسة السابقة هيلاري كلينتون لبريدها الخاص غير الآمن لاستقبال رسائل حكومية بأنها "أكبر جريمة سياسية في تاريخ أمريكا"، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة من رجل الأعمال الجمهوري للحط من رصيد الديمقراطيين قبيل الانتخابات الرئاسية، التي خسرها في نهاية المطاف.

جدير بالذكر أنه على الرغم من محاولات ترمب المضنية لاستبعاد وجود أي مصلحة أو رغبة روسية من حكمه للبيت الأبيض، غير أنّ الرئيس الروسي كان كشف في مؤتمر صحفي مشترك مع ترمب عن رغبته بأن يفوز ترمب في الانتخابات، وأجاب بنعم على سؤال أحد الصحفيين له: "هل وجّهت أياً من مسؤوليك لمساعدته على ذلك؟".

هل حان وقت "الانتقام الأمريكي"؟

مع اقتراب الانتخابات التشريعية العامة الروسية حذّرت موسكو من تدخل شركتَي "غوغل" و"آبل" الأمريكيتين في شؤونها الداخلية، إذ جاء ذلك بعد أن رفضت عملاقَتا التكنولوجيا إزالة تطبيق للمعارض الروسي أليكسي نافالني من متجريها قبل الانتخابات الروسية، ما يعتبره مسؤولون روس "تجاهلاً منهجياً لإزالة محتوى غير شرعي".

فيما شددّت هيئة الرقابة على الاتصالات الروسية "روسكومنادزور" الضغوط على عملاقَي الإنترنت، مفيدةً بأنه "يمكن تحميلهما مسؤولية جنائية في حال واصلا رفض الامتثال للقانون الروسي".

وتلك ليست المرة الأولى التي تتهم فيها السلطات الروسية شركة أمريكية بالتدخل في انتخاباتها، فسبق أن توجّست موسكو إبان الانتخابات المحلية عام 2018 بالبلاد من سماح يوتيوب التابع لعملاقة التكنولوجيا غوغل الأمريكية، لزعيم المعارضة نافالني بشراء مساحة إعلانية لنشر مقاطع فيديو يسعى من خلالها للتأثير على توجهات الناخبين.

غير أن التكهنات حول "انتقام أمريكا" من تدخلات روسيا في رئاسيتيها السابقتين تكتسب زخماً لا سيما بعد التصريحات الحادة التي أدلى بها بايدن في مارس/آذار من العام الجاري، التي وصف فيها نظيره الروسي فلاديمير بوتين بـ"القاتل"، من دون إبداء مزيد من التفاصيل حول دوافعه لنعت الرئيس الروسي بهذا الوصف.

وتابع بايدن متوعداً بوتين بأنّه "سيواجه عواقب جرّاء توجيه جهود ترمي إلى التأثير في انتخابات الرئاسة الأمريكية لصالح دونالد ترمب، وإنّ ذلك سيتحقق قريباً".

ووفقاً لخبراء أمريكيين فإن واشنطن تمتلك تاريخاً حافلاً بالتدخلات في انتخابات العديد من الدول، فمنذ الحرب العالمية الثانية تدخّلت أو أفسدت واشنطن فيما إجماله 81 انتخابات حول العالم، وهو ضعف عدد الحالات بالنسبة إلى تدخلات موسكو في الانتخابات خارج قطرها.

ومع النظر إلى التصعيدات الأخيرة في التصريحات والاتهامات المتبادلة بين الجانبين الأمريكي والروسي، فإن من غير المستبعد أن يحدث تدخل أمريكي على نحوٍ ما في الانتخابات الروسية القادمة.

فيما يرى متابعون أن تصريح بايدن حول العواقب التي سيواجهها بوتين جرّاء مساعيه للتأثير في انتخابات الرئاسة الأمريكية وتلميحه بأن "ذلك سيتحقق قريباً"، يُقصد بها الانتخابات التشريعية الروسية الوشيكة.

يذكر أن الانتخابات التشريعية العامة الروسية مقرر إجراؤها بين 17 و19 سبتمبر/أيلول الجاري، وسيجري بموجبها انتخاب أعضاء مجلس "الدوما" (النواب) الروسي، ويأتي ذلك وسط استبعاد وتكميم لأفواه المعارضين بالبلاد.

TRT عربي