لم تتوصل إثيوبيا والسودان ومصر إلى حل أو اتفاق حول السد والخلافات الحدودية بينها يُرضي جميع الأطراف، على الرغم ممَّا بُذل من وساطة دولية ومفاوضات بين هذه البلدان

في وقت ما يزال فيه الخلاف بين الدول الثلاث حول سد النهضة مستعراً، يأتي النزاع بين إثيوبيا والسودان حول مثلث الفشقة من جهة، وعودة الوتيرة التصاعدية للنزاع الحدودي بين السودان ومصر حول مثلث حلايب، على خلفية تعميم مفوضية الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا مذكرة للبعثة المصرية الدائمة لديه ضمَّنت مثلث حلايب ضمن حدود مصر، على الجهة الأخرى، ليمثلا وقوداً إضافياً للتوتر الناشئ على خلفية تباين مواقف هذه الدول حول السد. وإذا أُضيفت إلى ذلك الأوضاع الداخلية في هذه الدول على نحو ما هو ماثل في إثيوبيا ما بين الحكومة المركزية والمعارضة في إقليم تيغراي، والانتقال الهش الذي يعيشه السودان في أعقاب التغيير الذي أطاح الرئيس عمر البشير بعد ما يقرب من ثلاثة عقود من حكمه، والاستقطاب الحاد في مصر ما بعد انقلاب الثلاثين من يونيو/حزيران 2013 الذي قاده السيسي ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي، فإنّ صورة المستقبل في المنطقة تبدو قاتمة إلى درجة تخيُّل إمكانية حدوث أسوأ السيناريوهات.

وما يبدو للمراقب السياسي هو أنَّ ما ظل يحكم علاقات هذه الدول فيما بينها ليس هو مصالحها الوطنية فحسب، بل هنالك أيضاً دوافع وتقاطعات لقوى إقليمية ودولية لها نفوذ كبير في المنطقة. وقد ظلت تلك الدوافع تُمكِّن هذه القوى من فرض سياسات من شأنها ضمان استمرار حالة توازن الضعف بين دول المنطقة عامة والدول الثلاث على وجه خاص.

وفي بعض الأحيان تُمارس هذه السياسة على دول أخرى في الإقليم بغية الضغط على إحدى الدول الثلاث تجاه قضية محددة لإجبارها على تغيير موقفها، وتبني موقف آخر تجاه الدولة الأخرى أو الدولتين الأخريين يتماهى مع مصالح تلك القوى. نشير هنا إلى اتهام السلطات السودانية لإريتريا خلال الأيام القليلة الماضية بحشد قواتها في مناطق حدودية بولاية كسلا شرقي البلاد، في خطوة تعتقد تلك السلطات أنها جاءت موالاة للموقف الإثيوبي مقابل موقف السودان من ملء سد النهضة، ولتخفيف الضغط على أديس أبابا في حربها على جبهة تحرير التيغراي.

بينما كان اتهام الخرطوم السابق لأسمرا مطلع عام 2018 بُنِي على فتح الثانية قاعدة ساوا على حدود إريتريا مع السودان للقوات المصرية، في أعقاب التصعيد الذي حدث بين السودان ومصر وأدى إلى أن يستدعي السودان سفيره هناك للتشاور، بسبب الخلاف حول سد النهضة وفرض السلطات المصرية الأمر الواقع في مثلث حلايب. بعبارة أخرى إن السودان كان يتهم إريتريا مطلع 2018 بممالأة مصر، بينما جاء اتهامه الأخير لها مبنياً على اصطفافها مع إثيوبيا.

كما جرت العادة على أن تتهم إحدى الدول الثلاث دولة ثانية بممالأة الدولة الثالثة ضدها، على نحو ما عبَّرت عنه أسئلة مذيعة قناة سي. بي. سي المصرية لوزير الري والكهرباء والموارد المائية السوداني الأسبق معتز موسى، والتي كانت في مجملها توحي بأن موقف السودان حيال سد النهضة مبني أو مؤسس على حصوله على كهرباء رخيصة من السد، الأمر الذي نفاه الوزير بشدة. وعلى نحو مماثل جاء اتهام وزارة الخارجية الإثيوبية في البيان الذي أصدرته الأسبوع الفائت للسودان، على خلفية التصعيد على الحدود مع السودان، حيث ألقى باللائمة على المكون العسكري في الحكومة السودانية، عازياً ما زعمه من اعتداء الجيش السوداني على المزارعين الإثيوبيين وتدميره المحاصيل الزراعية بمثلث الفشقة إلى ما أسماه "خدمة أجندة طرف ثالث" لم يسمه. ولعله يعني بذلك أنَّ السودان أصبح يتماهي مع ما تريده مصر وتسندها فيه قوى إقليمية معروفة ومتنفذة.

وكانت أديس أبابا والقاهرة قد اشتركتا في وقت سابق في أواسط تسعينيات القرن الماضي في محاصرة السودان إنفاذاً لسياسة احتواء السودان عبر جيرانه التي هندسها مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق أنتوني ليك. وتمثَّلت أبرز مظاهرها في عمليات الأمطار الغزيرة وعمليات وثبة الثعلب الإفريقي التي قادتها حركة التمرد بجنوب السودان بدعم ومشاركة من دول مثل إثيوبيا ويوغندا. كما تردَّد أن مصر قد شاركت فيها بمستشارين عسكريين. لكن الدور الأبرز لمصر وإثيوبيا في الانخراط في محاصرة السودان في إطار سياسة الاحتواء الأمريكية وضح جلياً في أعقاب اتهام السودان بمحاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرَّض لها الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك إبان حضوره للمشاركة في القمة الإفريقية بأديس أبابا، حيث رسَّخت مصر احتلالها لمثلث حلايب، وتمدَّد الجيش الإثيوبي في منطقة الفشقة. كما قدَّمت إثيوبيا إسناداً مقدراً للجيش الشعبي لتحرير السودان لاحتلال العديد من المدن السودانية الواقعة على الشريط الحدودي معها مثل: الكرمك وقيسان وفشلا. أيضاً توسعت القاهرة وأديس أبابا في استضافة قادة المعارضة السودانية، وبذلتا لهم منابرهما السياسية والإعلامية. فضلاً عن فتح الأراضي الإثيوبية لتدريب كوادر حركة التمرد العسكرية ومن ثَم الانطلاق نحو أهدافهم في العمق السوداني.

ممَّا تجدر الإشارة إليه هنا أن العديد من المحللين قد اعتبروا أن محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا قد كانت علامة فارقة في مسيرة العلاقات المصرية الإفريقية، نأت بعدها مصر عن نهج التقارب مع دول القارة السمراء الذي كان قد بدأه الرئيس عبد الناصر وكان بناء السد العالي إحدى ثماره، على عكس الجفوة التي أحدثتها محاولة الاغتيال وما أعقبها من ابتعاد القاهرة عن المحافل الإفريقية، الأمر الذي كان سبباً رئيسياً في فتح الطريق أمام توقيع معاهدة عنتيبي التي لم تُعر أدنى اعتراف باتفاقية مياه النيل، بل يُعتقد أنها مثَّلت الأساس القانوني والسند السياسي لإثيوبيا للمضي قدماً في تشييد سد النهضة دون أن تبدي اهتماماً ذا بالٍ بشواغل دولتي الممر والمصب.

أما بالنسبة إلى السودان فإنَّ الأمر قد يختلف عن مصر التي لا ترى في سد النهضة غير آثاره الاقتصادية والاجتماعية والبيئية السالبة عليها. فالسد بالنسبة إلى السودان قد يعني زيادة الرقعة الزراعية استدامة الزراعة وتنويع المحاصيل على مدار العام، وتجنب كوارث الفيضانات والحصول على مصدر رخيص للطاقة الكهربائية، وإنعاش حركة التبادل التجاري والاقتصادي في المناطق الحدودية مع إثيوبيا القريبة من السد. لكن لدى السودان في الوقت ذاته شواغل تتعلق بسلامة جسم السد وعدد سنوات ملء البحيرة وقواعد التشغيل، حتى يضمن بذلك سلامة خزاناته على النيل الأزرق، ويُجنِّب مواطنيه هناك مخاطر الفيضانات ويؤمن لهم الري الكافي لمحاصيلهم الزراعية.

لقد دفعت هذه الميزات مركز كارينغي الأمريكي للدراسات الاستراتيجية في الشرق الأوسط إلى اعتبار أن السودان يُعد البلد الأكثر تأهيلاً للتوسط وقيادة مبادرة للتسوية بين أديس أبابا والقاهرة. واعتبر المركز أن دافع السودان في ذلك هو عين ما تم التطرق إليه من فرص وتحديات، إلى جانب حقيقة أخرى مهمة تتعلق بالأضرار الجيوبوليتيكية التي يمكن أن يتعرض لها السودان في حالة اندلاع حرب بين إثيوبيا ومصر بسبب الخلاف حول السد، بالنظر إلى كونه سيكون ساحة لتلك الحرب. ويرى المركز أن قيام السودان بهذا الدور سيوفر له ميزة دبلوماسية، ويعطيه مكانة أكبر بين رصفائه حال نجاحه في التوصل إلى تسوية.

لكن المشكلة التي تُجسِّدها المفارقة ما بين نظرة مركز كارينغي للسودان من جهة، ونظرة المسؤولين السودانيين الذين يُفترض فيهم قيادة الدفة لأنفسهم، من الجهة المقابلة، تكمن في هشاشة المشهد الانتقالي في الخرطوم وافتقار من يتولون القيادة فيه إلى الخبرة والثقة بالنفس. وليس أدل على ذلك من مخرجات اجتماع اللجنة العليا لمتابعة التطورات بشأن سد النهضة التي يرأسها رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك، حيث دعا الاجتماع الذي انعقد الأسبوع الماضي إلى إعطاء الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، إلى جانب الاتحاد الإفريقي، دوراً أكبر في مساعي التسوية واعتبارهم وسطاء لا مراقبين فقط.

TRT عربي