تعرف العلاقات الجزائرية المغربية توتراً حاداً منذ عقود، على خلفية عدة ملفات وقضايا عالقة بين البلدين. ولم يكن قرار المغرب مؤخراً بتطبيع العلاقات مع إسرائيل إلا عثرة أخرى في طريق ترميم العلاقات بين الجارتين.

وجه العاهل المغربي محمد السادس مؤخراً، دعوته للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، لتخطي الأزمة وخفض التوتر الحاد بين البلدين وفتح الحدود من جديد. وعبر محمد السادس في الوقت ذاته عن شديد حرصه على تطوير العلاقات والتعاون الثنائي بين البلدين.

وإن كان الملك المغربي يتطلع إلى وضع حد نهائي للخلاف المستمر منذ عقود مع الجارة الجزائر، فإنه يؤمن كذلك بضرورة كسر جدار العزل الديبلوماسي بين البلدين، خاصة وأن الجزائر أصبحت مؤخراً فاعلاً إقليمياً، يقود حراكاً دبلوماسياً نشطاً وطرفاً مساهماً في إيجاد حلول، ووسيطاً في فض نزاعات ببلدان المغرب العربي وبلدان القارة السمراء.

ولكن المبادرة المغربية، يبدو أنها لم تلق الصدى الذي كانت تأمله، حيث إن الجزائر وإن أبدت ترحيباً بحوار مشترك يجمع الطرفين، فقد أكدت في الوقت ذاته على ضرورة تقديم الجانب المغربي للتوضيحات اللازمة فيما يتعلق بتصريح الممثل المغربي في الأمم المتحدة حول "حق الشعب القبائلي".

وعلى صعيد آخر فإن ملف تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل، يبدو أنه ملف شائك سيحول دون حصول مصالحة حقيقية بين البلدين الشقيقين، بخاصة وأن الموقف الجزائري من دولة الاحتلال الإسرائيلي واضح وثابت، أكدت عليه الجزائر على لسان مسؤوليها وممثليها في أكثر من مناسبة.

التطبيع.. حجر عثرة بين البلدين

أبدت وزارة الخارجية الجزائرية يوم الأحد 15 أغسطس/آب الجاري استيائها، مما اعتبرته هجوماً واستهدافاً لها من طرف وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابد، الذي عبر عن قلق دولة الاحتلال الإسرائيلي من الدور الذي تلعبه الجزائر في المنطقة وتقاربها المزعوم مع إيران، وذلك في كلمة ألقاها الأسبوع الماضي خلال زيارة رسمية للرباط التقى فيها بوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة.

وفي السياق ذاته، اتهمت الجزائر بوريطة " بجر حليفه الشرق أوسطي الجديد (إسرائيل) إلى مغامرة خطيرة موجهة ضد الجزائر". معتبرة أن اتهامات لابيد واستهدافه للجزائر، موجه بالأساس من وزير الخارجية المغربي، الذي يسعى لإضافة فاعل جديد متمثل بقوة عسكرية شرق أوسطية (إسرائيل) ترفض مبادرة السلام العادل والدائم مع الشعب الفلسطيني، والتي تتمسك بها الجزائر، وذلك وفق ما جاء بالبيان الرسمي للخارجية الجزائرية.

وبذلك تصاعد الخلاف من جديد بين البلدين، دون أن يكون قد هدأ بالأساس، عقب التصريحات العدائية الأخيرة التي ألقاها لابيد، في معرض زيارته للرباط.

إسرائيل ومساعي اختراق إفريقيا

في عام 2020 أعلنت المغرب تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتضمن الاتفاق، رفع مستوى العلاقات الديبلوماسية بين الطرفين، وإعادة فتح مكتبي الاتصال في الرباط وتل أبيب، والاستئناف الفوري للاتصالات الرسمية.

أثار القرار حفيظة عدة بلدان عربية، ومن بينها الجارة الجزائر، التي جددت إثر ذلك موقفها الثابت الداعم للقضية الفلسطينية، والمتأصل لدى غالبية الشعب الجزائري. وعبرت عن رفضها الانخراط في موجة التطبيع الأخيرة، وجاء ذلك على لسان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الذي قال حينها: "نرى أن هناك نوعاً من الهرولة نحو التطبيع ونحن لن نشارك فيها ولن نباركها".

ولم يقف الموقف الجزائري المناهض للتطبيع عند حد التصريحات والإدانة الشديدة لذلك، بل تعداه، لتطلق الجزائر مؤخراً مبادرة دبلوماسية سعت فيها لتشكيل طاقم إفريقي يضم حوالي 14 دولة، يرفض انضمام إسرائيل إلى الاتحاد الإفريقي، وذلك بعد أن أعلن في وقت سابق عن انضمامها للاتحاد الإفريقي كعضو مراقب.

وتحاول منذ ذلك الحين الجزائر عبر تكثيف لقاءاتها ومحادثاتها الدبلوماسية لتوحيد جهود دول القارة الإفريقية لسحب العضوية من إسرائيل، وطردها خارج الاتحاد، بعد أن تمكنت من تحقيق اختراق ديبلوماسي في بعض بلدان المنطقة ومن بينها المغرب. وقد طورت تل أبيب في هذا السياق من مستوى التعاون والتبادل الاقتصادي والتجاري مع الرباط، معتبرة أن في ذلك فرصة ذهبية لتعزيز موطئ قدم اقتصادي في القارة الإفريقية، وعاملاً مساعداً على توسيع دائرة التطبيع مع بقية بلدان القارة الإفريقية.

إلا أن الطموحات والمساعي الإسرائيلية، تبدو اليوم صعبة التحقيق، وتواجه تحدياً مهماً، وهو الموقف الجزائري الصارم من التطبيع، والحراك الذي تقوده الجزائر لإيقاف هذا الاختراق عبر بوابة المغرب، وبذلك يبدو أن العلاقات بين البلدين الشقيقين بدورها ستكون أمام انعطافة إضافية وتحدّ مهم لن يكون من السهل تجاوزه لخفض حدة التوتر بينهما.

TRT عربي