هل أطلقت الحرب في أوكرانيا ثورة مخابرات المستقبل؟ / صورة: AP (AP)
تابعنا

في أفلام الأكشن الأمريكية، خصوصاً تلك التي تتطرق لعالم الجواسيس، عادة يكون العميل السري متخفياً، يغير هويته كي لا تكشفه القوات المعادية، وغالباً يجري أشغاله في الأزقة الخلفية المظلمة بعيداً عن أنظار المتلصصين. هذه هي الصورة الشائعة عن عمل المخابرات، والتي عملت على تأكيدها وكالاتها، إذ قليلاً ما تكشف للعلن عن وسائل اشتغالها.

غير أن كل هذا تغير مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، إذ طفت على السطح أشكال جديدة من العمل الاستخباراتي، يقودها أناس عاديون، أغلبهم متطوعون، وتعتمدها القوات المتحاربة في قيادة عملياتها. وهو ما تؤكده تقارير عدة، عن أن الفضل في نجاح عدد من العمليات العسكرية الأوكرانية، يعود لمجموعات المتطوعين الذين رصدوا لها بالتفصيل تحركات العدو.

فيما بات يعرف هذا النوع الجديد من العمل المخابراتي بـ "الاستخبارات مفتوحة المصدر"، إذ يسهم التطور التكنولوجي واتساع رقعة الربط بالإنترنت في تناميه، ما يدفع الخبراء إلى الترجيح بأنه سيحدث ثورة في استخبارات المستقبل.

أوكرانيا غيّرت مفهوم الاستخبارات

وفق مقال لمجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، فإن الحرب في أوكرانيا "بشرت بعصر جديد من تبادل المعلومات الاستخبارية". إذ نزعت الوكالات الحليفة لأوكرانيا، وخاصة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، إلى كشف كل ما توصلت إليه عن "الغزو" الذي لم يحدث وقتها بعد، وتحذير الأوكرانيين منه. كما كشف تفاصيل الحرب بعدها، والتحركات الروسية السياسية والعسكرية.

هذا وتفسر المجلة الأمريكية، المختصة في التحليلات الجيوسياسية، على أن هذه الخطوة كانت مفروضة لتفادي أي إنكار روسي لنوايا الحشد العسكري الذي جمعته وقتها على الحدود الأوكرانية ولمجابهة "رواية بوتين الزائفة" عنه، ولدفع موسكو إلى حالة من التشكك المستمر في أجهزتها.

وهو ما يؤكده أيضاً خبراء لـ "بوليتيكو"، هذه المرة فيما يخص رفع عدد من الدول الأوروبية السرية عن مداهمتها لخلايا التجسس الروسية، على أنها رسالة تبعثها إلى موسكو بأنه "أصبح صعباً على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنكار تصرفات وكالات استخباراته مع دخول الهجوم على أوكرانيا شهره العاشر".

وفي ذات السياق، تضيف "فورين أفيرز"، أنه على مدار الأشهر التي امتد عليها الصراع، "كان المواطنون المتطوعون والمجموعات الخاصة يتتبعون ما تخططه روسيا، وتفعله على الأرض، بطرق لم تكن متخيَّلة في النزاعات السابقة". كما عمل الصحفيون والمحللون العسكريون الغربيون على تحليل أطوار الحرب عبر الصور، ونشرها بشكل مفتوح على وسائل التواصل الاجتماعي، ما قدم دعماً استخباراتياً كبيراً للأوكرانيين.

ويذكر تقرير لـ"وول ستريت جورنال"، أنه في أثناء السيطرة الروسية على إقليم خيرسون، اتخذت قواتها متجراً إلكترونياً مستشفى ميدانياً، ما لبث أن وجه إليه الجيش الأوكراني ضربات دقيقة دمرته وقتلت من فيه. وكانت هذه العملية إحدى الضربات النوعية التي جرت باستخدام معلومات استخباراتية أمدهم بها المتطوعون المدنيون.

هؤلاء المتطوعون الذين شكلوا مجموعة نشطة، عملت على تجميع المعلومات عن مواقع الجيش الروسي وتحركات خطوطه، ومن ثم تزويد الجيش بالصور والإحداثيات عبر تطبيق "تليغرام". ووفقاً لمسؤولين أوكرانيين، هذه الضربات الدقيقة التي قدمت معلوماتها تلك الفرقة، "أسهمت بشكل كبير في طرد الروس من الإقليم الشهر الماضي".

وهو ما جرى أيضاً في بوتشا، الضاحية الغربية للعاصمة كييف، خلال الأيام الأولى للحرب، حين صمم مجموعة مهندسين المدنيين طائرات مسيّرة صغيرة لاستطلاع وتصوير تحركات خطوط الجيش الروسي، كما أزال بعض سكان البلدة الأشجار بحثاً عن استقبال الهاتف المحمول للإبلاغ عن تحركات القوات المعادية.

استخبارات المستقبل

وأرجعت "فورين أفيرز" تنامي هذا النوع من الاستخبارات، ذات المصادر المفتوحة، إلى الثورة التكنولوجية التي "تعمل على تغيير الكوكب بطريقة وبوتيرة غير مسبوقتَين"، وجعل العالم "أكثر ترابطاً". هذا إضافة إلى الذكاء الصناعي، الذي غيّر طريقة خوض الحروب، كما يسهم في نقل المعلومة الاستخباراتية بشكل أوسع.

ووفق تقرير للجنرال جيم هوكنهول، قائد القيادة الإستراتيجية بالجيش البريطاني، فإن هذه الاستخبارات مفتوحة المصدر تحقق ثورة في عالم المخابرات. ويضيف: "يمكن القول إن الصراع في أوكرانيا، من بعض النواحي، هو الحرب الرقمية الأولى، ويأتي جزء كبير من هذه القدرة الرقمية من الخدمات المتاحة تجارياً، وليس بالضرورة من القدرات العسكرية التقليدية".

وهذا راجع، وفق الجنرال هونكهول، إلى "ما أتاح توافر الأقمار الصناعية التجارية من توسيع لنطاق الوعي بالحالة العسكرية الأوكرانية، وقدرتها على إجراء المراقبة والاستطلاع. كما نرى استخدام الذكاء الصناعي جنباً إلى جنب مع تطبيقات البرامج التجارية لزيادة سرعة العمل". مشدداً على أننا "نشهد محاولة لإحساس وفهم البيئة، لاتخاذ القرار والتنظيم، والتصرف ثم التعلم والتكيف".

وهو ما دفع صاحب التقرير إلى أن يخلص إلى أنه "توجد مجموعة من الدروس المستفادة من أوكرانيا، وهذه واحدة من تلك اللحظات الزمنية التي يجب أن نفكر فيها. إذا لم نأخذ بعين الاعتبار ما يحدث في أوكرانيا ووسائل التواصل الاجتماعي والعالم التجاري وداخل الحكومة، فلن يكون نظامنا جاهزاً ومستعداً للتحدي التالي الذي نواجهه".

TRT عربي