إفريقيا (AP)

حققت الصين استفادة كبيرة من إفريقيا على مدار الـ20 عاماً الماضية، إذ اعتبرتها أكبر فرصة للتقدم الاقتصادي. لقد حان الوقت لتفعل أمريكا الشيء نفسه لأنَّ الاستثمارات لا المساعدات هي الشيء المطلوب حقاً لبناء قارة مستقرة ومزدهرة ومكتفية ذاتياً.

قد يساعد الاستثمار الاستراتيجي أيضاً في توسيع القاعدة السياسية لبايدن فتقديم "المساعدة" من خلال الاستثمار قد يساهم في توحيد كلٍّ من الجمهوريين (الذين يميلون إلى النظر بصورة سلبية إلى خيار تقديم المساعدات في حين لديهم نظرة إيجابية تجاه الفرص التجارية) والديمقراطيين (الذين يميلون إلى رؤية الأمور على نحوٍ معاكس تماماً).

بعد خمس سنوات من العمل بمجال الإغاثة الإنسانية في أوائل القرن الـ21، شعرت بخيبة أمل بسبب فشل المنظمات غير الحكومية في إحداث أي تأثير ملحوظ.

لقد توصلت إلى استنتاج مفاده أنَّ إفريقيا بحاجة إلى الاستثمار. تحتاج القارة السمراء إلى مشروعات لا صدقات. تحتاج إلى الطموح لا الشفقة، إلى ابتكارات لا حلول إغاثة مؤقتة. تستطيع الولايات المتحدة تحقيق عائد كبير من الاستثمار وجلب مزيد من التغيير بتمويل أقل، فضلاً عن منافسة الصين بساحة عمل خاصة بها، من خلال الاستثمار في أكثر المجالات التجارية الواعدة بإفريقيا وتغذية ثقافة الشركات الناشئة التي تنشط في جميع أنحاء القارة.

إفريقيا مهمة، لهذا السبب وجّهت بكين اهتمامها بحماس نحو هذه القارة، لا سيما خلال العقد الماضي. لكن على عكس الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين (الذين لا يزالون ينظرون إلى إفريقيا باعتبارها مجرّد منطقة متلقية للمساعدات)، ركّزت الصين اهتمامها على تمويل مشاريع البنية التحتية والحصول على أسهم في مؤسسات وشركات إفريقية -غالباً من خلال شركات عابرة للحدود وجهات وسيطة تخفي النطاق الحقيقي للاستثمارات الصينية.

أدَّى هذا النهج إلى زيادة حجم المبيعات الصينية للقارة الإفريقية. وبهذا تكون الرسالة قد وصلت إلى الشعوب الإفريقية على هذا النحو: في الوقت الذي ينظر فيه الغربيون إليكم كشعوب فقيرة مزقتها الحروب والمجاعات ولا يريدون تغيير ذلك بل يكتفون بإجراء تحسينات هامشية، نحن الصين ننظر إليكم باعتباركم شركاء تجاريين لنا.

ولكي تستطيع أمريكا دخول المنافسة والاستفادة من فرص الشركات الناشئة عالية النمو التي تغفل عنها الصين حالياً، يجب أن تحذو حذو دول أخرى وتنشئ صندوقاً للثروة السيادية ومحفظة استثمارية مملوكة للحكومة لتحقيق عائد للاستثمار وإبراز قوة الدولة ونفوذها.

تجب محاكاة النموذج الأمريكي الناجح في ريادة الأعمال من خلال إعادة الاستثمار في هذا المجال بجميع أنحاء العالم. لك أن تتخيّل حجم النفوذ الذي قد تتمتع به الولايات المتحدة من خلال المضي قدماً بتمويل مجالات ريادة الأعمال وتمكينها -يمكن القول إنَّ هذا هو السبب ذاته الذي جعل أمريكا عظيمة حقاً.

تمتلك 10 ولايات أمريكية صناديق ثروة سيادية تؤدي هذه المهمة بالفعل، وهو ما يزيد من حالة الحيرة بشأن سبب عدم محاولة فعل ذلك قط على المستوى الفيدرالي.

قد ينجم عن قرار زيادة حجم النجاحات القائمة تغيرات تحوّلية: يموّل صندوق ألاسكا للدعم الدائم مخطط الدخل الأساسي الشامل الخاص بالولاية، ويدعم صندوق تكساس المدرسي الدائم التعليم العام في ولاية تكساس. يتلقى الصندوقان عائدات من قطاعات الطاقة في الولايتين. يمكن تحقيق الشيء نفسه من خلال صندوق رأس مال مجازف مدعوم من الحكومة الأمريكية للاستثمار في الشركات الناشئة الإفريقية.

ستحظى هذه الخطوة بتأييد عدد من الأحزاب يفوق مجرد التقدم بطلب من أجل الحصول ببساطة على المزيد من التمويل للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية -وهو طلب على الأرجح سوف يرفضه مجلس الشيوخ الجمهوري في كل الأحوال.

تتمتّع إفريقيا بوجود عدد كبير من رواد الأعمال الشباب المتعلمين الطموحين. سيقاوم هؤلاء الشباب عروض الاستثمار فقط في حال كانت مشروعاتهم التجارية محظوظة بما فيه الكفاية لتحظي بمقر في سان فرانسيسكو أو حالفهم الحظ بالقدر الكافي ليذهبوا إلى جامعة "هارفارد".

لكن بالنسبة إلى العديد من روّاد الأعمال الشباب المعزولين الموجودين في إفريقيا، فلا يوجد أمامهم الكثير من السبل، الأمر الذي يُمثّل فرصة عظيمة للمستثمرين، لا سيما بالنظر إلى أنَّ 25% من القوى العاملة في العالم ستوجد في إفريقيا بحلول عام 2050.

يُتوقع أن تحقق الأسواق الإفريقية معدلات نمو أُسّية خلال الـ20 عاماً المقبلة، بالإضافة إلى أنَّ القارة مهيأة للتطور التكنولوجي والتقدم الرقمي.

ينطوي الاستثمار في إفريقيا أيضاً على مخاطر أقل ممّا يظن كثيرون. يوجد في إفريقيا العديد من الاقتصادات النامية متوسطة الحجم التي تديرها حكومات تتسم بالكفاءة نجحت في السيطرة على الفساد وزيادة الشفافية.

ساهم مشروع "مارشال" الأمريكي في تمويل التنمية الاقتصادية في أوروبا بعد عقود من الصراع والحرب. نجح "مشروع "مارشال" في خلق ظروف مواتية لإنشاء تكتُّل للتجارة الحرة على مستوى القارة -الاتحاد الأوروبي الذي كان مديناً مالياً وسياسياً لمموّله. أُضفي الطابع الرسمي على هذا الالتزام من خلال تأسيس حلف "الناتو" الذي شكَّل طليعة القوة الغربية منذ ذلك الحين.

وبالمثل تموّل الصين حالياً التنمية في إفريقيا على نحو يتجاوز تاريخ صراعاتها قريبة العهد. استثمرت بكين بكل شيء بدايةً من البنوك إلى الجسور والطرق والمناجم، ولا تُبطئ خطواتها.

أدَّى الاستثمار في المنطقة إلى إنشاء منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) –أكبر منطقة تجارية حرة في العالم- التي ستدخل حيز التنفيذ خلال السنوات القليلة المقبلة.

لذا فإنَّ الوقت قد حان للاستثمار في الشركات الإفريقية في وقت تقف فيه القارة على أعتاب نمو اقتصادي هائل. إنَّ قدرة إفريقيا على التعامل الجيد مع جائحة فيروس كورونا تسمح لها بتحقيق استفادة مذهلة من النمو الاقتصادي.

حدَّد الحفل الغنائي العالمي "Live Aid" الذي أقيم قبل 35 عاماً بهدف جمع أموال لتخفيف المجاعة في إثيوبيا رؤية جيل من الغربيين لإفريقيا. لكن هذا العام يُتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي لإثيوبيا بنسبة 7%.

الشيء الوحيد الذي يحتاج إليه الإثيوبيون بشدة -والعديد من زملائهم الأفارقة- في الوقت الحالي هو المشاركة على قدم المساواة في المشهد العالمي الداعم للشركات الناشئة جنباً إلى جنب مع ضخ استثمارات من شأنها السماح لهم بأنَّ يُظهروا للعالم ما يمكنهم فعله.

TRT عربي