بينما تتواصل الاحتجاجات والمعارضة الشديدة للتدخل الإيراني في شؤون العراق وتنامي نفوذها، قرر رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي مؤخراً إلغاء التأشيرة للإيرانيين وسط حديث عن مكاسب اقتصادية.

خلال زيارته طهران، التقى رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي يوم الأحد 12 سبتمبر/أيلول الجاري، رفقة وفد سياسي واقتصادي رفيع المستوى بالرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، للتباحث حول مستقبل العلاقات الاقتصادية الثنائية بين البلدين ولتبادل وجهات النظر حول أهم القضايا الإقليمية والدولية، وذلك وفق ما صرحت به المصادر الرسمية للطرفين.

ولتأكيد حرص الجانب العراقي على تمتين العلاقة مع إيران كحليف إقليمي، أعلن الكاظمي خلال مؤتمر صحفي مشترك، إلغاء التأشيرة للإيرانيين الشهر الحالي، للمشاركة في أربعينية الإمام الحسين.

وبينما يثار جدل عن المكاسب الاقتصادية والاستراتيجية التي يطمح الكاظمي إلى تحقيقها عبر فتح الباب لدخول الإيرانيين، يحتد سخط الشارع العراقي على مزيد تنامي النفوذ والتدخلات الإيرانية بالبلاد.

إلغاء التأشيرة.. مصلحة مشتركة

بعد أن طُرح المقترح أكثر من مرة، يعلن العراق مؤخراً إلغاء تأشيرة الدخول للإيرانيين نهاية الشهر الحالي. وقد طلبت طهران في عام 2019 من الجانب العراقي إلغاء رسوم التأشيرات بين البلدين، لترد بغداد على المقترح حينها باستمرار العمل بالتأشيرة ولكن بدون أي رسوم تمهيداً لإلغائها مستقبلاً، وذلك وفق ما صرحت به على لسان مسؤوليها.

ثم جددت بعد ذلك وزارة الخارجية الإيرانية دعوتها لدراسة المقترح من جديد في مارس/آذار الماضي. لتكلل مساعي الطرفين أخيراً بالموافقة على إلغاء التأشيرة، التي اعتبرها كل من الكاظمي ورئيسي تصب في المصلحة المشتركة للبلدين.

وبينما صرح الكاظمي خلال المؤتمر الصحفي بأن اللقاء مع الرئيس الإيراني تعرض إلى عدة ملفات مهمة تقف على رأسها الملفات الاقتصادية، كخط سكك الحديد والتبادل التجاري وزيادته بين البلدين، اعتبر مراقبون ومحللون أن رئيس الوزراء العراقي، ربما يسعى بذلك إلى الترويج لقرار إلغاء التأشيرة بالتركيز على المنجز الاقتصادي، خاصة وأن العراق يعيش مؤخرا على وقع أزمة اقتصادية حادة.

وفي السياق ذاته، أشارت عدة تقارير رسمية إلى انخفاض كبير في قيمة إمدادات الغاز الطبيعي الإيراني للعراق في الفترة الأخيرة، رغم أن العراق يعتمد أساسا على الغاز والكهرباء الإيرانيين. وقد أفادت وزارة الكهرباء العراقية أن امدادات الغاز الإيراني للمنطقة الوسطى انخفضت من 3 مليون إلى 2 مليون متر مكعب يومياً، أما المنطقة الجنوبية فقد شهدت انخفاضا في الإمدادات من 17 مليون إلى 5 مليون متر مكعب يوميا.

وعن سبب هذا الانخفاض، صرحت شركة الغاز الحكومية في إيران العام الماضي، أن العراق مديون بمدفوعات متأخرة تجاوزت 6 مليار دولار، جعلته عرضة لانقطاع الكهرباء.

ومن جهة أخرى، يرى محللون ومراقبون أن القرار بإلغاء التأشيرة وبالتالي رفع مستوى التعاون والتشارك الاقتصادي، لا يصب في مصلحة العراق فقط لتحقيق مكاسب اقتصادية، وإنما يصب أيضاً في مصلحة إيران على المستوى ذاته. حيث تمر طهران بأزمة اقتصادية وتعول فيها على العراق كمجال حيوي لتعزيز فرص الاستثمار وتنشيط اقتصادها واستيراد الغاز بالعملة الأجنبية، في ظل الحصار المالي العالمي الذي تعيشه بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة عليها.

كما تركّز إيران أيضاً وبصورة مطردة على تأمين وصولها إلى السوق العراقية، التي تعتبر ثاني أكبر مستورد للسلع الإيرانية غير النفطية.

وقد تنامت مخاوف إيران مؤخراً من تقلص نفوذها الاقتصادي بالعراق في ظل المنافسة مع بقية دول المنطقة التي أصبحت تسعى ضمن مسار للتعاون الجديد، إلى تطوير علاقات ديبلوماسية واقتصادية مع العراق، وذلك منذ انعقاد قمة بغداد للتعاون الأخيرة.

مخاوف من تمدد النفوذ الإيراني

لم يلق قرار الكاظمي بإلغاء التأشيرة للإيرانيين ترحيباً لدى الشارع العراقي، بل جُوبِه بحملة تنديد واعتراض واسعة، اعتبرت أن في القرار فرصة تتيح لطهران مزيداً بسط يدها والتدخل في شؤون العراق، ومزيد تنامي نفوذه الاقتصادي الذي يقوض مصلحة البلاد ويعزز تباعيتها.

وإن أشارت تقارير ومصادر إلى فرص انتعاش القطاع السياحي العراقي بمزيد توافد الإيرانيين خاصة خلال المراسم الشيعية، فقد كشفت مصادر رسمية في الإطار ذاته أن معدل إنفاق الزائر الإيراني خلال زيارته، على المبيت والأكل أثناء مراسم أربعينية الإمام الحسين في العراق حتى مطلع عام 2020 والتي تستمر لعدة أيام لا تتجاوز 21.4 ألف دينار أي ما يعادل تقريبا 15 دولاراً أمريكيّاً، وهي نسبة ضئيلة ليست كما يروج لها.

ويعزو خبراء ومحللون الإصرار الإيراني على المحافظة على موطئ قدم في العراق، إلى السعي إلى تعزيز نفوذها في منطقة جغرافية متاخمة ستكون بوابة لتصدير مشروعها إلى دول المنطقة.

ولكن الاحتجاجات الأخيرة التي اشتعلت شرارتها منذ عام 2019 في العراق قد حالت نوعاً ما دون تحقيق العمق الأستراتيجي لطهران داخل العراق، ونددت بتقديم المليشيات الإيرانية المسلحة المساعدة والدعم للحكومة العراقية في مواجهة وقمع الاحتجاجات، التي راح ضحيتها عدد كبير من القتلى والجرحى العراقيين.

وفي سياق متصل، يعتقد العراقيون أيضاً أن الدعم الإيراني لبعض الأحزاب السياسية في مجلس النواب وفصائل الحشد الشعبي الحليفة لها، يساهم في مزيد تفشي ظاهرة الفساد في مؤسسات الدولة العراقية.

لهذا وُوجه قرار إلغاء التأشيرة للإيرانيين برفض شعبي واسع وحملة على مواقع التواصل الاجتماعي تحذر من تمدد النفوذ الشيعي بالبلاد، واستمرار تبعية البلاد لأطراف أجنبية وخارجية، يعتبر أخطرها وفق آراء العراقيين، إيران.

TRT عربي