تصاعدت الخلافات بين المكونات السياسية في السودان مجدداً، على خلفية حديث وزيرة العمل والرعاية الاجتماعية لينا الشيخ، التي أشارت إلى أن الحكومة الانتقالية تدرس التوقيع على اتفاقية القضاء على أشكال التمييز كافةً ضد المرأة المعروفة بـ"سيداو".

تزايد الجدل الحقوقي والفكري والسياسي بالسودان بصورة غير مسبوقة، بعدما أكّد وزير العدل نصر الدين عبد البارئ اتجاه الحكومة إلى التوقيع على اتفاقية سيداو، إذ تباينت الآراء والمواقف بين مؤيِّد للاتفاقية بشكل مطلق، ورافض لها بذات الدرجة، وداعم للتوقيع عليها بتحفُّظ.

ثمرة نضال الكنداكة

حديث وزير العدل ومن قبله وزيرة العمل والرعاية الاجتماعية في السودان، وضع حكومة رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك، أمام نقد كثيف، بخاصة من عدد كبير من أئمة المساجد، الذين اتهموا الحكومة بالسعي لتمكين العلمانية، والعمل على طمس هوية السودان ذي الأغلبية المسلمة.

لكن القيادية في قوى الحرية والتغيير (التحالف السياسي الحاكم في السودان) ميرفت حمد النيل، رأت أنه من الطبيعي أن تسعى حكومة حمدوك للتوقيع على اتفاقية سيداو، لأنها توقن بالدور الكبير الذي لعبته المرأة السودانية المعروفة بـ"الكنداكة" خلال المظاهرات التي أطاحت بحكم الرئيس المعزول عمر البشير.

وقالت حمد النيل لـTRT عربي، إن نظام البشير كان يعادي المرأة بصورة ممنهجة، وظل ينتهك حقوقها من خلال قوانين ضيّقت عليها في حريتها وفي ملبسها، وبالتالي من المنطقي أن تسعى حكومة حمدوك لإنصاف المرأة السودانية التي عاشت سنوات من القهر والتضييق.

وأشارت ميرفت إلى أن معظم الدول العربية والإسلامية وقّعت على الاتفاقية، ولذلك ليس من المنطقي أن يتخذ السودان موقفاً مفارقاً.

يعتبر مراقبون أنه من الطبيعي أن تسعى حكومة حمدوك للتوقيع على اتفاقية سيداو، لأنها توقن بالدور الكبير الذي لعبته المرأة السودانية للإطاحة بحكم عمر البشير
يعتبر مراقبون أنه من الطبيعي أن تسعى حكومة حمدوك للتوقيع على اتفاقية سيداو، لأنها توقن بالدور الكبير الذي لعبته المرأة السودانية للإطاحة بحكم عمر البشير (AP)

وأقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1979 اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، وصدّقَت عليها في الثالث من سبتمبر/أيلول 1981، إذْ وقّعت عليها 189 دولة، بما في ذلك 54 دولة تنتمي إلى منظمة التعاون الإسلامي. ولم يوقع عليها السودان والصومال وإيران، بجانب أمريكا والفاتيكان.

وأشارت ميرفت حمد النيل إلى أن الجدل المُثار حول الاتفاقية مصدره منسوبو النظام البائد، الذين يعارضون الاتفاقية لتحقيق أغراض سياسية تتصل بالتشويش على الفترة الانتقالية.

مهمة وليست أولوية

خلال سنوات حكمه الثلاثين، لم يوجه الرئيس المعزول عمر البشير بالتوقيع على اتفاقية سيداو، لكن في 28 مايو/أيار 2018، أعلنت وزيرة الدولة بوزارة العدل السودانية، نعمات الحويرص اتجاه الحكومة إلى التوقيع على سيداو مع التحفظ على بعض البنود على غرار ما فعلته السعودية.

وأكّدَت القيادية في المؤتمر الشعبي وعضو البرلمان في النظام السابق البروفيسور نوال خضر، أن بعض قيادات المؤتمر الوطني الحزب الحاكم السابق، دعوا للتوقيع على الاتفاقية، حينما نوقش الأمر في البرلمان.

وقالت خضر لـTRT عربي، إن القيادي في المؤتمر الوطني الدكتور أمين حسن عمر والقيادية في ذات الحزب عفاف أحمد عبد الرحمن، ساندا التوقيع على الاتفاقية مع التحفظ على بعض بنودها.

وأكّدَت نوال أنها أجرت دراسة موسَّعة لاتفاقية سيداو ووصلت إلى قناعة بأنها تعيد إلى المرأة كثيراً من حقوقها التي سلبتها المجتمعات.

وأضافت: "لكن مع ذلك، لا أدعو إلى التوقيع عليها، لأنها ليست أولوية حالياً للسودانيات والسودانيين".

وأشارت القيادية في المؤتمر الشعبي وعضو البرلمان في النظام السابق، إلى أن الشعب السوداني يحتاج إلى حلول عاجلة للمشكلات الاقتصادية المتراكمة، وإلى تحقيق السلام وإنهاء الحروب المشتعلة في عدد من مناطق البلاد.

وتابعت: "على الحكومة الانتقالية أن تبتعد عن القضايا الخلافية، وأن تعكف على الأمور الضرورية، إذا أرادت أن تكون الفترة الانتقالية آمنة ومستقرة سياسيّاً".

ضد التوقيع

وفي أول نشاط احتجاجي مناهض للاتفاقية، نظّمت مبادرة سودانيات ضد سيداو يوم الخميس، وقفة احتجاجية أمام وزارة العدل، تطالب بعدم التوقيع على الاتفاقية، وتدعو إلى الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية.

لكن القيادية في قوى الحرية والتغيير (التحالف السياسي الحاكم في السودان) ميرفت حمد النيل، رأت أن التوقيع على اتفاقية سيداو لن يوقف التنمية ولن يعرقل الوصول إلى السلام، وشددت على أن التنمية تبدأ بتوفير الحقوق، بخاصة حقوق المرأة.

وأشارت حمد النيل إلى أن انخراط النساء المواليات للنظام السابق في معارضة الاتفاقية في الوقت الحالي، يأتي من منطلقات سياسية، ويهدف إلى تعطيل عمل الحكومة الانتقالية.

وقالت إن كثيراً من اللائي يعارضن سيداو حالياً، كنّ داعمات للتوقيع على الاتفاقية، بخاصة مسؤولة المرأة في المؤتمر الوطني الحزب الحاكم السابق قمر هباني، التي دعت إلى التوقيع على سيداو مع التحفظ على بعض بنودها.

وحذّر البروفيسور إبراهيم غندور الذي كُلّف قيادة المؤتمر الوطني عقب سجن الرئيس المعزول عمر البشير، من التوقيع على سيداو، بحجة أنها "تتعارض مع الشريعة الإسلامية".

وقال غندور في صفحته على موقع فيسبوك، إن "اتفاقية سيداو أكثر وثيقة في العالم تضرب ثقافتنا الإسلامية والسودانية".

بدوره لفت الأمين العامّ لهيئة علماء السودان الدكتور إبراهيم الكاروري، إلى أن اتفاقية سيداو تهدّد أمن الأسرة والمجتمع.

وقال الكاروري لـTRT عربي، إن نظام الرئيس المعزول عمر البشير سبق أن طلب الفتوى من الجهات الرسمية التابعة للدول، حول اتفاقية سيداو، فجاء الرد بعدم التوقيع عليها، لأنها تتقاطع مع الضوابط الشرعية.

وأشار الأمين العام لهيئة علماء السودان، إلى أن اتفاقية سيداو تلغي الأحكام والأعراف التي تميّز بين الرجل والمرأة، سواء أكانت نابعة من الدين أم كانت نابعة من تقاليد المجتمع، كما أنها تضع العصمة في يد الزوجة، وتلغي ولاية الوالد على ابنته بعد سن البلوغ، بجانب أنها تمنع تعدد الزوجات.

المصدر: TRT عربي