يعيش المغرب العربي أكثر مراحله حساسية وقتامة خلال الفترة الأخيرة، فربما يمتد فتيل الخلافات المغاربية هذه المرة إلى الشقيقتين تونس وليبيا، وذلك عقب تبادل الاتهامات بين الطرفين عن المصدر الرئيسي "المصدر للإرهاب" في المنطقة.

تزامناً مع زيارة وفد دبلوماسي ليبي برئاسة وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش إلى تونس الأسبوع المنقضي، للتباحث حول سبل التعاون وإجراءات فتح المعابر المغلقة بين البلدين على خلفية التفشي السريع لجائحة كورونا، ادعت وسائل الإعلام المحلية في تونس تسلل "عناصر إرهابية" إلى البلاد قادمين من ليبيا، التي لا زالت تسعى إلى تحقيق استقرارها السياسي والأمني.

وأثارت هذه الحملة الإعلامية غضب الجانب الليبي، حيث اتهم رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة بدوره تونس بـ"تصدير الإرهاب" إليها، معبراً عن عدم قبوله بهذه الاتهامات. إلا أن سياسيين ومسؤولين ليبيين وتونسيين استنكروا على الدبيبة تصريحاته التي تفاعلت مع المؤسسات الإعلامية التونسية، والتي لطالما أجج بعضها الصراعات الداخلية في تونس، ودفع نحو التوترات على مستوى علاقات تونس الإقليمية.

تبادل للاتهامات

انخرطت مؤخراً مختلف الوسائط الإعلامية في تونس في حملة ادعت فيها محاولة "أطراف إرهابية" التسلل إلى تونس عبر ليبيا. وانبرت في الترويج لهذه الادعاءات، معتبرة أن الوضع السياسي والأمني الدقيق في الجارة ليبيا التي تتشارك معها في شريط حدودي يبلغ نحو 170 كيلومتراً، يشكل خطراً على الاستقرار في تونس.

ولكن وزير الخارجية التونسي، عثمان الجرندي، أكد بدوره في تصريح رسمي للقناة الوطنية التونسية يوم الخميس 26 أغسطس/آب الجاري، أنه لا وجود لأي شيء يثبت صحة المعلومات التي تناقلتها وسائل الإعلام، عن وجود "أطراف إرهابية" في ليبيا تحاول التسلل إلى تونس. وحاول الجرندي طمأنة الرأي العام التونسي، بتأكيد ضبط الجانبين التونسي والليبي الأمور على الحدود المشتركة بين البلدين، مشدداً على اليقظة العسكرية والأمنية من الجانبين التونسي والليبي في تأمين حدود البلدين.

ورغم هذه التصريحات الرسمية الحازمة التي حاولت وضع حد لما اعتبر معلومات مضللة يراد بها تعكير العلاقات الثنائية بين البلدين، فإنها لم توقف غضب الجهات الرسمية في ليبيا. حيث ندد رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة باستهداف الإعلام التونسي لليبيين واعتبارهم "مصدراً للإرهاب"، وقال في تصريح إعلامي توجه فيه إلى الشعب الليبي يوم الجمعة 27 أغسطس/آب الجاري: “لن نقبل باتهامنا بالإرهاب. أنتم من جلب لنا الإرهابيين وحاسبوا أنفسكم قبل الاتهام. نحن شعب حر ولا يمكن أن نقبل اتهامنا بالإرهاب، وأنتم حاسبوا أنفسكم يا من تتهموننا بالإرهاب”.

وفي ظل هذه الاتهامات استنكر طيف واسع من السياسيين والناشطين التونسيين والليبين تصريحات رئيس الحكومة الليبية، التي قد تدفع بالأوضاع نحو مزيد التأزم بين البلدين، في وقت يحتاج فيه الطرفان إلى مزيد من التنسيق والتعاون في عدة ملفات.

تأكيد لعمق العلاقة

أثارت تصريحات الدبيبة حفيظة وغضب التونسيين، الذين اعتبروا أنها تعاط غير مسؤول مع الإشاعات التي تروج لها وسائل الإعلام المحلية في تونس. وفي هذا السياق قال المحلل السياسي التونسي طارق الكحلاوي: “بعد تصريح وزير الخارجية التونسي الجارندي الذي نفى فيه تسلل إرهابيين من ليبيا إلى تونس، اعتقدت أنه تم نزع فتيل أزمة مع ليبيا في سياق حالة الهستيريا التي تم تسويقها في بعض وسائل الإعلام. ليأتي اليوم رئيس الحكومة الليبي الدبيبة لإعادة إشعال الوضع، وصب الزيت على النار عوض التفاعل الإيجابي مع التصريح الرسمي التونسي الوحيد في الموضوع. فوق ذلك أعاد طرح الكليشيه المعتاد (الذي سبق لحفتر، خصم الدبيبة، الحديث فيه) بأن تونس صدرت الإرهاب إلى ليبيا”.

واعتبر الكحلاوي أن الإرهاب وجد في كلا البلدين بسبب عوامل محلية وتأثيرات خارجية ولم يصدر أي بلد الإرهاب إلى الآخر. وشدد على أن هذا الملف يستوجب تعاوناً جدياً، ولا يجب أن يصبح شماعة يتم التلاعب بها زمن الأزمات. متهماً أطرافاً بالعمل على النفخ على النار لتأزيم العلاقات بين البلدين، ودعا الكحلاوي الجهات الرسمية إلى عدم التفاعل السلبي مع تصريحات الدبيبة.

فيما أشار الباحث التونسي المختص في الشؤون الليبية والدبلوماسي السابق البشير الجويني، إلى أن المستفيد من إفساد العلاقات التونسية الليبية هو نفس الجهة التي تقف وراء الحملات الإعلامية التي تحاول دق إسفين بين البلدين، على حد تعبيره.

وأضاف الجويني متسائلاً: “هل من مصلحة ليبيا أن تُغلق حدودها أمام تونس التي تعتبر الوجهة الوحيدة المفتوحة أمام مواطنيها؟ من سيستفيد من خروج تونس من إعادة الإعمار في ليبيا؟ من مِن مصلحته أن تكون الحدود بين البلدين مغلقة بل متوترة على الدوام؟”.

وبينما يتخوف الجميع من أن تؤدي التصريحات المتوترة إلى تأزم العلاقات الثنائية بين البلدين، اعتبر الجويني أن القائمين على الترويج للاتهامات في تونس وليبيا هم أساساً من السياسيين الذين فشلوا في نيل ثقة الناخبين والأمنيين المطرودين والذين تعلقت بهم شبهات متنوعة، ومن المنتسبين إلى الصحفيين دون أحقية.

ومن جانبه قال وزير الخارجية التونسي الأسبق أحمد ونيس: "لو أراد دبيبة اتخاذ إجراءات تصعيدية لفعل ذلك، لكن ردة فعل حكومة ليبيا لن تتعدى حدود التصريح.. ففي مارس (آذار) الماضي، عبرت حكومة الدبيبة عن رغبة جدية بالتعاون مع تونس وتعميق العلاقات، وهذا فعلاً ما تريده إلى اليوم".

وكتب في السياق ذاته غسان القصيبي، الناطق الإعلامي باسم اتحاد الشغل في تدوينة على حسابه الرسمي على فيسبوك: “تعملون بروباغندا مغلوطة وأكاذيب حول عمليات إرهابية في تونس من الجارة ليبيا. هذا رئيس حكومة ليبيا قام بالرد ودافع عن بلاده. لماذا نخلق أعداء من فراغ ومن لا شيء. الشعبوية ستغرق البلاد بالأوهام وليس بالأفعال”.

ولم يكن التونسيون وحدهم من أكدوا ضرورة ضبط النفس، والحرص على تمتين علاقات الأخوة بين البلدين. حيث حذا حذوهم في ذلك مسؤولون وناشطون ليبيون، وقد علق في هذا الإطار صلاح الميرغني وزير العدل الليبي السابق قائلاً: “الليبيون والتونسيون شعب واحد في دولتين. تحية وسلام لأهلنا في تونس، وتقدير عظيم واحترام كبير لتونس رئيساً وحكومة وشعباً. لا نقبل أبداً أن تهاجم أو تهان تونس، ومن فعل أو يفعل هذا كائناً من كان لا يمثلنى ولا يمثل إلا نفسه. ننتظر من تونس كعهدنا بها القيادة والقدوة في احترام وتكريم الإنسان وحقوقه. نحمد الله على أهل وجوار محبين شرقاً وغرباً”.

TRT عربي