أصبح ارتباك المشهد السياسي في تونس يستدعي مخاوف داخلية وإقليمية. تزايدت منذ الإعلان عن القرارات الاستثنائية التي أصدرها الرئيس التونسي قيس سعيد، إضافة إلى الغموض والضبابية اللذين يكتنفان خارطة الطريق المستقبلية.

بعد أن تمكنت تونس من اجتياز عدة محطات مهمة ومفصلية، وبالرغم من تعرض التجربة الديمقراطية الوليدة للإخفاقات والانتكاسات، نجحت تونس في أن تكسب دعماً دولياً لتعزيز دعائم الاستقرار فيها، وذلك في ظل التحولات السياسية والأمنية التي تعيشها الجارة الشرقية ليبيا والجارة الغربية الجزائر.

إلا أن انقلاب قرطاج على النظام الدستوري، عزز المخاوف لدى البلدين المجاورين على غرار بقية الدول والقوى الإقليمية. والتي تقف على رأسها بلدان الاتحاد الأوروبي التي كانت تأمل في أن تصبح تونس صمام أمان ينقذها من مزيد توافد المهاجرين غير الشرعيين، بعد أن أصبحت المنصة المهمة للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.

تونس.. ممر إفريقي للهجرة غير الشرعية

رغم تراجعها في السنوات الأخيرة، تزايدت من جديد موجات اجتياز الحدود غير النظامية في اتجاه أوروبا انطلاقاً من تونس، مع تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إضافة إلى التداعيات السلبية لانتشار فيروس كورونا في بلدان القارة السمراء.

وارتفع في السنوات الأخيرة عدد المهاجرين الأفارقة المقيمين بتونس وأغلبهم من جنوب الصحراء الإفريقية، والمترقبين لفرصة الهجرة إلى أوروبا. وفي هذا السياق قال رمضان بن عمر الناطق الإعلامي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أنه "منذ عام 2012 أي مباشرة بعد الثورة أصبحت تونس قبلة لمهاجري اإفريقيا جنوب الصحراء، جزء منهم يجعل من تونس محطة استقرار، وجزء أكبر يعتبرها محطة قبل الوصول إلى التراب الإيطالي".

وقد سجلت مؤخراً السلطات الإيطالية توافد مالا يقل عن 19800 مهاجر خلال العام الجاري.

ويرى مراقبون ومحللون أن تونس أصبحت تعد قنطرة عبور للمهاجرين غير النظاميين في السنوات الأخيرة، في ظل غياب الرقابة الأمنية المشددة. وحسب الإحصائيات الصادرة سابقاً عن وزارة الداخلية التونسية فإنه توافد ما لا يقل عن 80 جنسية أغلبها من إفريقيا جنوب الصحراء.

كما أدى في الوقت ذاته ارتفاع نسبة البطالة وحالة الإحباط واليأس التي يعيشها الشباب التونسي في ظل أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية حادة، إلى تزايد المهاجرين على قوارب الموت في اتجاه أوروبا.

مخاوف أوروبية من تزايد الهجرة غير النظامية

في وقت سابق من السنة الحالية، أدى الرئيس التونسي قيس سعيد زيارة إلى إيطاليا للتباحث حول سبل مواجهة موجات الهجرة غير النظامية إلى السواحل الإيطالية وتدفقها إلى بقية البلدان الأوروبية. والتي تزايدت وتيرتها بشكل كبير وملحوظ خلال الفترة الماضية.

وعبرت وزيرة الداخلية الإيطالية لوتشيانا لامورغيسي إثر لقائها بقيس سعيد عن مخاوف السلطات الإيطالية والاتحاد الأوروبي من مزيد توافد المهاجرين غير النظاميين، وأشارت إلى أن التونسيين يمثلون حوالي 45% منهم. وشددت حينها على ضرورة تصدي السلطات التونسية لهذه القوارب والتعاون مع الجانب الإيطالي في مكافحة هذه الظاهرة المتنامية.

وإن أبدت السلطات التونسية استعدادها للتصدي إلى ظاهرة الهجرة غير النظامية وتوظيف مؤسسات الدولة في ذلك، فقد يبدو للموقف الأوروبي اليوم أنها ربما تعجز عن ذلك، بعد أن أعلن رئيس الجمهورية عن حل الحكومة وتجميد أعمال البرلمان، وسط انقسام حاد بين الفاعلين في المشهد السياسي.

وبين مؤيد ومتحفظ ومعارض، تباينت مواقف القوى الأجنبية في التوصيف الحقيقي للإجراءات الاستثنائية التي أقرها قيس سعيد. ودعا المتحدّث باسم الاتحاد الأوروبي كل الجهات الفاعلة في تونس إلى احترام الدستور والمؤسسات الدستورية وسيادة القانون.

فيما دعت كل من إيطاليا وفرنسا إلى التهدئة والالتزام بمبادئ الديمقراطية، دون أن تقدم أي توصيف لقرارات سعيد ملتزمة وفق رأيها بالتمعن والتروي قبل إصدار الأحكام.

TRT عربي