ثلاثة أشهر فقط مرت على إعلان تطبيع الإمارات علاقتها مع إسرائيل، تلك الفترة الزمنية القصيرة كانت مليئة بالاتفاقيات التي وقعها الجانبان في مختلف المجالات والقطاعات.

الرياضة لم تكن استثناءً من ذلك الإطلاق، بل حظيت باهتمام وتركيز كبيرين من خلال إبرام مسؤولي البلدين سلسلة من مذكرات التفاهم، إلى جانب الإعلان عن مباريات وصفقات كروية بين الأندية الإماراتية ونظيرتها الإسرائيلية. 

التطبيع الرياضي الذي أخذ منحنى متسارعاً وصل إلى نقطة بعيدة بدخول الدولة الخليجية في مفاوضات من أجل الاستثمار في الأندية الرياضية الإسرائيلية ورعايتها، ما أثار تساؤلات وتكهنات واسعة حول ذلك، في وقت تعاني فيه الرياضة الفلسطينية من ممارسات الاحتلال الإسرائيلي والتضييق عليها، ومحاولة منعها من الوجود في المحافل الرياضية العربية والقارية. 

"بيتار القدس" 

وعلى هامش توقيع اتفاقيتي التطبيع مع الإمارات والبحرين، منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تغريدة عبر حسابه الرسمي: إنها "ستضخ المليارات إلى اقتصادنا من خلال الاستثمارات والتعاون والمشاريع المشتركة".

تلك التغريدة استبقتها قناة "i24 news" العبرية بالكشف عن نية رجال أعمال إماراتيين الاستثمار في نادي "بيتار القدس"، أكثر أندية إسرائيل عنصرية، والمعروف عن جماهيره تبني مواقف يمينية متشددة، ورفضها رؤية أي لاعبين عرب أو مسلمين يحملون قميص الفريق وينشطون ضمن صفوفه، فضلاً عن تطاولها على الإسلام ورسوله محمد عليه الصلاة والسلام، إضافة إلى شعارها المعتمد "الموت للعرب".

وأكدت القناة أن المفاوضات الجارية بين الإماراتيين ومالك النادي الإسرائيلي موشيه حوجج قد تسفر عن "أول استثمار إماراتي في مجال الرياضة في إسرائيل". 

وقد عادت القناة العبرية في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الفائت للكشف عن قرب توقيع النادي الإسرائيلي اتفاق شراكة في أبو ظبي مع الشيخ حمد بن خليفة آل نهيان، أحد رجال أعمال الأسرة الحاكمة الإماراتية، بعد الاتفاق على كل التفاصيل بشكل نهائي. 

وأماطت القناة اللثام عن بعض تفاصيل الاتفاق، إذ يخطط آل نهيان للاستثمار بشكل فوري بمبلغ يصل إلى 100 مليون شيكل (30.4 مليون دولار)، مشيرة إلى أن عضو العائلة الحاكمة الإماراتية سيستحوذ على 49 بالمئة من أسهم النادي. 

وبينت القناة أنه من المتوقع الإعلان في ديسمبر/كانون الأول الجاري عن الصفقة، التي تشمل "تحسين ظروف ملعب التدريبات"، وذلك في مؤتمر صحفي يعقد بالعاصمة الإماراتية. 

ورغم محاولة الإمارات الذهاب بعيداً في تطبيعها مع إسرائيل، فإن هذا لا يلقَى قبولاً لدى مشجعي بيتار القدس الذين نشروا كتابات مسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، والدولة الخليجية، على الجدار الخارجي لملعب الفريق، بحسب يومية "معاريف" العبرية. 

"هبوعيل تل أبيب" 

الاستثمارات الإماراتية في أندية "إسرائيل" لم تتوقف عند هذا الفريق الذي يحمل اسم مدينة القدس المحتلة، وإنما امتدت إلى تل أبيب التي تعد العاصمة الاقتصادية للدولة العبرية، حيث اقترب رجل أعمال إماراتي من إتمام صفقة شراء نادي "هبوعيل تل أبيب". 

وبحسب قناة  "i24news" الإسرائيلية، فإن الصفقة ستكون بالشراكة مع رجل أعمال عربي من مدينة سخنين شمالي إسرائيل يُدعى عمر أبو ريا، في حين لم تكشف هوية المستثمر الإماراتي بشكل كامل مكتفية بالقول إنه "الشيخ أسامة"، وعرفته بأنه "صاحب شركة عقارات كبيرة في الإمارات".

ويعتبر هبوعيل تل أبيب أحد أبرز الأندية الإسرائيلية، إذ حقق الدوري المحلي لكرة القدم 13 مرة، كما يمتلك في رصيده 16 لقباً في مسابقة الكأس، وهو ما منحه فرصة تمثيل الدولة العبرية في مسابقات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، وهنا يدور الحديث حول دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي. 

وبموازاة ذلك، ذكرت مواقع إسرائيلية أن الاهتمام الإماراتي بالكرة الإسرائيلية لن يقتصر على ناديي بيتار القدس وهبوعيل تل أبيب، وقد يمتد إلى عقد صفقات رعاية أو استحواذ أخرى قد تطول أندية أخرى مثل "مكابي حيفا". 

انخراط أوسع في التطبيع 

المنسق العام للجنة الوطنية الفلسطينية للمقاطعة "BDS"، محمود نواجعة، يقول إن الاستثمارات الرياضية الإماراتية تعد جزءاً من "تورط الدولة الخليجية في التطبيع مع الاحتلال إلى أبعد مدى". 

وأوضح نواجعة في حديثه لـTRT عربي، أن ذلك يحدث من خلال شراء الأندية أو عبر ضخ مليارات الدولارات في صناديق قيل إنها "لتطوير الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بهدف انخراط أوسع في التطبيع لمؤسسات قاعدية ومجتمعات مدنية من الدول العربية"، وهو ما يأخذ التطبيع إلى مستوى مختلف كلياً.

وأكد أن هذا ينطبق على شراء الأندية الإسرائيلية خاصة المعروف عنها العنصرية ضد الفلسطينيين والعرب، لافتاً إلى أن ما يحدث حالياً تجاوز مرحلة التطبيع إلى "تورط وتواطؤ غير مسبوق في جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني"، قبل أن يعود ويؤكد أن ما يجري "مخطط ممنهج لأخذ التطبيع لأبعد مستوى". 

وحول المخاطر المترتبة على ذلك، بيّن نواجعة أن ذلك سينعكس بأشكال مختلفة على الرياضة الفلسطينية والعربية، وبالتالي "سيكون هناك محاولات للزج بهذه الأندية الإسرائيلية للعب مع فرق عربية". 

وبالفعل وجَّه "هبوعيل بئر السبع" الإسرائيلي في مطلع سبتمبر/أيلول الماضي، دعوة إلى فريق "شباب الأهلي دبي" الإماراتي لخوض مباراة ودية بينهما، في حين أُعلن رسمياً أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2020 عن مباراة تجمع "مكابي حيفا" و"العين" الإماراتي من المقرر إقامتها في أبو ظبي تحت اسم "مباراة السلام".

واستبعد المنسق العام لحركة "BDS" استثمار الإمارات في الرياضة الفلسطينية، لأن ذلك "لا يخدم مخططها التطبيعي" وفق حديثه لـTRT عربي. 

وفي حال ستقوم بذلك، فإنه سيندرج في سياق "حفظ بعض التوازن لتبرير تطبيعها بشراء الأندية الإسرائيلية"، مستدركاً بقوله: إن "هذا مرفوض فلسطينياً لأنه سيؤخذ لتبرير التطبيع والاستثمار الرياضي". 

بدوره اعتبر المعلق الرياضي التونسي زياد عطية دخول الإمارات في مفاوضات لشراء أندية إسرائيلية "خزياً وعاراً"، فضلاً عن كونه "طعنة في ظهر الأمة مع ما يعيشه الفلسطينيون من معاناة حرب وتمزيق شعب تستمر فيه الجرائم منذ عقود"، مشدداً على أن ما يحدث حالياً يُعَدّ ترجمة لـ"إرادة دولة الإمارات الرسمية للتطبيع مع إسرائيل"، وفق حديث سابق لـTRT عربي. 

أندية المستوطنات 

وأنشأت إسرائيل ما يسمى بـ"أندية المستوطنات" في إطار سياستها لابتلاع المزيد من الأرض الفلسطينية، وذلك على الأراضي المحتلة عام 1967، والأندية هي: مكابي أرائيل، أرائيل البلدي، بيتار جفعات زئيف، بيتار معاليه أدوميم، هبوعل أورانيت، هبوعيل بقعات هيردين، هبوعيل قطمون أورشليم، اليصور يهودا، وهبوعيل أورشليم. 

وزار وفد من رجال أعمال المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية بقيادة رئيس مجلس "شومرون" الاستيطاني يوسي داغان، إمارة دبي والتقوا أكثر من 20 رجل أعمال إماراتياً خلال الزيارة التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم، وتكللت بالتوقيع على اتفاقية تصدير منتجات المستوطنات إلى الإمارات.

ويضم مجلس "شومرون" الاستيطاني نحو 30 مستوطنة مقامة على أراضي شمال الضفة الغربية المحتلة، وتضم 3 مناطق صناعية فيها عشرات المصانع والشركات في مجالات صناعة البلاستيك وإعادة تدوير المعادن والإلكترونيات وغيرها. 

شل الرياضة الفلسطينية

وفي وقت تنهمر الاستثمارات الإماراتية على الأندية الإسرائيلية تعاني الرياضة الفلسطينية من ممارسات قمعية من سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، بعدما سجلت حضوراً محلياً وقارياً ودولياً ترافق مع رفع العلم الفلسطيني وعزف النشيد الوطني الفلسطيني بمختلف المحافل الرياضية. 

وبحسب تقرير لوكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، فقد تعمدت إسرائيل منع وعرقلة تشييد البنية التحتية للمنشآت الرياضية، وتدمير المنشآت القائمة، واقتحامها وتدمير ممتلكاتها، وإغلاق البعض منها، ومنعها من ممارسة نشاطاتها.

كما بين تقرير الوكالة الفلسطينية الرسمية، أن الدولة العبرية استهدفت حياة اللاعبين والإداريين للأندية الفلسطينية، وارتقى عدد منهم شهداء، كما عملت على تقييد حرية انتقالهم وسفرهم، وزجت بأعداد كبيرة منهم في السجون والمعتقلات، فضلاً عن احتجاز الأدوات والمعدات في المواني، وفرض الرسوم الجمركية الباهظة عليها. 

ضياء سبع، لاعب خط الوسط، إلى اليمين، وقع عقد مع فريق النصر الإماراتي. وكان سبع قد سبق له أن لعب للنادي الإسرائيلي مكابي نتانيا وهبوعيل بئر السبع. (AFP)
TRT عربي
الأكثر تداولاً