تأتي استقالة رئيس الحكومة العراقية عبد المهدي، بعد شهرين من اندلاع تظاهرات غاضبة راح ضحيتها ما يقرب من 420 قتيلاً وأكثر من 17000 جريح، ما يثير التساؤلات حول إذا كانت هذه الاستقالة ستوقف نزيف الدم العراقي وتتيح التوصل إلى حلول للأزمة، أم إلى تعقيدها؟

البرلمان العراقي يقبل استقالة عادل عبد المهدي
البرلمان العراقي يقبل استقالة عادل عبد المهدي (AA)

وقد أعرب كثير من السياسيين عن قلقهم إزاء ما سيحدث بعد الموافقة على استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي من قبل أعضاء البرلمان، وبهذا الصدد تحدث أمين عام حزب الشعب للإصلاح والنائب المعارض عن محافظة بغداد فائق الشيخ علي مُصرحاً لـTRT عربي، قائلاً: "إن استقالة الحكومة تعتبر بمثابة بداية نهاية الأزمة، فمن خلالها تحقق أول مطلب للشعب العراقي وبقية المطالب ستأتي تباعاً تزامناً مع إصرار المتظاهرين على التصعيد بهدف نيل الحقوق الكاملة، وأهمها تعديل الدستور وقانون الانتخابات ومفوضية الانتخابات".

وتابع الشيخ علي "المخاوف كثيرة حيال ما يتعلق بمسألة ترشيح شخصية سياسية مناسبة لشغل منصب بالغ الأهمية كرئيس الوزراء، وخصوصاً أن هناك اتفاقيات سرية بين الكتل السياسية في ظل حساسية الوضع الراهن، وهذا ما سيعقد عملية إدارة الحكومة، وسيضع الدولة في اختبار الشفافية وسيجبرهم على الابتعاد عن المحاصصة، والالتزام بتوفير شخص ينقذ هذا البلد إلى بر الأمان".

وأوضح أن "المتظاهرين لن يرضوا بشخص من داخل التشكيلة الحكومية الحالية، لكن البرلمان لن يأتي بأحد من خارج الكتل السياسية ولن يستجيب بسهولة للاحتجاجات للإتيان بشخص مستقل، وهذا ما سيثير الشعب الثائر وربما سيؤجج الأزمة."

ثم أشار النائب فائق الشيخ في تصريحه لـTRT عربي قائلاً: "إن هوية رئيس الحكومة المقبلة يصعب التكهن بها، لأن كل الكتل السياسية، مهما كبر حجمها، فهي كلها صغيرة أمام هذا الحجم من الاحتجاجات، وفي رأيي ليس هناك من هو في المشهد السياسي يستحق أن يكون رئيساً للحكومة في هذا الظرف العصيب".

الطريق نحو المجهول

جاءت موافقة مجلس النواب العراقي في جلسته الاستثنائية على استقالة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، التي يعتبرها الكثير من المراقبين أنها جاءت متأخرة، لتفتح الباب أمام سيناريوهات مختلفة بانتظار العراق، إذ لا يمكن لأحد الجزم بتغليب أحدها على الآخر في وقت تتواصل فيه الاحتجاجات الشعبية، التي انطلقت في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لتوقع مزيداً من القتلى برصاص أجهزة الأمن.

أوضح الباحث في المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية رعد هاشم، متحدثاً لـTRT عربي بالقول "إن السياق المعتمد في العراق لتسمية رئيس وزراء جديد "يعتمد على الكتلتين الأكبر الفائزتين في الانتخابات وهما الفتح بقيادة هادي العامري، وكتلة سائرون بقيادة السيد مقتدى الصدر، وذلك بالتشاور مع الكتل السياسية".

وأضاف هاشم، "المرحلة المقبلة هي بداية أزمة ستدخلنا في نفق مليء بالمطبات، لأن هذه الكتل السياسية عوّدتنا على ألا تتفق، وهي دائماً متناحرة تطول خلافاتها ولا تحسم إلا بتدخل خارجي، وهذا ما سيكون له أثر سلبي على الحلول المشتركة التي يطالب بها المتظاهرون".

وتابع، منذ عام 2003 والكتل العراقية تتعامل بمنهجية المحاصصة على حساب آمال الشعب الذي يريد اختيار شخصية وطنية صادقة تحترم حقوق المواطنين وتعيد بناء الثقة ولا تأخذ أوامرها من أجندات خارجية.

كما أعرب الباحث العراقي عن أمله بألا تذهب دماء الشهداء سدى وألا تضيع التظاهرات، قائلاً لـ TRT عربي،"إقالة الحكومة واحدة من مطالب المتظاهرين، ولذا فإن الكتل السياسية الممثلة في البرلمان عليها أن تغتنم موضوع الاستقالة للوصول إلى حلول تلامس مطالب الجماهير، وهذا بحد ذاته امتحان صريح ومباشر يقيس مدى جدية الحكومة تجاه شعبها الذي صبر لـ16 عاماً متحملاً فوضى الدولة وإخفاقات السياسيين".

وطالب هاشم المجتمع الدولي "بالحضور والتفاعل لأجل أن يكون البديل القادم بعيداً عن النفوذ الإيراني وأن يكون من التكنوقراط ومستقلاً وبعيداً عن التلاعب والمناورة والتدليس، كي لا يكون هناك خيبة أمل للشعب العراقي."

ردود فعل المتظاهرين

وقد رحّب متظاهرو ساحة التحرير في بغداد وميادين أخرى جنوبي البلاد بخطوة إعلان عبد المهدي تقديم استقالته إلى البرلمان، معتبرين أنها خطوة أولى، وأنهم سيواصلون التظاهرات حتى تحقيق المطالب بشكل كامل، فالفساد ينتشر بكل دوائر الدولة وليس فقط في رئاسة الوزراء.

ووفقاً للناشط المدني ياسين الأعظمي، فإن "استقالة عبد المهدي هي مجرد بداية لا أكثر، ومطالب المتظاهرين ستستمر بإصرارها على حل البرلمان أيضاً، إذ لا يمكن اعتبار التظاهرات قد حققت ما تصبو إليه الانتفاضة ككل، مبيناً لـTRT عربي، أن العملية السياسية تقتل طموحات الشعب، وهذه الفرصة الحقيقية لإجراء إصلاحات عارمة في البلاد، ورحيل الرئاسات الثلاث، وإجراء انتخابات مبكرة، ومحاسبة كل من ساهم بتدمير العراق اقتصادياً واجتماعياً".

وتابع الأعظمي، "أصدرنا بياناً بعد قرار الاستقالة، حددنا فيه مطالبنا للمرحلة المقبلة، فالخطوات القادمة ستضغط نحو حل البرلمان، وتغيير مفوضية الانتخابات وقانون الانتخابات، وتعديل الدستور، والدعوة لانتخابات جديدة بإشراف أممي، ومحاسبة كل الذين شاركوا وساهموا بقتل إخوتنا وضلل الحقيقة في الإعلام، ومن ضمنهم عادل عبد المهدي، وعبد الكريم خلف".

وأشار الأعظمي، "اليوم العراق يعيش مرحلة انتقالية نتيجة الوعي الجماهيري الكبير الذي يرفض المساومة على مستقبل المواطنين الذين تحملوا فشل الحكومات السابقة، ونحن الآن نراقب ما سيكون في حال قررت الأحزاب السياسية استبدال شخص بشخص آخر، أو أنهم سيتوجهون فعلاً لإكمال قانون حقيقي وعادل للانتخابات".

وأصر قائلاً: "لن نسمح للحكومة أن تستخدم الوقت لتسويف القرارات، فهذا الأسلوب لن يقاوم احتجاجات المتظاهرين، فالوعي الشعبي قد وصل إلى سقف عال ولن نتنازل عن حقوقنا المشروعة التي سكتنا عنها لمدة 16 عاماً، وقد حان الوقت كي نعلن بصوتٍ عالٍ أننا سنسترد حريتنا وسنستمر بمناشدة المجتمع الدولي كي يفتح عيونه جيداً لمشاهدة ما يحدث للعراقي من قمع يستدعي تدخلهم الفوري".

وختم الأعظمي، "شروطنا كمتظاهرين أن يكون رئيس الوزراء الجديد مستقلاً وغير متحزب، وأن يكون أكاديمياً ولا يكون من الذين اشتركوا بالعملية السياسية كجهة تنفيذية خلال الفترة الماضية، ولا يحمل جنسيتين، وأن يكون موجوداً ومقيماً في البلد منذ فترة طويلة".

السيناريوهات المقترحة

في ظل تصاعد موجة الاحتجاجات العراقية وضغط المتظاهرين نحو الإسراع بإجراء إصلاحات، تشهد الحكومة العراقية تخبطاً واضحاً في قراراتها لأنها تنتظر التوجهات من الأجندات الخارجية كي تعلن موقفها، وهذا ما سيضع الدولة في اختبار صعب أمام مطالب المحتجين الذين يرفضون التدخل الدولي في شؤون العراق.

بهذا الصدد يتحدث المحلل السياسي هشام الهاشمي لـTRT عربي، قائلاً: "استقالة عبدالمهدي ستؤدي إلى التهدئة المؤقتة، خصوصاً أنها لن تخلق فراغاً دستورياً، لأن من صلاحية رئيس الجمهورية أن يقوم خلال أسبوعين باختيار من يقوم مقام السيد عادل عبد المهدي في الحكومة الجديدة، ويبدأ مشوار التصويت على حكومة جديدة".

وتابع الهاشمي "إذا فشل البرلمان لمرتين في الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة، يمكن لرئيس الجمهورية أن يحل البرلمان ويدعو إلى انتخابات مبكرة، وهذه الإجراءات الدستورية واضحة في حال استقالة رئيس الحكومة أو إقالته".

وأضاف، "مصلحة الأحزاب السياسية المسيطرة يجب أن يصب نحو اقتراح حكومة مؤقتة لمدة 6 شهور للتهيئة لانتخابات مبكرة، وأعتقد أن هذا التفاهم جاهز وهو السيناريو الأكثر واقعية انسجاماً مع مطالب المتظاهرين، وربما هو الحل الوسط الذي يعطي فرصة للحكومة العراقية لإرضاء الشعب".

وأكد الهاشمي أن "احتواء الاحتجاجات مرتبط بإطلاق سراح المعتقلين بشكل فوري، ثم تأتي المرحلة الأهم بسيناريوهات حل الأزمة، وهي الاستجابة الحقيقية للمطالب الرئيسية الثلاثة التي تتضمن تشكيل حكومة مؤقتة، وإجراء انتخابات مبكرة تحت قانون انتخابات معدل ومستحدث، ورقابة مفوضية نزيهة جديدة".

كما أشار المحلل السياسي إلى ضرورة تشكيل حكومة جديدة مؤقتة تمهد لانتخابات مبكرة، وهذه الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تساهم في حل أزمة العراق، ولكن هذه الأزمة لن تنتهي إلا بعد تحقيق مطالب الجماهير التي تتجه نحو إصلاحات في مشاريع البلاد الاقتصادية ومحاربة الفساد، وانتخاب شخصيات كفوءة تدير دفة الحكم وتنقذ الشعب من النكبات، وتتصدى لمحاولات المحاصصة الحزبية". حسب قوله.

ورأى الهاشمي أن "إيران ستكون الخاسر الأكبر في التغيير السياسي القادم، والولايات المتحدة ستقف مع الوسائل الديمقراطية للتغيير، وستؤيد انتخابات جديدة."

هل تتحكم إيران بالحكومة العراقية

يعتبر البعض أن القرار العراقي ربما لا يكون مستقلاً في معرض الاستجابة لتلك المطالب، إذ لا يمكن لأحد أن ينكر انعكاس النفوذ الإقليمي على السياسة العراقية الداخلية، وأنه سيتعين المواءمة بين عدة أطراف منها الجناح المدعوم من إيران، وذلك المدعوم من واشنطن، وكذلك نفوذ المرجعية الدينية داخل العراق، والتي تسعى لتغليب التكنوقراط في المرحلة القادمة في سبيل لإصلاح الطبقة السياسية الحاكمة والتي انتهجت نهجاً فجاً في مجال المحاصصة الطائفية من وجهة نظر المرجعية الشيعية.

الكاتب العراقي مشرق عباس تحدث لـTRT عربي، موضحاً بالقول "المؤشرات على الأرض تؤكد أن هذه الأطراف المسلحة القريبة من إيران بدأت بالفعل تأخذ زمام القرار الأمني في العراق، وهذا مؤشر خطير، ويدل على فقدان السيطرة على مجريات الحكومة".

وأضاف عباس، "هذه القوى المسلحة المدعومة من إيران تعرض البلد بأكمله للخطر وتجازف به من أجل الحصول على مكاسب على مستوى القرار السياسي في العراق، والشعب يدفع الثمن باهضاً بخسارة خيرة شبابه".

وفي سياق متصل استبعد السياسي العراقي مثال الألوسي تمكُّن سليماني من اختيار شخصية جديدة لرئاسة الحكومة العراقية مجدداً "وسط تصاعد وتيرة الاحتجاجات ضد النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة".

وتابع الألوسي "مليشيات مدعومة من إيران وقفت خلف عمليات القتل التي طالت المتظاهرين في بغداد ومدن جنوب العراق، وبإشراف مباشر من قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني الذي يوجه الأوامر للحكومة العراقية وتبقى عاجزةً عن الرفض حفاظاً على مصالحها".

وأوضح لـTRT عربي أن "ما يجري في العراق ولبنان وإيران هو تعبير جلي على الفشل الذريع للنظام الإيراني، وأن سبب وجود قاسم سليماني في العراق يأتي بالدرجة الأولى للسيطرة على الانهيار المتسارع في هيكلية عصاباته السياسية الحزبية".

وأكد الألوسي أن "إيران تحاول أن تستخدم وتستنفر كل عملائها وأتباعها في مجلس النواب العراقي بلغة التهديد لإعطاء صورة يبين فيها سيطرته مجدداً على الوضع العراقي واعتبار هذا البلد من حصة إيران في المنطقة".

المصدر: TRT عربي