A man prepares to fire a rocket-propelled grenade during a gunfire in Beirut (Aziz Taher/Reuters)

طلقات نارية تخترق واجهات الأبنية، وقناصة يطلقون الرصاص عشوائياً، وقتلى وجرحى يسقطون تباعاً وسكان محاصرون داخل منازلهم.. عينة من مشاهد هزت اللبنانيين عند أحد خطوط التماس القديمة الخميس، مذكّرة بالحرب الأهلية الأليمة.

فقد تحوّلت مظاهرة لأنصار جماعة "حزب الله" وحركة "أمل" ضد قرارات المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، إلى اشتباك مسلح مع جهة مجهولة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.

وتتهم قوى سياسية بارزة على رأسها "حزب الله"، البيطار بـ"تسييس" التحقيق في قضية انفجار المرفأ.

وفي وقت سابق الخميس، انطلقت تظاهرة شارك فيها عشرات الموالين للحزب و"أمل"، من منطقة الطيونة (غرب بيروت)، باتجاه قصر العدل بالعاصمة، إلا أن المتظاهرين تعرضوا لإطلاق نار من مبانٍ مجاورة، وما لبث أن تحول الحراك إلى اشتباك مسلح بين الطرفين.

وحتى الساعة 14:30 (ت.غ)، وصلت حصيلة القتلى إلى 6 أشخاص، بالإضافة إلى 32 جريحاً بينهم 2 في حالة خطرة، وفق الصليب الأحمر اللبناني.

ويعيد المشهد الراهن إلى أذهان اللبنانيين مشاهد الحرب الأهلية التي بدأت في 13 أبريل/نيسان 1975، واستمرت حتى 13 أكتوبر/تشرين الأول 1990.

وشملت القوى المتصارعة مختلف الطوائف الإسلامية والمسيحية، إضافة إلى "منظمة التحرير الفلسطينية"، والجيش الإسرائيلي الذي اجتاح لبنان عامي 1978 و1982، وكذلك الجيش السوري الذي دخل البلاد عام 1976.

ويُقدّر عدد ضحايا الحرب الأهلية بـ 150 ألف قتيل و300 ألف جريح ومعاق و17 ألف مفقود، فضلاً عن هجرة أكثر من مليون شخص، وخسائر مادية فاقت 100 مليار دولار.

وبدأت نهاية الحرب في أغسطس/آب سنة 1989، مع توصل النواب اللبنانيين آنذاك في مدينة الطائف غربي السعودية، إلى ما يُعرف بـ"اتفاق الطائف".

وضع خطير

يشدد المحلل السياسي فيصل عبد الساتر (مقرب من حزب الله) على أن "ما حدث أمر خطير سبق أن حذرت منه جهات سياسية، أبرزها حزب الله"، معتبراً أن "هناك نية استباقية لما حدث اليوم".

ويؤكد عبد الساتر في تصريحات للأناضول، أنه "من حق المشاركين في الاعتصام التعبير عن رفضهم لقرارات البيطار، بما أن الأمر محصور في الإطار السلمي".

ومساء الأربعاء، انتشرت بمنصات التواصل الاجتماعي، دعوات من قبل أنصار "حزب الله" و"أمل" للتظاهر من أجل المطالبة بتنحية البيطار، علماً بأن أي جهة حزبية لم تصدر بياناً رسمياً حول التحرك.

وسبق هذه الدعوات خطاب لأمين عام "حزب الله" حسن نصر الله، الاثنين، قال فيه إن عمل البيطار "فيه استهداف سياسي ولا علاقة له بالعدالة"، معتبراً أن "البيطار لا يريد أن يصل إلى الحقيقة" بملف انفجار مرفأ بيروت.

وفي 4 أغسطس/آب الماضي، وقع انفجار كارثي في مرفأ بيروت أودى بحياة أكثر من 200 شخص وأصاب أكثر من 6 آلاف آخرين، فضلاً عن دمار مادي هائل في الأبنية السكنية والمؤسسات التجارية.

وتساءل عبد الساتر: "هل نسّقت جهات ليحصل هذا الاشتباك اليوم؟ وهل دخلت عناصر خارجية على خط الأزمة في لبنان؟".

"أحداث مفتعلة"

بدوره، اعتبر النائب وهبة قاطيشا عضو تكتل "الجمهورية القوية"، أن "المتهمين لا يريدون أن يصل التحقيق بانفجار مرفأ بيروت إلى نتيجة، فافتعلوا هذه الأحداث لعرقلة سير العدالة وعمل القاضي".

والثلاثاء، أصدر البيطار مذكرة توقيف بحق الوزير السابق النائب البرلماني الحالي علي حسن خليل (يتبع لحركة أمل)، بعد تغيبه عن جلسة استجواب بملف انفجار المرفأ.

وفي يوليو/تموز الماضي طلب بيطار رفع الحصانة البرلمانية عن 3 وزراء سابقين (من النواب الحاليين) للتحقيق معهم في القضية، وأعلن عزمه استجواب رئيس حكومة تصريف الأعمال حينها حسان دياب، إلا أن لجنة برلمانية طالبت القاضي بمزيد من الأدلة والمستندات قبل رفع الحصانة عنهم.

كما طلب المحقق العدلي بالقضية، الإذن من وزير الداخلية للتحقيق مع مدير الأمن العام اللبناني، إلى جانب 5 قادة أمنيين وعسكريين، بينهم قائد الجيش السابق جان قهوجي.

وأضاف قاطيشا في حديث للأناضول، أن "إشكال اليوم مفتعل لعرقلة سير العدالة في لبنان".

وأكّد أن "المتهمين لديهم مصلحة بتأزيم الوضع"، موضحاً أن "أحد النواب المتهمين سبق وقال إن التصعيد يمكن أن يكون أكبر من سياسي".

واستطرد: "الجهة المتهمة لديها مصلحة بتعكير صفو الأمن، لإلغاء العدالة في لبنان".

وخلال لقاء مع قناة "الميادين" بعد صدور مذكرة التوقيف بحقه، أعلن النائب خليل "أنه سيكون هناك تصعيد سياسي، وربما من نوع آخر، في حال عدم تصويب مسار هذه القضية".

مواجهة في الشارع

ويرى المحلل السياسي عبد الساتر أن "هناك من يريد أن يفرض قناعاته، تحت عنوان استقلالية القضاء".

وأردف "ما حدث اليوم أخرج الجميع إلى مكان آخر، بخاصة بعد خطاب رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، أمس (الأربعاء)، الذي حوّل فيه الخطاب السياسي إلى حالة مواجهة في الشارع".

والأربعاء اعتبر جعجع في حديث تلفزيوني أن "الشارع يقابله شارع"، رافضاً استعمال القوة من أي جهة، وقال: إنه "يقف إلى جانب القانون، ولن يقبل بإقالة قاضي التحقيق تحت الضغط".

"حزب الله" مستمر في اعتراضه

بعد ساعات من بدء الاشتباكات في غرب بيروت، أصدرت جماعة "حزب الله" وحركة "أمل" بياناً مشتركاً، دعتا فيه إلى التهدئة.

وأضاف البيان أن "هذا الاعتداء من قبل مجموعات مسلحة ومنظّمة، يهدف إلى جر البلد لفتنة ‏مقصودة يتحمل ‏مسؤوليتها المحرضون والجهات التي تتغطى خلف دماء ضحايا ‏وشهداء المرفأ، من أجل تحقيق ‏مكاسب سياسية مغرضة".

ولا تزال نهاية أحداث اليوم غامضة وفق ما يتفق المحللون، في ظل دعوات للتهدئة من جهات مختلفة، وسط تخوف من تكرار سيناريو الحرب الأهلية في لبنان.​​​​​​​

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً