تعد الممارسات القمعية التي تقوم بها المؤسسات الأمنية غير العسكرية في تونس، نتيجة حتمية وتراكمية لعقود طويلة من سطوة القبضة الأمنية على المجتمع والدولة.

رغم ما أحرزته ثورة 2011 في تونس من مكتسبات، فإنها لم تستطع القطع نهائياً مع دولة البوليس وكل أشكال العنف التي تسلطها على رقاب المجتمع.

أثار انتشار مقطع فيديو على صفحات التواصل الاجتماعي، يظهر فيه اعتداء أفراد الشرطة التونسية على شاب قاصر وتجريده من ملابسه، موجة غضب حادة في الشارع التونسي، في وقت تزايدت فيه المخاوف من الرجوع إلى عهد الممارسات القمعية التي وصمت بها قوات الأمن في تونس قبل اندلاع الثورة.

ورغم نفي وزارة الداخلية المتواصل لمسؤوليتها عن تورط أعوانها في ارتكاب أعمال عنف وقمع ضد المحتجين والمدنيين، يدين ناشطون وحقوقيون مواصلة غياب الإصلاحات الحقيقية في السلك الأمني.

هل تعود دولة البوليس؟

لم تكن هي المرة الأولى التي ينتفض فيها الشارع التونسي منذ يناير/كانون الثاني 2011 ضد القمع البوليسي، الذي لا يزال يسلط على المدنيين والمتظاهرين إلى اليوم. ولم تكن حادثة سحل الشاب العشريني الأخيرة إلا دليلاً آخر على فظاعة العنف الذي ترتكبه المؤسسة الأمنية بشكل مستمر ودون رادع حقيقي.

وكان قد شهد حي سيدي حسين غربي العاصمة تونس، الأيام القليلة الماضية، احتجاجات ومواجهات مستمرة مع قوات الأمن منذ يوم الأربعاء الماضي وذلك عقب دفن شاب من شباب الحي، يرجح وفاته بعد إيقافه نتيجة تعرضه للتعذيب.

ولكن نفي وزارة الداخلية للخبر على لسان ناطقها الرسمي خالد الحيوني لم يبعد أصابع الاتهام عن تورط أعوان الأمن في مقتل الشاب، ولم يكن كافياً لإيقاف الاحتجاجات المستمرة إلى اليوم.

فتح تحقيق ضد تجاوزات الشرطة في تونس عقب وفاة شاب تحت التعذيب (Reuters)

وازداد الوضع توتراً وحدة، بانتشار فيديو لأعوان الأمن يجردون فيه شاباً من ملابسه وينهالون عليه ضرباً في مشهد صادم للرأي العام.

ومع ارتفاع منسوب الاحتقان بالبلاد، أعلنت وزارة الداخلية في بيان رسمي لها قيامها بـ"إيقاف الأعوان المسؤولين عن هذه التجاوزات عن العمل، للتحقيق المباشر في الواقعة من طرف التفقدية العامة للأمن الوطني". وعبرت في الوقت ذاته عن إدانتها لهذه الممارسات.

لم يمنع إجراء وزارة الداخلية المخاوف المشروعة للناشطين والسياسيين، حيث إنها لم تكن المرة الأولى التي تقدم فيها قوات الأمن على قمع الناشطين وتعذيبهم. ففي يناير/كانون الثاني الماضي على خلفية احتجاجات عاشتها البلاد، قام أفراد الشرطة باعتقال نحو 1600 شاب من المحتجين تعرضوا بدورهم للعنف والاعتداء من قبل قوات الأمن في أثناء التحقيق، كما تسببت المواجهات أيضاً في وفاة الشاب هيكل الراشدي متأثراً بإصابته بإحدى القنابل المسيلة للدموع، وذلك رغم ما يكفله الدستور التونسي من حق للتظاهر والاحتجاج السلمي.

ومن جانبها، وعلى خلفية اعتداءات تعرض إليها أعوانها ومقراتها وفي ظل استهداف إرهابي متواصل لأفرادها في أكثر من مناسبة، سعت النقابات الأمنية وهي هيكل مستحدث بعد الثورة، إلى محاولة تمرير قانون يحمي الأمنيين وهو قانون زجر الاعتداء على الأمنيين، الذي كان قد عُرض على مجلس النواب وطالت بنودَه انتقادات كثيرة. ومن بينها منظمات حقوقية اعتبرت أن القانون من شأنه أن يعزز مزيداً من إفلات رجال الأمن من العقاب ويحميهم من أي مسؤولية جنائية عن استخدام القوة المميتة.

سجل طويل من الاعتداءات لم تتمكن ثورة 2011 من القطع نهائياً معها، ومشاهد عنف فظيعة تسببت في إنهاء حياة الكثيرين، وتمكنت وسائل التواصل والمنظمات الحقوقية من توثيق بعضها جعلت التساؤل عن عودة شبح دولة البوليس سؤالاً ملحاً.

تنديد وإدانة

على خلفية ما تداولته وسائل التواصل الاجتماعي من مشاهدة متكررة لتورط أعوان الأمن في الاعتداء على المدنيين، آخرها سحل الشاب القاصر وضربه، طالبت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب بالتحقيق في الحادثة وإدانة المتورطين فيها.

الموقف ذاته عبر عنه مكتب مجلس النواب في بيان رسمي، وطالب بتوفير الحماية الجسدية والقانونية والرعاية الطبية والنفسية للشاب.

ونفياً لمزاعم وزارة الداخلية و الاتهامات التي وجهتها في وقت سابق للشاب العشريني باستهلاكه للمخدرات وأنه كان في حالة سكر، أكد عميد المحامين إبراهيم بودربالة في تصريح لإذاعات محلية بأنه قام بمعاينة حالة الشاب الذي لم يكن من ذوي السوابق في شرب الخمر أو من مستهلكي المخدرات، وما زال طفلاً قاصراً.

كما أدانت أحزاب وناشطون سياسيون وحقوقيون الاعتداءات الصارخة لرجال الأمن بحق المدنيين والناشطين، وأدانت الخروقات التي تمس من كرامة المواطن وتهدد حقوقه وحرياته وتشكل خطراً حقيقياً على سلامته وحياته في كثير من الأحيان.

وفي الوقت ذاته يسعى مسؤلون للتحقيق في ملابسات وفاة الشاب الذي تُتهَم المؤسسة الأمنية بالتسبب في قتله إثر التعذيب.

وفي هذا السياق صرح الناطق الرسمي باسم المحكمة الابتدائية تونس2 فتحي السماتي لوسائل إعلامية محلية أن "النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية تونس2 أذنت منذ الثلاثاء بفتح بحث تحقيقي للكشف عن ملابسات وفاة الشاب، مع وضع جثته على ذمة الطبيب الشرعي لتحديد أسباب الوفاة".

وتناقلت وسائل إعلامية توجيه رئيس الجمهورية قيس سعيد دعوة لرئيس الحكومة ووزير الداخلية بالنيابة هشام المشيشي ووزيرة العدل بالنيابة حسناء بن سليمان على خلفية الأحداث الأخيرة بسيدي حسين.

TRT عربي
الأكثر تداولاً