بعد مضي أكثر من ثلاثة أشهر على الانقلاب العسكري في مالي الذي أطاح بالرئيس السابق إبراهيم أبو بكر كايتا، تتمسك مختلف الأطياف السياسية في البلاد باتفاقية الجزائر الموقعة سنة 2015 كأرضية للانتقال الديمقراطي في البلاد.

وهي الاتفاقية التي تتمسك بها أيضاً الجزائر التي احتضنت المفاوضات وقتها بين مختلف الأطراف المالية، لكن مع اقتراح إمكانية إجراء تحسينات تتماشى مع الوضع الراهن.

غير أن المتابعين للأحداث الجارية في الجارة الجنوبية للجزائر، يتساءلون دوماً حول مدى قدرة الأخيرة على النجاح بمهمتها في ظل وجود خطط فرنسية للمنطقة، جعلت من باريس المتهم الرئيس بالعمل على إبقاء حالة الفوضى هناك على الرغم من ادعائها أنها أول الباحثين والمهتمين بعودة الأمن والسلم في الساحل الإفريقي. 

سلطة انتقالية

في 18 أغسطس/آب الماضي، استطاع تمرد داخل الجيش في مالي أن يطيح بحكم الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا، تبعه تعيين مجلس عسكري انتقالي أسفر بعد مفاوضات داخلية وخارجية عن تعيين العقيد المتقاعد باه نداو في 25 سبتمبر/أيلول الماضي رئيساً مؤقتاً للبلاد.

وتتولى السلطة الانتقالية تسيير البلاد لمرحلة انتقالية تمتد عاماً ونصف عام، يعود بعدها الحكم إلى المدنيين بعد إجراء انتخابات، لإرساء الحكم المؤسساتي الذي ينادي به الاتحاد الإفريقي الذي تنص بنوده على عدم الاعتراف بأي سلطة تصل إلى سدة الحكم بطريقة غير دستورية. 

ودعمت الجزائر عملية انتقال السلطة في مالي وكانت من المساهمين في رسم الخارطة السياسية الجديدة، فقد قام وزير الخارجية صبري بوقادوم بزيارتين إلى مالي قبل الاتفاق على من سيتولون السلطة في البلاد، كانت الأولى في 28 أغسطس/آب الماضي، والثانية في 20 سبتمبر/أيلول قبل يوم من إعلان المجلس العسكري الانتقالي الاتفاق على تعيين باه نداو رئيساً مؤقتاً للبلاد. 

وحسب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الذي يعالَج اليوم في مستشفى بألمانيا عقب إصابته بفيروس كورونا، فإن 90% من حل الأزمة في مالي يكون جزائرياً. 

وحسب المحلل الأمني عمر بن جانة فإن أهم ملاحظة قد تثير الاهتمام في عملية الانقلاب الأخيرة أنه لأول مرة تجري عملية انتقال للسلطة ضد رئيس في باماكو يحظى بدعم فرنسي، مثلما يوضح لـTRT عربي. 

خارطة جديدة

على الرغم من تمسك جميع الأطراف بما جاء باتفاقية الجزائر 2015 للمصالحة والسلم في مالي، فإن وزير الخارجية الجزائري صبري بقادوم دعا خلال أشغال الدورة العادية الـ44 للجنة المتابعة لاتفاق الجزائر الذي جرى بباماكو قبل أيام لوضع خارطة طريق جديدة تتلاءم مع أهداف المرحلة الانتقالية التي تعرفها مالي. 

واتفاقية الجزائر هي أرضية ميثاق وقَّعت عليه حكومة مالي ومجموعات متمردة مسلحة هي الحركة الوطنية لتحرير أزواد، والمجلس الأعلى لوحدة أزواد، وحركة أزواد العربية، وحركة أزواد العربية المنشقة، وتنسيقية الشعب في أزواد، وتنسيقية حركات وجبهات المقاومة الوطنية. 

وتضمنت اتفاقية الجزائر إنهاء حالة الحرب بين الحكومة والحركات الأزوادية بشمال مالي وتكريس الوحدة الوطنية، ونزع كل أشكال التسليح وبسط سيطرة الجيش وإدراج عناصر الحركات المسلحة في الجيش المالي والشرطة المحلية ومكافحة الإرهاب، وبعث مشاريع تنموية واجتماعية بمناطق شمال مالي.

وقال بوقادوم: "أجدد اليوم تأكيد التزام الجزائر، بصفتها رئيسة لجنة متابعة اتفاق السلام، على بذل قصارى الجهود لمواصلة تنفيذ الاتفاق خلال هذه الفترة الدقيقة". 

وأضاف الوزير الجزائري قائلاً: "من المهم أن تتوج أشغالكم في وقت قصير معقول باستكمال تنفيذ الإجراءات ذات الأولوية الموروثة من الدورات السابقة، ونعتقد أن السياق الحالي يوفر فرصة ممتازة للطرف المالي للشروع في المراحل المتبقية من تنفيذ الاتفاق بوضع خارطة طريق جديدة تتلاءم مع أهداف المرحلة الانتقالية ".

غير أن العقيد السابق في الجيش الجزائري عبد الحميد العربي شريف لا يؤيد اقتراح وزير الخارجية حول إمكانية وضع خارطة جديدة لحل الأزمة في مالي، مُبديا في حديثه مع TRT  عربي تَفاجُؤه من موقف بوقادوم، كون اتفاقية الجزائر شاملة ولا تحتاج إلى أي تعديل.

وأضاف العربي شريف أن الأسباب والظروف التي أدت إلى توقيع اتفاقية الجزائر تبقى قائمة، ما يعني أنها تظل أحسن أرضية للحوار والتفاوض بين مختلف الأطياف في مالي. 

وحذر العقيد السابق في الجيش الجزائري من أن تفتح أي محاولة للتعديل في اتفاقية الجزائر الباب لحدوث أزمات جديدة، والتشكيك في مصداقية ونجاعة الوساطة الجزائرية. 

وبدوره، يؤكد الخبير الأمني عمر بن جانة في حديثه معTRT عربي قدرة اتفاقية الجزائر على احتواء الأزمة في مالي لأنها اتفاقية شاملة تعالج مختلف أبعاد الأزمة، لكنه يعتقد أن تصريحات وزير الخارجية صبري قادوم جاءت بهدف فتح باب الوساطة مع الأطراف المالية التي ترفض الجلوس إلى طاولة الحوار أو لها تحفظات على تنفيذ أرضية 2015. 

العائق الفرنسي

غير أن الجهود الجزائرية في سبيل إعادة الأمن والاستقرار في مالي كثيراً ما اصطدمت بتدخلات أجنبية في مقدمتها الوجود الفرنسي المتهم ببذل قصارى طاقاته لبقاء الفوضى في منطقة الساحل. 

بالنسبة إلى العقيد السابق في الجيش الجزائري عبد الحميد العربي شريف، فإن الوجود الفرنسي في مالي ومنطقة الساحل ككل لم يكن يوماً من أجل المساهمة في تنمية هذه الدول التي كانت مستعمرات سابقة لها، بل للإبقاء على مصالح تتعلق بالنفوذ في القارة السمراء والاستفادة من ثرواتها الطبيعية. 

وقال العربي شريف إن "باريس التي تتشدق بمحاربة الإرهاب تتخلى عن هذا المبدأ ألف مرة وتظهر بوجوه متعددة في منطقة الساحل، بل إنها تصبح راعياً للإرهاب بدفعها فديات بملايين الدولارات من أجل الإفراج عن الرهائن". 

ونقلت عدة تقارير إعلامية أن إطلاق الرهينة الفرنسية التي كانت محتجزة في مالي جاء بعد "دفع فدية وإطلاق السلطات في مالي 200 متشدد من الإرهابيين". 

وأعلنت وزارة الدفاع الجزائرية مؤخراً إلقاء القبض على "الإرهابيين الحسين ولد عمار ولد مغنية المدعو مايس ومصطفى درار". 

وحسب وزارة الدفاع الجزائرية، فقد جرى إطلاق سراح هذين الإرهابيين "بداية شهر أكتوبر/تشرين الأول بمالي، بعد مفاوضات نفذتها أطراف أجنبية وأسفرت عن إبرام صفقة جرى بموجبها إطلاق سراح أكثر من 200 إرهابي ودفع فدية مالية معتبرة للجماعات الإرهابية مقابل الإفراج عن ثلاثة رهائن من الأوروبيين". 

وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، جرى إطلاق الرهينة الفرنسية صوفي بترونين و الإيطاليين نيكولا تشياتشيو وبيير لويغي ماكالي، مقابل الإفراج عن 200 متشدد ودفع فدية مالية للجهات الخاطفة. 

ويرى الخبير الأمني عمر بن جانة أن الوجود الفرنسي في مالي "كان دوماً جزءاً من المشكلة وليس جزءاً من الحل". 

وبرر بن جانة موقفه بالاحتجاجات المتكررة للشعب المالي للمطالبة بخروج القوات الفرنسية من مالي، كونها"قوات احتلال"لا قوات تساهم في استتباب الأمن بالمنطقة.

وبدوره يوضح الصحفي الموريتاني المتابع لشؤون دول الساحل الإفريقي محمد ولد شينا لـTRT عربي أنه بات واضحاً أن الأدوار التي تلعبها فرنسا في عدة دول إفريقية يساهم في تردِّي الأوضاع السياسية والأمنية، خصوصاً في مالي.

وأضاف ولد شينا: "لكن توجد متغيرات جديدة أصبحت تقف أمام التدخل الفرنسي المكشوف في شؤون إفريقيا ومالي بشكل خاص، تتمثل في تنامي موجة من الرفض الشعبي لدى قطاعات واسعة من القوى الشبابية والسياسية بدول في غرب إفريقيا مطالبة بوضع محددات جديدة ومعالم تُوجِّه بوصلة علاقات فرنسا بإفريقيا على أسس تضمن السيادة والخروج من عباءة التبعية والاستقلال الفعلي لإفريقيا عن فرنسا الاستعمارية".

ويعتقد عمر بن جانة أن التحركات الأخيرة لفرنسا في مالي ومنها الضغط على الحكومة بباماكو لإطلاق سراح 200 متشدد تندرج ضمن مخططها لإعادة خيوط اللعبة هناك إلى يدها، بعد أن بدأ يظهر للعيان فقدانها لنفوذها بالمنطقة. 

TRT عربي
الأكثر تداولاً