لم تكن خسارة باريس لـ"اتفاقية القرن" مجرد خسارة لعقد تجاري وعسكري أو خسارة لعلاقة دبلوماسية مع أحد الحلفاء المهمين، وإنما كانت زلزالاً مزعزعاً لمصالح فرنسا واستراتيجيتها في المحيطين الهندي والهادي.

بعد سنوات من المناورات والخطط الاستراتيجية ونسج التحالفات يبدو أن فرنسا خسرت في النهاية موطئ قدم هاماً لها في منطقة "الإندو-باسيفيك" أو "آسيا المحيط الهادي". إذ أعلنت كانبيرا مؤخراً انسحابها من العقد المبرم مع باريس عام 2016 بتزويدها بـ12 غواصة قتالية بقيمة 90 مليار دولار، مقابل حصولها على غواصات الدفع النووي، في إطار الشراكة الاستراتيجية الجديدة الموقَّعة مع واشنطن وكندا تحت عنوان "أكوس".

وأثارت الخطوة المفاجئة لأستراليا والولايات المتحدة استياء فرنسا التي اعتبرت ذلك استبعاداً صريحاً لها من أهم المناطق الجيوسياسية الحاسمة التي تؤثر تطوراتها على المصالح الفرنسية.

وإن كانت الولايات المتحدة حاولت إثر ذلك التهدئة من غضب فرنسا فإنها تتمسك في الوقت ذاته بتطوير الشراكات وتوسيعها مع عدة أطراف وقوى في منطقة المحيطين الهندي والهادي التي تعتبر مسرح صراع رئيسي مع الصين.

الإندو-باسيفيك.. ساحة صراع إقليمية حاسمة

تشير منطقة الإندو-باسيفيك أو "آسيا المحيط الهادي" إلى منطقة المحيطين الهندي والهادي التي تمتد من إطلالة الأمريكتين شرقاً حتى حدود المحيط الهندي بالقرب من بحر العرب وسواحل شرق القارة الإفريقية غرباً، ومن الحدود البحرية للهند ودول جنوب آسيا وشرقها حتى السواحل الأسترالية جنوباً.

ومع تصاعد النفوذ الصيني صاغت الولايات المتحدة استراتيجية قومية في منطقة المحيطين الهندي والهادي التي باتت تشكل مسرح صراع للقوتين المتنافستين، وأصبحت على ضوء ذلك تبحث في سبل تعزيز نفوذها عبر توسيع الشراكات وتطويرها التي تعتبر اتفاقية "أوكوس" أحد إرهاصاتها الأخيرة.

أما بالنسبة إلى فرنسا فإن منطقة الإندو-باسيفيك تشمل مجموعة مقاطعات وأقاليم ما وراء البحار الفرنسية، على غرار جزر مايوت وريونيون والأراضي الفرنسية الجنوبية والقطبية الجنوبية وكاليدونيا الجديدة وإليس وفوتونا وبولينيزيا الفرنسية وكليبرتون، ويقطنها نحو 1.65 مليون فرنسي. ويتركز في هذه المنطقة نحو 93% من المنطقة الاقتصادية الفرنسية، وأكثر من 7 آلاف شركة، إضافة إلى تركز نحو 8300 جندي في مهمة عسكرية هناك.

وبناء على ذلك أكدت باريس في عدة مناسبات ضرورة اضطلاعها بدورها باعتبارها قوة إقليمية في تأمين المنطقة والمساهمة في استقرارها، من أجل حماية مصالحها السيادية وضمان أمن مواطنيها، واعتمدت في ذلك على التعاون مع كل من الهند وأستراليا.

وبينما تدعي فرنسا أنها قوة حقيقية وحاسمة في "المحيطين الهندي والهادي" تمكنت بكين في الوقت ذاته من تعزيز وجودها في مياه المنطقة، ونجحت في عسكرة الجزر المستصلحة في بحر الصين الجنوبي، وارتفعت المباني العسكرية الجديدة ونمت أساطيل السفن الخاصة بها.

ويبدو أن الولايات المتحدة اعتبرت ذلك إشارة إلى أن فرنسا ليست في الحقيقة لاعباً أمنياً رئيسياً في المنطقة، وذهبت بعض آراء خبراء ومحللين إلى ترجيح سعي باريس للاستفادة من السوق الصيني المتنامي بالمنطقة والبحث عن منافذ للصناعات العسكرية مندون الدخول في تحالف دفاعي رسمي.

هل تستعيد باريس تموضعها في المنطقة؟

بينما تُقبل الولايات المتحدة على مرحلة دقيقة وحاسمة بمواجهة ما وصفته بالخطر والتهديد الصيني، فقد أكدت دائماً عبر سياساتها سعيها لنسج شراكات وتحالفات قوية بدرجة التحدي المقبلة عليه.

وفي هذا السياق يعتبر خبراء ومحللون أن بإعلانها الدخول في شراكة أمنية استراتيجية مع أستراليا والمملكة المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادي، فهي بذلك تبعد فرنسا الذي يبدو موقفها متأرجحاً وملتبساً، خطوة إلى الوراء.

ومنذ خسارتها أحد حلفائها الرئيسيين في منطقة الإندو-باسيفيك بعد عقود من جهود التقارب والتعاون تسعى فرنسا مجدداً لتجاوز التشكيك في استراتيجياتها بالمنطقة وتحاول استعادة دورها ومكانتها. وقد أدرك الرؤساء المتعاقبون على الإيليزيه أنه يتعين على باريس لتعزيز مكانتها الإقليمية العمل على إعادة تموضعها في آسيا أو المحيطين الهندي والهادي.

ولكن يبدو أن ذلك بات اليوم أشبه بالمستحيل، في ظل وجود قوتين عالميتين متنافستين معززتين بتحالفات استراتيجية. لتكون بذلك فرنسا قد خسرت منطقة استراتيجية هامة سيتضاءل دورها فيها تدريجياً، كما أشار إلى ذلك خبراء ومحللون.

TRT عربي