احتجاجات سابقة ضد اللواء خليفة حفتر (Ismail Zitouny/Reuters)

نشرت مفوضية الانتخابات الليبية، الخميس قائمة بأسماء أصحاب الستة عشر ملف ترشح للانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في 24 ديسمبر/كانون الأول القادم التي تلقتها لحد الساعة. وكانت قد أعلنت المفوضية ذاتها قبل ذلك إحالتها عشراً منها إلى الجهات المختصة في الحسم في أهليتها طبقاً للقانون رقم 1 لسنة 2021 بشأن انتخاب رئيس الدولة وتحديد صلاحياته.

فيما يشترط هذا القانون على المرشح: ألا يكون محكوماً عليه نهائياً في جناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة، وألا يحمل جنسية دولة أخرى عند ترشحه. وأوضحت المفوضية في البيان ذاته بأن "الطلبات ستحال إلى الإدارة العامة للتحقق من استيفاء كامل المستندات المطلوبة، ومن ثم إحالة بعضها إلى الجهات المختصة للنظر في مدى صحتها من عدمه".

هذا ومع تكاثر ملفات الترشيح، يغيب لحد الآن أي برنامج واضح لأي منها. بالمقابل ما زالت الخلافات حول آلية إجراء الانتخابات تهدد البلاد بانفجار نزاع مسلح جديد، كما تواصل الرفض الشعبي لأسماء بعينها قد تزيد العملية تعقيداً. كل هذا يجري في وقت تتجاذب فيه الأطراف الخارجية الساحة السياسية الليبية بحثاً عن تحصيل مصالحها هناك.

مرشحون وتصوُّرات

يعد أبرز ما خلق الحدث مع بداية تقديم ملفات الترشيح للرئاسيات الليبية تأكيد عودة نجل الرئيس المخلوف، سيف الإسلام القذافي، إلى الساحة مراهناً على بعث نظام أبيه (معمر القذافي) للحياة من جديد. وعبَّر عن ذلك بصراحة منذ المقابلة الأولى التي أجرتها معه جريدة "نيويورك تايمز" قبل شهور، مع أنه لم يحسم وقتها في قرار ترشحه.

وصرَّح سيف الإسلام خلال تلك المقابلة أنه ينوي العودة إلى الساحة السياسية، دون أن يوضح من أي موقع يود ممارستها ولا بأي صفة، فيما يخلص الصحفي الذي أجراها معه إلى أن في قلب الابن حنيناً لعهد أبيه، هو الذي "استغل فترة غيابه عن الساحة في مراقبة الأوضاع السياسية في منطقة الشرق الأوسط والعمل بهدوء على إعادة تنظيم القوة السياسية التابعة لأبيه والمعروفة باسم "الحركة الخضراء" التي يعتقد بقدرتها على أن تعيد للبلاد وحدتها المفقودة" يقول صحفي "نيويورك تايمز".

من جهة أخرى هنالك أمير الحرب خليفة حفتر الذي أعلن رسمياً ترشحه لرئاسة البلاد. الضابط السابق في جيش معمر القذافي، والمدعوم روسياً وإماراتياً. شخصية تعد أكبر المتورطين في انقسام البلاد كما في سيل الدم الذي أغرقها، ولم يستبعد قط من قبل ترشحه للرئاسة، غير أنه يواجه حائلاً هو قانون الانتخابات الذي يستثني الحاملين لجنسيات أجنبية من خوضها، بينما حفتر حائز على الجواز الأمريكي طوال فترة إقامته بولاية فرجينيا.

وقال حفتر في الكلمة المتلفزة التي أعلن فيها ترشحه بأن "لدينا أفكاراً لا تنضب، ومساعدين قادرين على تحسين حياة الليبيين"، متعهداً بـ"الدفاع عن الثوابت الوطنية، وأهمها وحدة ليبيا وسيادتها واستقلالها". هذا في وقت خرجت فيه مظاهرات بالعاصمة طرابلس رافضة لترشح اللواء المتقاعد، اقتحم خلالها العديد من مقار المفوضية العليا للانتخابات.

وهناك أيضاً عقيلة صالح، رئيس البرلمان الليبي الأسبق، الذي أعلن ترشحه في كلمة متلفزة هو الآخر، قائلاً: "المخرج الوحيد لمنع التدخل الأجنبي وعدم تقسيم البلاد وتوحيد المؤسسات والمصالحة الوطنية". فيما يواجه صالح انتقادات واسعة بتورطه في الانقلاب الذي قاده حفتر، وتحالفه معه في الحرب التي أودت بحياة عشرات الليبيين. كما يتهم كذلك بعمله على تسهيل طريق حفتر نحو الترشح.

يضاف إلى هؤلاء الثلاثة وزير الداخلية السابق، فتحي باشاغا، الذي يدخل الانتخابات هو الآخر بشعار إنهاء الانقسام الليبي ومحاسبة المتورطين فيه. كما أنه كان من الشخصيات الليبية التي التقى بها صحفي "نيويرك تايمز" روبرت وورث بالتوازي مع مقابلته سيف الإسلام، وقال إن "الكثيرين يعتبرون باشاغا شخصاً كفوءاً نزيهاً، وقد نال إعجاب الكثيرين أثناء رحلاته إلى واشنطن والعواصم الأوروبية عام 2019 لطلب الدعم في قطع مصادر التمويل عن قادة المليشيات الأشد خطراً".

وصرَّح باشاغا لوورث بأن مسألة المليشيات تقع على رأس أولوياته، وأنه عازم على تصنيفها إلى: أفراد الفئة الخضراء يمكن تعيينهم في الأجهزة الأمنية الحكومية، وأفراد الفئة البرتقالية يحتاجون إلى إعادة التدريب، أما أفراد الفئة الحمراء فهم مجرمون يجب القبض عليهم. غير أن المسألة ليست بهذه البساطة، يرى مراقبون، كون هذه المليشيات ذات ولاءات قبلية ومناطقية، وباشاغا نفسه له مليشيا تواليه في مصراتة، ما قد يرجع من مقترحه لتصنيفها فخاً نحو اقتتال جديد أكثر منه حلاً لإعادة إدماجها في منظومة وطنية.

انتخابات وسط رهانات أجنبية

في خضم هذا النقاش الدائر تسعى كل الأطراف من أجل تحصيل الدعم اللازم خلال المحطة الانتخابية، بينما ترى تلك القوى فرصة لمد نفوذها على المصير الليبي. هذا وأوردت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية في تقرير سابق لها بأن اللواء خليفة حفتر يعمل بكل جهده لمقابلة الرئيس الأمريكي جو بايدن. وكشفت أن اللواء دفع نحو مليون دولار لجماعات ضغط بواشنطن، كي تيسر له ذلك المسعى.

مضيفة أن مساعي حفتر تهدم للحصول على دعم سياسي من واشطن، وفي ذلك دفع إلى التعاقد مع مساعد كبير للرئيس السابق بيل كلينتون لاني ديفيس والنائب الجمهوري السابق روبرت ليفينغستون، الشخصيتين اللتين انطلقتا في ترتيب اجتماعات مع المسؤولين في البيت الأبيض ووزارة الخارجية والكونغرس قبل الانتخابات الوطنية الليبية المقرر إجراؤها في ديسمبر/كانون الأول المقبل، حسبما أفادت الصحيفة.

وفي السياق ذاته قالت جريدة "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية، بأن "حسابات حفتر بسيطة، فقد لاحظ أن إدارة بايدن تغض النظر عنه نسبياً حتى الآن، فخلص إلى أنه في سياق الانتخابات المقبلة المحتملة يمكنه الحصول على مزيد من الدعم من واشنطن، وتحسين صورته كقائد مؤيد للديمقراطية". فيما يأتي هذا التحرك مقابل ورود تقارير عدة عن عزم الكرملين المراهنة على سيف الإسلام كجواد رابح في السباق الرئاسي.

وسبق أن كشف تقرير لوكالة بلومبورغ، نقلاً عن ثلاثة مسؤولين روس، عن أن "روسيا ضغطت على المشير خليفة حفتر لدعم خصمه سيف الإسلام القذافي الذي ترى فيه مرشحها الذي لن يُقهر خلال الانتخابات القادمة"، كما أن بوتين "يعتبر ليبيا قضية شخصيَّة بالنسبة إليه".

وقال مستشار سياسي في الكرملين لبلومبورغ بأن إعادة القذافي إلى حكم ليبيا يعني أن "روسيا قادرة على تمزيق كل مخططات الغرب". فيما أضفت الوكالة بأن لعبة بوتين "الأكثر رعونة" هذه تلقى موافقة من القاهرة، حسب ما أكده لها متحدثان من موسكو.

وإضافة إلى مصر، فإن عودة القذافي إلى الحكم تخدم مصالح إيطاليا الاقتصادية، وبالتالي هي الأخرى توافق على خطة الروس. بالمقابل تعارضها الإمارات وباريس، الداعمين الآخرين لخندق حفتر، صعود اسم القذافي مجدداً على رأس هرم السلطة بالبلاد.

TRT عربي